لماذا ننجذب للشخصيات المظلمة؟

سيكولوجية التعاطف مع "الشرير" في الأدب

بقلم: ياسمين عبدالقدوس

لماذا ننجذب للشخصيات المظلمة؟
تتسارع أنفاسك، وتقرع ضربات قلب جدران صدرك، وتبدأ أسنانك بقضم أظافر يسراك ويمناك..
تقلب الصفحة وتتمنى داخلك ألا تطرق الشرطة الباب الآن! لكن، هلَّا قِست النبض لبرهة؟
هذا الخائف القابع خلف الباب ليس سوى مجرم ارتكب للتو جريمة شنعاء! لماذا خالطتك الأماني بنجاة القاتل؟ أليس حرياً بك الانحياز للقانون؟

هذا التناقض الصارخ ليس سقطة أخلاقية منك، بل هو السحر الذي يمارسه الأدب على نفوسنا. نحن لا نحب الجريمة، لكننا نُفتن بـ "الظل"؛ ذلك الجزء الخفي والمكتوم داخل كلٍ منا، والذي تجرأت الشخصية الأدبية على الخروج به إلى النور.

الظل النفسي: منطقة المسكوت عنه لدى "كارل يونغ"
كان هذا أول ما بدأه عالم النفس الشهير كارل يونغ وهو البحث في تفاصيل النفس البشرية، فهو يرى أن كل إنسان يحمل في أزقة روحه ما يُسمى بـ "الظل" (The Shadow). هذا الظل ليس شرًا بالضرورة، لكنه يمثل مجموع رغباتنا المكبوتة، دوافعنا الغاضبة، وتخوفاتنا التي نرفض الاعتراف بها أمام المجتمع ؛ لنحافظ على صورتنا المقبولة.

في الحياة اليومية نقوم بتهذيب هذا الظل وإخفائه. لكن مع أول صفحات الكتاب تنفتح بداخلنا شخصية تقرر أن تتنفس من خلاله مباشرة. فنحن لا ننجذب إلى أفعالها الشنيعة، بل إلى الحرية المطلقة التي تتحرك بها، وإلى الجرأة التي تفتقر إليها حياتنا المنظمة، والمكبلة بالمعايير الأخلاقية الصارمة. فالأدب يمنحنا مساحة آمنة؛ لاستكشاف ظلمتنا الداخلية دون أن نتحمل عواقب مجتمعية أو قانونية في الواقع.








الرمادية: عندما يحل الصدق النفسي محل المثالية الجافة.



فعندما شكل "دوستويفسكي" شخصية "راسكولنيكوف" في " الجريمة والعقاب"، لم يُعطِ لنا مبررًا؛ لقتل تلك العجوز المرابية، بل وضعنا خلف قضبان الصراع الداخلي للمجرم. فنشعر بعزلته، نزن رأسه المريض ،ونقيس نبضات قلبه المتسارعة بعد ضربة الفأس حتى أصبحت المحاكمة تُجرى داخل روح القارئ لا في أروقة المحاكم.

وكذلك حين نتأمل شخصية "ياجو" في مسرحية" عطيل "لشكسبيير لا تكمُن عبقريته في تبرير الفوضى، بل في تقديم "الصدق النفسي" عاريًا من أي تجميل.
فالشخصيات بالغة الصفاء تُصِيبُنا بالجفاف ؛ لشدة بعدها عن ضعفنا الإنساني، بينما تُعيدُ إلينا الشخصية الرمادية الاعتراف بتركيبتنا البشرية المعقدة.
فهي تزيح عنّا ثقل ادعاء الملائكية، وتسمح لنا بفهم كيف يمكن للظروف، الهوس، الخوف أن يُحَوِّل إنسانًا سويًا إلى هاوية متحركة.



كيف ينقذنا الأدب من أنفسنا؟


في كتابه الخالد "فن الشعر" وضع الفيلسوف اليوناني "أرسطو" يده على السر الجوهري؛ لتعلقنا بالمآسي والشخصيات المعقدة، مصطَلِحاً اسماه بـ "التطهير" (Catharsis). يرى أرسطو أن التراجيديا والأدب لا يهدفان لتعليمنا الأخلاق بأسلوب جاف، بل يعملان من خلال محركين وجدانيين رئيسيين: الشفقة والخوف.
نحن نشعر بالشفقة تجاه البطل الرمادي؛ لأننا نرى ضعفه البشري المألوف، ونشعر بالخوف ؛ لأننا ندرك أننا نملك نفس البذور النفسية التي قد تسقطنا في نفس الهاوية لو تغيرت ظروفنا. هذا المزيج من الشفقة، والخوف يُحدث حالة من "التفريغ الانفعالي" داخل الروح؛ نختبر فيها طغيان الشخصية، صراعها، ثم ندفع معها ثمن السقوط والندم في الصفحات الأخيرة.
"التطهير الأرسطي " هنا يعمل كصمام أمان ،ينقي أرواحنا من شائبتها المكبوتة دون أن نرتكب خطأً واحداً في الواقع، فنخرج من النص أكثر هدوءًا، وأقدر على التمييز بين الدافع النفسي ،والتطبيق الفعلي.

مع أول صفحات الكتاب لا ننتظر من الكاتب أن يكتب لنا عن التقاليد التي نلتزم بها كل يوم وعند كل موقف، بل نختار بكل عناية الكاتب الذي يلمس داخلنا ما نريد فهمه، عندما تنكسر القيود.
ومع غلق دفتي الكتاب، وإسدال الستار على حكاية القاتل الخائف خلف الباب، ينطفئ قنديل الجريمة ونعود إلى هدوء غرفتنا. لم نتحول إلى مجرمين حين تمنينا له النجاة، بل عدنا بشرًا أكثر حكمة وعمقًا مدركين أن النفس الإنسانية ليست صفحة بيضاء ناصعة، ولا شديدة السواد بل هي لوحة متداخلة من الظلال.
انحيازك للشخصية المظلمة ليس دليلاً على الشر، بل هو دليل على اتساع إنسانيتك، وقدرتك على التعاطف مع المعاناة المخبأة خلف الأخطاء الكبرى.