عن الأدب الذي یثقب الجدران - Inside Literary Prize

عندما تختار السجون أفضل كُتّاب العالم

بقلم: إسراء عبادة

عن الأدب الذي یثقب الجدران - Inside Literary Prize
تخیل أن حیاتك ومستقبلك، وربما نظرتك بالكامل للوجود، قد تتغیر تمامًا نحو الأفضل.ومن مكان لا تتوقعه إطلاقًا : من داخل أسوار سجن مظلم!

قد تبدو ھذه الجملة للوھلة الأولى مفاجئة ،أو بها شيء من المبالغة، لكن كل معلومة جدیدة كنت أصل إلیھا وأنا أتبحر في البحث عن ھذا الموضوع كانت تزیدني انبھارًا وإعجابًا. لم یكن اندفاعي للكتابة لمجرد صیاغة مقال صحفي آخَر یُضاف إلى الأرشیف، بل جاء كإنسانة مؤمنة تمام الإیمان بأن النھایات الصعبة والظروف القاسیة قد تكون في كثیر من الأحیان بدایة حقیقیة لولادة جدیدة.
ولكن أن تخرج تلك البدایة المشرقة من وراء القضبان الحدیدیة؟ فھذا ھو العجب الذي أثار فضولي وشغفي لأعمق درجة ممكنة.


نعرف جمیعًا، ومنذ عقود طویلة، قصصًا حافلة عن أدباء وعظماء بدأت رحلتھم الإبداعیة أو تجذرت من داخل غیاھب السجون.
یأتي على رأس ھؤلاء الروائي الروسي الشھیر "فیودور دوستویفسكي"، الذي نجا بأعجوبة من تنفیذ حكم الإعدام في اللحظات الأخیرة، ليُساق بعد ذلك إلى سجون سیبیریا المتجمدة ویمضي ھناك أربع سنوات كاملة وسط المجرمین والظروف المعیشیة اللاإنسانیة. وھناك في قلب العزلة والمعاناة، بدأت تتشكل في ذھنه النواة الأولى لرائعته الخالدة "الجریمة والعقاب"، والتي خرجت لنا بعد رحلته الشاقة في فھم النفس البشریة ،وفھم دوافع الشر والجریمة والخیر والتوبة.
لكن القصة التي نرویھا الیوم لیست عن الكتب التي كُتبت داخل السجن على أیدي الأدباء، بل عن القارئ الذي یولد ھناك بین أربعة جدران.

شرارة الفكرة وروایة "حارس سطح العالم"
أثناء متابعتي للأخبار الأدبیة، لفت نظري خبر فوز الكاتبة والروائیة الكویتیة بثینة العیسى بجائزة أدبیة فریدة من نوعھا تُدعى"إنسايد ليتراري برايز" (Inside Literary Prize) في دورتھا الثالثة لعام 2026، وذلك عن روایتھا البارزة (حارس سطح العالم)؛ولتوضیح عمق ھذا الفوز یجب أن نعرف أن روایة "حارس سطح العالم" تدور في قالب دیستوبي حول عالم مستقبلي صارم یُحظر فيه التخیل، وتخضع فیه الكلمات والروایات والمشاعر لرقابة حكومیة مشددة. یجد بطل الروایة نفسه یعمل في تدقیق النصوص وشطب الإبداع ومنع التخیل، قبل أن یتسلل الشغف إلى قلبه ویبدأ في التمرد روحیًا على ھذا الواقع المظلم.
وھنا تكمن المفارقة البلیغة التي استوقفتني كثیرًا: كیف لروایة تناقش مضمونھا خنق حریة الفكر ومصادرة التخیل أن تحظى بتكریم رفیع وتصویت كامل من قُرّاء محرومین بالفعل من حریة الجسد والحریة الشخصیة؟ وكأن النص الأدبي وجد صداه الأكثر عمقًا، وصدقًا لدى أولئك الذین یعرفون المعنى الحقیقي للقید، ویقدرون قیمة العتق الروحي ،والفكري التي تمنحها القراءة.
وقفتُ طویلًا عند اسم الجائزة، وسألت نفسي بحس استكشافي: ما ھي ھذه الجائزة بالتحديد؟ وما الذي یجعلھا مختلفة عن مئات الجوائز الأدبیة التقدیریة حول العالم؟
وعندما بدأتُ البحث والتدقیق، اكتشفت حقیقة مدھشة؛ فھي أول جائزة أدبیة في تاریخ الولایات المتحدة الأمریكیة تتشكل لجنة تحكیمھا بالكامل من نزلاء ومحتجزین یقضون عقوباتھم داخل أسوار السجون ومؤسسات الإصلاح!





؟"Inside Literary Prize" كیف نشأت جائزة


تأسست ھذه الجائزة الفریدة في عام" 2023 "بجھد مشترك وتكامل ملھم بین أربع مؤسسات ثقافیة ومدنیة كبرى، یأتي في مقدمتھا منظمة "Freedom Reads" ومؤسسة الكتاب الوطنیة (National Book Foundation). وجاءت المبادرة بھدف واضح وأصیل: دمج النزلاء في الحوار الثقافي والإنساني المعاصر، ومساعدتھم على التفكیر النقدي من خلال قراءة الكتب التي رُشحت للقائمة القصیرة للجائزة الوطنیة للكتاب، ثم منحھم السلطة الكاملة لاختیار وتتویج الكتاب الفائز بأنفسھم.
في الدورة الأولى للجائزة (والتي أُعلنت نتائجھا في أغسطس 2024)، فازت الكاتبة الأمریكیة إیماني بیري (Imani Perry) عن كتابھا الشھیر South to America، بعد تجربة قراءة وتصویت شارك فیھا أكثر من 200 سجین وسجینة من مختلف الولایات. أما في دورة عام 2025، فقد ذھبت الجائزة إلى الكاتب" نانا كوامي أدجي برینیاه" عن روایتھا الملفتة" Chain-Gang All-Stars"،قبل أن تتوّج بثینة العیسى بروایتھا في دورة (2026)؛لتثبت الجائزة امتدادھا الثقافي والفكري العابر للقارات.


أما عن الآلیة التشغیلیة والتنفیذیة التي تسیر بھا الجائزة داخل السجون، فالأمر لا یتوقف إطلاقًا عند مجرد توزیع استمارات وتجمیع أصوات سریعة، بل یتم وفق رحلة تنظیمیة دقیقة ومدروسة تشمل الخطوات التالیة:
توفیر وإتاحة المعرفة: تُرسل نسخ مجانیة أنیقة من الكتب الخمسة التي وصلت إلى القائمة القصیرة إلى المؤسسات الإصلاحیة والسجون المشاركة (حیث شارك في إحدى الدورات 12 سجنًا موزعة على 6 ولایات مختلفة).
حلقات النقاش التفاعلیة: یعقد النزلاء والنزیلات جلسات حواریة دوریة لمناقشة الأفكار، والبناء الدرامي، والأسلوب الفني لكل كتاب، بل وتتطور التجربة لتشمل زیارات حیة ومباشرة ینظمھا بعض المؤلفین والمرشحین؛ لیدخلوا السجون ویجلسوا مع السجناء ؛لنقاش أعمالھم وجھًا لوجه.
التصویت والتتویج الاحتفالي: يملأ كل سجناء لجنة التحكیم استمارة تقییم نقدیة دقیقة، وتُجمع الأصوات بشفافیة تامة. وفي النھایة، یُعلن اسم الفائز في حفل رسمي كبیر یُقام خارج السجن، وتتخلله عروض مرئیة وفیدیوھات تم تصویرھا وتسجیلھا للنزلاء وھم یشاركون في تقدیم الحفل ویتحدثون عن انطباعاتھم من داخل المحبس!




شھادة من روح المحبس: الأدب یمنح الحیاة


وحتى ندرك القیمة الإنسانیة والأخلاقیة العامة لما یحدث في ھذه التجربة، یكفي أن نتأمل ما قالته "لیندي فیلشر" — وھي سجینة سابقة كانت عضوة في لجنة التحكیم لعام 2024، ثم وقفت كضیفة شرف ومتحدثة رئیسیة في حفل الجائزة لعام" 2025 "بعد أن أُفرج عنھا واستعادت حریتھا.
قالت لیندي كلمتها المؤثرة أمام الحضور:
"منحتني القراءة شیئًا لا یُقدّر بثمن في عزلتي.فلقد منحتني المجتمَع. ولأول مرة منذ زمن طویل، تواصلت مع نساء یشاركنني الشغف ذاته والأفكار نفسھا معًا، ومن خلال صفحات الأدب، وجدنا القوة والوحدة والسكینة في أكثر الأماكن غیر المتوقعة على الإطلاق... أقف الیوم ھنا أمامكم حرة، لیس فقط من القیود الجسدیة والسلاسل، بل من العزلة والیأس اللذین كانا یُعرّفان حیاتي السابقة. لقد أعاد الأدب إليّ الحیاة من جدید."
وأنا أقرأ كلمات "لیندي" العمیقة، لم أستطع منع نفسي من التفكیر، والتساؤل بحس عربي مخلص: لماذا لا نرى في عالمنا العربي مبادرة أدبیة وثقافیة شبیھة بھذه المبادرة؟ لماذا نكتفي غالبًا بالنظرة السطحیة أو النمطیة التقلیدیة للفئات المھمشة أو المحتجزة على أنھم مجرد أرقام أو أشخاص يقضون عقوبة دون اعتبار لإمكانیات إصلاحھم الفكري؟
إن فكرة تحمل اسم "مشروع السجین المثقف" أو إطلاق جائزة أدبیة تُدار بأیدي النزلاء قادرة على تحفیز السجناء على القراءة، ورفع مستواھم الفكري والثقافي، وإعطائھم أملًا حقیقیًا وشعورًا بالكرامة، والإنسانیة ،والتغییر قبل خروجھم للمجتمع.
ولو تخیلنا إمكانیة تطبیق ھذه الفكرة في واقعنا العربي، فمن الممكن جدًا أن تتبناھا بیئة تمتلك البنیة التحتیة والإمكانیات التنظیمیة العالیة للمبادرات النوعیة كدولة الإمارات العربیة المتحدة، أو أن تنطلق من قلب مصر بجمیع ما فیھا من زخم أدبي تاریخي، وتنوع ثقافي، ومؤسسات فكریة عریقة.
في النھایة، تظل تجربة "لیندي فیلشر" وتجربة جائزة "إنساید لیتیراري برایز"، وفوز نص عربي رصین یحارب مصادرة التخیل مثل "حارس سطح العالم"، إثباتًا حیًا وقاطعًا على أن الأدب لیس ترفًا فكریًا أو ممارسة نخبیة، بل ھو القوة الأكثر قدرة على ثقب الجدران وكسر الأسوار. الأدب ھو الذخیرة التي تمنح الإنسان فرصة جدیدة ؛ لیحيي روحه ویُولد من جدید... حتى ولو كان یسیر وراء الحدید.