كيف تنبأت الروايات الكبرى (مثل 1984 وعالم جديد شجاع) بالواقع المراقَب قبل عقود؟

بقلم: أسامة إبراهيم

كيف تنبأت الروايات الكبرى (مثل 1984 وعالم جديد شجاع) بالواقع المراقَب قبل عقود؟
في كل زمن من الأزمان نرى أن هناك تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ودينية متعلقة بهذه الحقبة، وكل ذلك ينعكس على النتاج الأدبي؛ فظهرت لنا روايات مثل"
"١٩٨٤" لـ"إريك آرثر" (الاسم الحقيقي لجورج أورويل)، وكذلك "عالم جديد شجاع" لألدوس هكسلي،
وإذا أردنا فهم الأفكار الواردة من أي شخص ينبغي فهم الواقع الذي عايشه، إن هذا التنبؤ المستقبلي إن صح التعبير ليس إلا مجرد استقراء للطبيعة البشرية المُدركة من خلال هؤلاء الأدباء، فهذه الظروف استفزت جانبًا إنسانيًا فيهم جعلتهم مدركين لكيفية سير المجتمعات إذا استمر الإنسان على هذا النهج.
وقد قال "مانهايم" إن الأفكار التي نحملها، والطريقة التي نفكر بها، والمعتقدات جميعها تتأثر بموقفنا الاجتماعي؛ وعلى وجه الخصوص، أطلق على معتقد متقلدي السلطة "أيديولوجية"، ومعتقد من أملوا في الإطاحة بالنظام "يوتوبيا".
وفي كلتا الحالتين، أخفت معتقداتهم و حجبت واقع مواقفهم، فقد منعت الأيديولوجية متقلدي السلطة من أن يعرضوا أي نقاط ضعف في موقفهم، ومنعت اليوتوبيا مَن هم خارج السلطة مِن أن يعرضوا صعوبات تغيير النظام، وكلتاهما منعت أتباعها من رؤية مواطن القوة في موقف الآخر.
وكلام مانهايم هنا يوضح هذه الحقيقة المتعلقة بهذه الأفكار التي قادت أصحاب الأيدولوجيات إلى تبرير الواقع والمحافظة عليه بما يتفق مع مصلحتهم وموقعهم السلطوي، كما يوضح رد الفعل الظاهرمن أصحاب اليوتوبيا المتصورة في رفض أصحاب السلطة وغيرهم من المتكسّبين والنظر إلى تصرفاتهم بعين الشك والتوجس.
وتتأرجح الأفكار في تصور العالم بين أفكار "الديستوبيا، أو أدب “المدينة الفاسدة"، وأحيانًا يسمى بأدب “الواقع المرير”، وعلى العكس “اليوتوبيا” أو«المدينة الفاضلة»؛ فهذا النوع والتصور من الأدب ليس حديثًا، فقد تكلم عنه الفلاسفة وتوغلوا في هذه المعاني والتصورات، ويختلف هذا التصور باختلاف شخصية الكاتب وما عايشه من أحداث وما استقاه من معارف وأفكار كما ذكرنا، منهم من وقر في نفسه تبعية الإنسان وتحكم غريزته فيه، ومنهم من يرى أن للإنسان عقل يُدرك قصوره ويهتدي به إلى سُبل النجاة وتحقيق المطامح والاستقرار.
لذا يمكننا القول بأن التنبؤ بواقعنا المراقب ليس محض خيال، لأن الخيال يحتاج إلى حقيقة يتركب منها، وقد أفضت الحقائق في ذاك الزمن الذي سبق واقعنا إلى التنبؤ بما نعيشه اليوم، خصوصًا الصراع بين طرفين يستوجب أحدهما أداء حقوق الطرف الآخر.


يقول مانهايم في كتابه «الأيديولوجية واليوتوبيا» : إن الأيديولوجية واليوتوبيا نتيجة للصراع السياسي، إذ يقول :
إن مفهوم «الأيديولوجية» يعكس اكتشافًا نبع من الصراع السياسي، وهو أن المجموعات الحاكمة يمكن أن تصبح في تفكيرها شديدة الاهتمام بمصلحتها في أحد المواقف، لدرجة أنها لم تَعد تستطيع رؤية حقائق معينة من شأنها أن تقوِّض إحساسها بالسيطرة … ويعكس مفهوم التفكير اليوتوبي الاكتشاف المقابل النابع من الصراع السياسي، وهو أن مجموعات مقهورة معينة مهتمة، بقوة، فكريًّا بتغيير وضع معني بالمجتمع، حتى إنهم عن جهل منهم لا يرون في هذا الوضع سوى العناصر السلبية فقط، فلا يقدر تفكيرهم على التشخيص السليم للوضع الحالي للمجتمع. إنهم غير معنيين على الإطلاق بما يوجد فعليًّا على أرض الواقع، بل يسعون بالفعل في تفكيرهم إلى تغيير الوضع الحالي.
ولنتأمل مثالنا رواية" 1984 " التي تنبأت بشكل أو بآخر بالواقع اليوم كما يرى كثيرون، وما عاشه أورويل سيفسر لنا محتوى روايته.
لقد هرب أورويل في آخر سنواته من المجتمع، وتوارى عن الأنظار معنعزلًا في جزيرة صغيرة بعيدة وهو يكمل روايته “1984”. هل فعل ذلك بسبب معاناته كمثقف من “الجانب المظلم” للنظام في روسيا الستالينية؟ بالطبع كان الأديب والمفكر البريطاني يكره كل مظاهر الاستبدادية التي اعتقد أنها تجلت في أمور كثيرة بالاتحاد السوفيتي في أربعينيات القرن الماضي، إلا أنه ليس عبثًا حيث جعل أحداث روايته الكئيبة تدور في بريطانيا تحديدًا، كما قال أورويل في أعماله الأخرى:

« ذلك أن الهدف هو الاستجلاء أن الدول الناطقة بالإنجليزية ليست أفضل من الدول الأخرى، حيث إن الفكر الشمولي يستنبت في عقل المثقف »

وقال :

« إنْ تُركت الشموليةُ بلا مقاومة فإنها ستنتصر في كل مكان »

وقد قال أيضًا

« إنه في تلك اللحظة التي سيتوافر فيها كل شيء للجميع، أو سيكون ذلك ممكنًا، ستتجه كل طاقتنا إلى محاولة انتزاع الأراضي والأسواق والخامات عن بعضنا. فتلك اللحظة خصوصًا التي كان يفترض فيها أن ينقذ المستوى العالي للمعيشة الحكومةَ من الخوف من المعارضة، ستُعْلن الحريةُ السياسيةُ أمرًا مستحيلًا، وسيُخضَع نصفُ العالم لحكم الشرطة السرية »

وفي الذكرى العاشرة بعد المئة لميلاد جورج أورويل في عام 2013، أجرت صحيفة “غارديان” البريطانية استطلاعًا لآراء قرائها البريطانيين عن تنبؤات المؤلف الشهيرة، فقال 89٪ منهم “إنها تتحدث عنا بالضبط”.
نفهم من ذلك أن أورويل بالفعل كان يرى مظاهر الاستبداد والتنافس، وأدرك من خلال فهمه الإنساني العميق أن الإنسان سيسلك أي طريق يحقق مصالحه، ويقوض أي قوة ستنتزع ما بين يديه.

وواقعنا المُراقب لا ينطبق على الجانب السياسي فقط، بل يمتد لينطبق على كل جوانب الحياة ما دام أن للإنسان حاجة غريزية ونفسية، يمكن رصدها والتأثير عليها.
فقد اندفعنا إلى الإنترنت متوقعين منه التمكين، وإضفاء الطابع الديمقراطي على المعرفة، والمساعدة في حل المشكلات ، لكن رأسمالية المراقبة كانت ببساطة مربحة للغاية بحيث لم يكن من الممكن مقاومتها.
وقد انتشر هذا المنطق الاقتصادي الآن إلى ما هو أبعد من شركات التكنولوجيا، ليصل إلى أنظمة بيئية جديدة قائمة على المراقبة في كل قطاع اقتصادي تقريبًا، بدءًا من التأمين والسيارات والرعاية الصحية والتعليم والتمويل، وصولًا إلى كل منتج يوصف بأنه «ذكي»، وكل خدمة توصف بأنها «مُخصّصة».
وحتى الآن، أصبح من الصعب جدًا المشاركة بفاعلية في المجتمع دون التعامل مع هذه القنوات نفسها، التي تشكل سلاسل إمداد لتدفقات بيانات رأسمالية المراقبة.
فعلى سبيل المثال، أفادت مؤسسة ProPublica مؤخرًا بأن أجهزة التنفس التي يشتريها الأشخاص المصابون بانقطاع التنفس أثناء النوم ترسل سرًا بيانات عن استخدامها إلى شركات التأمين الصحي، حيث يمكن استخدام هذه المعلومات لتبرير خفض مدفوعات التأمين.



المراجع


كابشوك، أ. (2022، 19 أبريل). *متى سيحل عام 1984؟ * مركز الدراسات العربية الأوراسية.

سارجنت، إ. ت. (2016). *اليوتوبية* (ضياء وراد، مترجم؛ مصطفى محمد فؤاد، مراجع). دار هنداوي. (العمل الأصلي نُشر عام 2010).

Harvard Gazette. (2019, March 4). *Harvard professor says surveillance capitalism is undermining democracy*. Harvard University.