ترجمة الأمثال الشعبية
بقلم: ياسمين عبدالقدوس
"اللي يتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي”..
كيف يفهم القارئ الأجنبي أمثالنا الشعبية؟
تخيل لبرهة أنك تفتح إحدى مسرحيات شكسبير، فتصطدم بعبارة تقول:
"إن الفضول قد قتل القط!"،
أو أن قارئًا في أطراف لندن
يفتح ترجمة لـ "نجيب محفوظ" فيجد الشخصية تقول:
"!He who got burnt by hot soup blows on yogurt"
ليغلبك شعور من سُكِبَ عليه دلو ماء، فتتوقف القراءة، وتتلاشى اللذة الأدبية، وتكتشف أن الترجمة الحرفية ليست سوى مقبرة للمعاني، فالأمثال الشعبية ليست مجرد تجميع لغوي، بل هي "الشفرة الوراثية" لروح الشعوب، وتبدأ بالتساؤل:
كيف يمكن ترجمة "الروح" لا الكلمات؟
وفي اليوم العالمي للترجمة، نفتح في "ورقة".. واحدة من كواليس أعتى المعارك التي يخوضها المترجم الأدبي: كيف يُحمل مثلاً شعبيًا قيل في حارة مصرية ،أو قرية إسبانية إلى قارئ في أقاصي الأرض، دون أن تسقط منه "الروح" في بحر القواميس؟
وخلف خبايا هذه المهنة: كيف يفكر المترجم؟
قبل أن نخوض في التنظير الأدبي، دعونا نلتقط أنفاسنا في كواليس هذه الصنعة.
هل تتخيل كيف يبدأ المترجم يومه ليندمج في تدفق النص؟
فالمترجمة الأدبية "علا محمود" تخبرنا بعادة طريفة وغريبة: لا تستطيع دخول "مود" الترجمة إلا وعلى خلفية شاشتها مسلسل تركي مدبلج بالشامية! تقول إن سماع تلك اللغة يمنحها راحة،وتسلية تعينها على تفكيك تعقيدات النصوص الأجنبية.
لكن خلف هذا الطقس اللطيف تقبع فلسفة شاقة؛ فالمترجمة الأدبية "نانسي محمد" ترى أن الترجمة ليست مجرد نقل ألفاظ، بل هي "ارتداء ملابس النص". تشرّب الكاتب،واستيعاب أصوات شخصياته ومناخاته الثقافية، ثم الشروع في بناء الجسر الذي سينقل هذا العالم كاملاً إلى اللغة هو الهدف.
لكن ماذا يحدث عندما يواجه هذا المترجم سد "المثل الشعبي" ؟
خارطة الطريق: كيف تُفكك شفرة الأمثال؟
حين يصطدم المترجم بمثل شعبي نجد أن الخيارات تنقسم إلى مسارات محددة تتوقف على طبيعة المثل والسياق:
* الأمثال العالمية المشتركة (الممر الآمن):
تتشارك الثقافات بعض التعبيرات تقريبًا بأسلوب واحد.
وفي مثل هذه الحالات، تكون المهمة يسيرة كترجمة المثل الإنجليزي "To kill two birds with one stone"
أو الإيطالي "Prendere due piccioni con una fava"،
فالمقابل جاهز ومستقر في وجداننا: "ضرب عصفورين بحجر واحد". كذلك المثل الشهير " مَن كان بيته مِن زجاج فلا يقذف الناس بالحجارة".
* البحث عن المعادل الثقافي (ترجمة العقدة لا الألفاظ):
حين تغيب الألفاظ المتطابقة، يبحث المترجم عن المعادل الشعوري. ويتجَلِي ذلك في العمل الكلاسيكي الكبير؛ فعندما ترجم "تريفور لي غاسيك" رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ، واجه المثل المصري: "اللي يتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي". لم ينقل المترجم أطباق الشوربة والزبادي، بل استدعى المثل الإنجليزي المعادل: "Once bitten, twice shy" (من يُعَضَّ مرة، يصبح مفرط الحذر)؛لينقل عقدة الحذر السيكولوجي التي أرادها " نجيب محفوظ" دون تَجَنٍ على سلاسة اللغة.
وكذا فعل "إي. إتش. باكسطون" حين ترجم تعبير الحسرة عند طه حسين في الأيام: "العين بصيرة واليد قصيرة"، فلم يترجم الأعضاء البشرية، بل نقلها إلى التعبير الثقافي الشائع: "The spirit is willing, but the flesh is weak" ؛ليضع القارئ الغربي أمام نفس الشعور بالعجز وقلة الحيلة.
* التعويض في المتن والإشارة للهامش:
في نصوص إيطالية مثل: "Il lupo perde il pelo ma non il vizio" (الذئب يفقد فروه ولا يفقد طبعه). المقابل العامي المصري هو "يموت الزمار وصوابعه بتلعب". هنا تُفضل المترجمة "علا" ألا تُدخل العامية الفاقعة في المتن الفصيح؛ تجنبًا للمحاذير، ولعدم المساس بخصوصية النص الأصلي، فيُستبدل المثل في المتن بـ "الطبع يغلب التطبع"، مع ذكر المثل العامي الأصلي أو توضيحه في هامش سفلي ؛للتأكيد على أن الكاتب استخدم مثلًا شعبيًا في هذا الموضع.
"التعريب الزائد".. متى يزيل المترجم بيئة النص؟
هل يجوز للمترجم أن يستحضر أي مثل عربي شهير في النص الأجنبي؟
تحذرنا "علا" من فخ "التعريب الزائد". فاستخدام أمثال ضربت جذورها في عمق البيئة الصحراوية العربية لا يستقيم إطلاقًا عند نقل نص من بيئة أوروبية تجهل الصحراء. كما أن استخدام أمثال تراثية فصيحة مثل "عاد بخفي حنين" أو "على نفسها جنت براقش" داخل ترجمة رواية أجنبية معاصرة يُعد كسرًا لبيئة النص وإخلالًا بزَمَكَانَيتِه.
وهذا ما ينبهنا إليه "د. سليمان العطار" في ترجمته لرواية "دون كيخوته" للإسباني "ميغيل دي ثيربانتس"؛ فعندما ورد المثل: "Dime con quién andas, y te diré quién eres"، لم يكتفِ بنقله حرفيًا: "قل لي من تعاشر أقل لك من أنت"، بل أسبغ عليه رداءً أدبيًا متوازنًا يناسب العصر باستحضار روح بيت الشعر العربي الشهير: "عن المرء لا تسأل وسَلْ عن قرينه".
ما بين"العين والسياق": حين تكون الصورة أحمى من المعنى.
قد يتغير المثل في يد المترجم وفقًا للنبرة التي قيل بها؛ فالمترجمة "نانسي" تروي أنها واجهت المثل المصري العامي "اللي ميعرفش يقول عدس"، وترجمته مرتين بشكلين مختلفين كليًا في الإنجليزية! فمرة ترجمته بما يناسب السخرية، ومرة بما يحمل التشكيك في حديث الشخصية، مع تفصيل الدلالة الثقافية في الهامش.
وعلى الجانب الآخر، تجد "نانسي" معضلة في المثل الإنجليزي: "Every cloud has a silver lining". فالترجمة الحرفية "لكل غيمة حافة فضية" تحافظ على الصورة ولكنها غريبة على الذوق العربي، بينما الترجمة المألوفة "ما من محنة إلا وفيها منحة" تنقل المعنى ولكنها تضيع الصورة الشعرية للغيمة والفضة! وهنا تكمن مهمة المترجم في الموازنة بين جمال الصورة وسلاسة اللغة المترجم إليها.
تحت الهوامش: جسر معرفي أم عائق يقطع القراءة؟
لطالما أثارت الهوامش الجدل بين النقاد: فالبعض يراه كابحًا لتدفق القراءة، بينما تراه "علا" حقًا أصيلًا للقارئ الذي يقتني الأدب المترجم ؛شغفًا بالتعرف على ثقافة الآخر. فالهامش يمنح القارئ غير المتخصص المساحة؛ ليفهم لماذا قال الشيخ للشاب في إحدى القصص الإيطالية المثل الغريب "أينما ذهب القدر تبعته يده" ؟ (في إشارة إلى أنه مادام ذاهبًا للغول فلن يضره إحضار شعرتين بدلًا من واحدة). الهامش هنا ليس اعترافًا بالعجز، بل نافذة ثنائية الثقافة تجعل القارئ يستمتع بالحكاية دون أن يُحرم من النظرة النقدية الشاملة.
لمسة إنسانية في زمن الآلة: هل الذكاء الاصطناعي بديل عن الوظيفة البشرية أم للفن رأي آخر؟
ومع طوفان الذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية، يتساءل البعض: هل سيبقى للمترجم الأدبي وجود؟
تجيب "نانسي" بكل ثقة: الذكاء الاصطناعي أداة بحث ممتازة تختصر الوقت، لكنه سينتهي دوره عند حدود المادة. الآلة لن تفهم الطبقات الثقافية، ولن تدرك لماذا اختار الكاتب هذه الكلمة وسكت عن غيرها، ولن تمتلك الحاسة التي تزن السخرية أو الألم. خيار الصياغة الفنية يظل رهينًا بالعقل البشري الحي، والعين التي تقرأ الروح قبل اللفظ.
كلمة أخيرة.. في عيد المترجم
إن الترجمة الأدبية ليست مجرد نقل ألفاظ بين لغتين، بل هي عملية "تجسير" بين الأرواح. ولعل أجمل ما في هذا الفن هو ذلك الذكاء الذي يجعل النص يبدو وكأنه كُتب بلغتك الأم دون أن يفقد غرائبية موطنه الأصلي!
ولو كان علينا في اليوم العالمي للترجمة أن نصوغ مثلًا يصف حال المترجم الأدبي وهو يخوض معركة الأمثال بين ضفتي لغتين، لن نجد أجمل مما صاغته "نانسي" حين قالت: "صاحب بالين كداب.. لكن المترجم مطلوب منه الصدق في البالين معًا؛ ليصبح حاله:
«One heart, two tongues, and a foot in each world»
(قلب واحد،ولسانان، وقدم في كل عالم)".
فالترجمان لا يبني جسرًا بين لغتين فحسب، بل يمنح النص حياة
جديدة ؛ليتنفس في وطن حزين،أو آخر سعيد، بلغة مستضيفة تمامًا ككوب دافئ من الفكر، أو قطرات باردة من عصير القصب في يوم صيفي شاق!
كيف يفهم القارئ الأجنبي أمثالنا الشعبية؟
تخيل لبرهة أنك تفتح إحدى مسرحيات شكسبير، فتصطدم بعبارة تقول:
"إن الفضول قد قتل القط!"،
أو أن قارئًا في أطراف لندن
يفتح ترجمة لـ "نجيب محفوظ" فيجد الشخصية تقول:
"!He who got burnt by hot soup blows on yogurt"
ليغلبك شعور من سُكِبَ عليه دلو ماء، فتتوقف القراءة، وتتلاشى اللذة الأدبية، وتكتشف أن الترجمة الحرفية ليست سوى مقبرة للمعاني، فالأمثال الشعبية ليست مجرد تجميع لغوي، بل هي "الشفرة الوراثية" لروح الشعوب، وتبدأ بالتساؤل:
كيف يمكن ترجمة "الروح" لا الكلمات؟
وفي اليوم العالمي للترجمة، نفتح في "ورقة".. واحدة من كواليس أعتى المعارك التي يخوضها المترجم الأدبي: كيف يُحمل مثلاً شعبيًا قيل في حارة مصرية ،أو قرية إسبانية إلى قارئ في أقاصي الأرض، دون أن تسقط منه "الروح" في بحر القواميس؟
وخلف خبايا هذه المهنة: كيف يفكر المترجم؟
قبل أن نخوض في التنظير الأدبي، دعونا نلتقط أنفاسنا في كواليس هذه الصنعة.
هل تتخيل كيف يبدأ المترجم يومه ليندمج في تدفق النص؟
فالمترجمة الأدبية "علا محمود" تخبرنا بعادة طريفة وغريبة: لا تستطيع دخول "مود" الترجمة إلا وعلى خلفية شاشتها مسلسل تركي مدبلج بالشامية! تقول إن سماع تلك اللغة يمنحها راحة،وتسلية تعينها على تفكيك تعقيدات النصوص الأجنبية.
لكن خلف هذا الطقس اللطيف تقبع فلسفة شاقة؛ فالمترجمة الأدبية "نانسي محمد" ترى أن الترجمة ليست مجرد نقل ألفاظ، بل هي "ارتداء ملابس النص". تشرّب الكاتب،واستيعاب أصوات شخصياته ومناخاته الثقافية، ثم الشروع في بناء الجسر الذي سينقل هذا العالم كاملاً إلى اللغة هو الهدف.
لكن ماذا يحدث عندما يواجه هذا المترجم سد "المثل الشعبي" ؟
خارطة الطريق: كيف تُفكك شفرة الأمثال؟
حين يصطدم المترجم بمثل شعبي نجد أن الخيارات تنقسم إلى مسارات محددة تتوقف على طبيعة المثل والسياق:
* الأمثال العالمية المشتركة (الممر الآمن):
تتشارك الثقافات بعض التعبيرات تقريبًا بأسلوب واحد.
وفي مثل هذه الحالات، تكون المهمة يسيرة كترجمة المثل الإنجليزي "To kill two birds with one stone"
أو الإيطالي "Prendere due piccioni con una fava"،
فالمقابل جاهز ومستقر في وجداننا: "ضرب عصفورين بحجر واحد". كذلك المثل الشهير " مَن كان بيته مِن زجاج فلا يقذف الناس بالحجارة".
* البحث عن المعادل الثقافي (ترجمة العقدة لا الألفاظ):
حين تغيب الألفاظ المتطابقة، يبحث المترجم عن المعادل الشعوري. ويتجَلِي ذلك في العمل الكلاسيكي الكبير؛ فعندما ترجم "تريفور لي غاسيك" رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ، واجه المثل المصري: "اللي يتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي". لم ينقل المترجم أطباق الشوربة والزبادي، بل استدعى المثل الإنجليزي المعادل: "Once bitten, twice shy" (من يُعَضَّ مرة، يصبح مفرط الحذر)؛لينقل عقدة الحذر السيكولوجي التي أرادها " نجيب محفوظ" دون تَجَنٍ على سلاسة اللغة.
وكذا فعل "إي. إتش. باكسطون" حين ترجم تعبير الحسرة عند طه حسين في الأيام: "العين بصيرة واليد قصيرة"، فلم يترجم الأعضاء البشرية، بل نقلها إلى التعبير الثقافي الشائع: "The spirit is willing, but the flesh is weak" ؛ليضع القارئ الغربي أمام نفس الشعور بالعجز وقلة الحيلة.
* التعويض في المتن والإشارة للهامش:
في نصوص إيطالية مثل: "Il lupo perde il pelo ma non il vizio" (الذئب يفقد فروه ولا يفقد طبعه). المقابل العامي المصري هو "يموت الزمار وصوابعه بتلعب". هنا تُفضل المترجمة "علا" ألا تُدخل العامية الفاقعة في المتن الفصيح؛ تجنبًا للمحاذير، ولعدم المساس بخصوصية النص الأصلي، فيُستبدل المثل في المتن بـ "الطبع يغلب التطبع"، مع ذكر المثل العامي الأصلي أو توضيحه في هامش سفلي ؛للتأكيد على أن الكاتب استخدم مثلًا شعبيًا في هذا الموضع.
"التعريب الزائد".. متى يزيل المترجم بيئة النص؟
هل يجوز للمترجم أن يستحضر أي مثل عربي شهير في النص الأجنبي؟
تحذرنا "علا" من فخ "التعريب الزائد". فاستخدام أمثال ضربت جذورها في عمق البيئة الصحراوية العربية لا يستقيم إطلاقًا عند نقل نص من بيئة أوروبية تجهل الصحراء. كما أن استخدام أمثال تراثية فصيحة مثل "عاد بخفي حنين" أو "على نفسها جنت براقش" داخل ترجمة رواية أجنبية معاصرة يُعد كسرًا لبيئة النص وإخلالًا بزَمَكَانَيتِه.
وهذا ما ينبهنا إليه "د. سليمان العطار" في ترجمته لرواية "دون كيخوته" للإسباني "ميغيل دي ثيربانتس"؛ فعندما ورد المثل: "Dime con quién andas, y te diré quién eres"، لم يكتفِ بنقله حرفيًا: "قل لي من تعاشر أقل لك من أنت"، بل أسبغ عليه رداءً أدبيًا متوازنًا يناسب العصر باستحضار روح بيت الشعر العربي الشهير: "عن المرء لا تسأل وسَلْ عن قرينه".
ما بين"العين والسياق": حين تكون الصورة أحمى من المعنى.
قد يتغير المثل في يد المترجم وفقًا للنبرة التي قيل بها؛ فالمترجمة "نانسي" تروي أنها واجهت المثل المصري العامي "اللي ميعرفش يقول عدس"، وترجمته مرتين بشكلين مختلفين كليًا في الإنجليزية! فمرة ترجمته بما يناسب السخرية، ومرة بما يحمل التشكيك في حديث الشخصية، مع تفصيل الدلالة الثقافية في الهامش.
وعلى الجانب الآخر، تجد "نانسي" معضلة في المثل الإنجليزي: "Every cloud has a silver lining". فالترجمة الحرفية "لكل غيمة حافة فضية" تحافظ على الصورة ولكنها غريبة على الذوق العربي، بينما الترجمة المألوفة "ما من محنة إلا وفيها منحة" تنقل المعنى ولكنها تضيع الصورة الشعرية للغيمة والفضة! وهنا تكمن مهمة المترجم في الموازنة بين جمال الصورة وسلاسة اللغة المترجم إليها.
تحت الهوامش: جسر معرفي أم عائق يقطع القراءة؟
لطالما أثارت الهوامش الجدل بين النقاد: فالبعض يراه كابحًا لتدفق القراءة، بينما تراه "علا" حقًا أصيلًا للقارئ الذي يقتني الأدب المترجم ؛شغفًا بالتعرف على ثقافة الآخر. فالهامش يمنح القارئ غير المتخصص المساحة؛ ليفهم لماذا قال الشيخ للشاب في إحدى القصص الإيطالية المثل الغريب "أينما ذهب القدر تبعته يده" ؟ (في إشارة إلى أنه مادام ذاهبًا للغول فلن يضره إحضار شعرتين بدلًا من واحدة). الهامش هنا ليس اعترافًا بالعجز، بل نافذة ثنائية الثقافة تجعل القارئ يستمتع بالحكاية دون أن يُحرم من النظرة النقدية الشاملة.
لمسة إنسانية في زمن الآلة: هل الذكاء الاصطناعي بديل عن الوظيفة البشرية أم للفن رأي آخر؟
ومع طوفان الذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية، يتساءل البعض: هل سيبقى للمترجم الأدبي وجود؟
تجيب "نانسي" بكل ثقة: الذكاء الاصطناعي أداة بحث ممتازة تختصر الوقت، لكنه سينتهي دوره عند حدود المادة. الآلة لن تفهم الطبقات الثقافية، ولن تدرك لماذا اختار الكاتب هذه الكلمة وسكت عن غيرها، ولن تمتلك الحاسة التي تزن السخرية أو الألم. خيار الصياغة الفنية يظل رهينًا بالعقل البشري الحي، والعين التي تقرأ الروح قبل اللفظ.
كلمة أخيرة.. في عيد المترجم
إن الترجمة الأدبية ليست مجرد نقل ألفاظ بين لغتين، بل هي عملية "تجسير" بين الأرواح. ولعل أجمل ما في هذا الفن هو ذلك الذكاء الذي يجعل النص يبدو وكأنه كُتب بلغتك الأم دون أن يفقد غرائبية موطنه الأصلي!
ولو كان علينا في اليوم العالمي للترجمة أن نصوغ مثلًا يصف حال المترجم الأدبي وهو يخوض معركة الأمثال بين ضفتي لغتين، لن نجد أجمل مما صاغته "نانسي" حين قالت: "صاحب بالين كداب.. لكن المترجم مطلوب منه الصدق في البالين معًا؛ ليصبح حاله:
«One heart, two tongues, and a foot in each world»
(قلب واحد،ولسانان، وقدم في كل عالم)".
فالترجمان لا يبني جسرًا بين لغتين فحسب، بل يمنح النص حياة
جديدة ؛ليتنفس في وطن حزين،أو آخر سعيد، بلغة مستضيفة تمامًا ككوب دافئ من الفكر، أو قطرات باردة من عصير القصب في يوم صيفي شاق!