الحكواتي بين الماضي والحاضر
من المجالس الشعبية للبودكاست
بقلم: نورا الشيمي
نتسائل كثيرًا كيف وصل إلينا العديد من العلوم والثقافات المختلفة؟ ومَن الذي نقل إلينا كل هذه الأحداث، والقصص، والروايات؟ كيف عرفنا تاريخ أجدادنا دون أن نراهم، أو نعاصرهم؟ وكيف انتقلت إلينا العديد من القيم، والمبادئ، والأخلاقيات؟ بل كيف سمعنا عن الحروب، والبطولات، والمغامرات، وعظماء التاريخ وغيرهم...؟
هنا يأتي دور البطل الحقيقيّ الذي نقل إلينا ألوان الفنون، والآداب؛ إنه الحكواتي ، ويُطلق عليه في بعض البلدان: الراوى، أو المدَّاح، أو القصاص، أو المقاماتي.
إن "الحكواتي" ليس مجرد وصف، بل هو وظيفة متكاملة الأركان بدأت منذ أقدم العصور. في عالمنا العربيّ، ظهرت هذه المهنة منذ العصر الجاهليّ"كرواية شفهيّة" تتناول أيام العرب، ووقائعهم، وتوثيق أنسابهم…إلخ، سواء اعتمد الراوي في سردها على الشعر، أو النثر.
وقد استمرت هذه التقاليد حتى صدر الإسلام، وصولًا إلى العصر العباسيّ الذي شهد نقطة تحول جوهريّة؛ حيث بدأت مهنة الراوي تتشكل رسميًّا مع بدء التدوين الفعلي للقَصص، وكتب السمر. وفي مرحلة لاحقة، وتحديدًا خلال العصرين المملوكيّ، والعثمانيّ، ازدهرت المهنة بشكل لافت، وأصبح "الحكواتي" مصطلحًا شائعًا لمهنة رسمية يباشرها محترفون، مستفيدين من انتشار المقاهي، والساحات العامة التي احتضنتهم، ووفرت لهم جمهورًا واسعًا.
فقد كان الراوي يسرد القصص، والسير الشعبيّة الشهيرة مثل "عنترة بن شداد"، و"الزير سالم"وغيرها...، ومنهم من كان يتغنى بسير الملوك، والسلاطين مثل كتاب" ألف ليلة وليلة"، ومنهم من يحكى عن الأساطير، أو الملاحم، والبطولات، فكلٌ يُغَنِّي على ليلاه.
وقد تباين القصاصون في المواد التي يرْونها ، بل وفي أساليب سردها أيضًا؛ فمنهم من كان يقرأ ويروي من الكتب الحكائيّة مباشرةً مثل"كليلة ودمنة" وغيرها...، ومنهم من كان يمسك عصاه، وربابته يعزف عليها لجذب انتباه الحضور. كما تميز بعضهم بالقدرة على تقليد الشخصيات وتغيير الأصوات، ومنهم من اعتمد أسلوب هَزْليّ لنقد أوضاع البلاد بذكاء، وفكاهة؛ بهدف الترفيه عنهم، وإسعادهم، أو التوعية والتثقيف وهكذا...
ونرى أنه بعد بلوغ مهنة الحكواتي ذروة ازدهارها وشهرتها في العصرين المملوكيّ والعثمانيّ، بدأت عجلة الزمن تدور؛ لتعلن بداية العد التنازليّ لهذا الفن الشفهيّ العريق. ومع دقات طبول العصر الحديث، والتطور التكنولوجيّ المتسارع، بدأت ملامح "الحكواتي التقليديّ" تختفي تدريجيًا من المقاهي، والساحات الشعبيّة، حتى كادت تندثر بشكلها القديم، إلا أنَّ هذا الغياب لم يكن موتًا للمهنة، بل كان بمثابة انتقال وتطور؛ حيث خلعت المهنة ثوبها القديم لترتدي أثوابًا جديدة تتناسب مع روح العصر.
الثوب الأول: (المسرح) كانت البداية مع ظهور المسرح الحديث، حيث تحولت الحكايات الفرديّة إلى نصوص دراميّة يجسدها ممثلون على الخشبة. استلهم المسرح العربيّ في بداياته كثيرًا من روح الحكواتي، فظهرت مسرحيّات تعتمد على الراوي الذي يخاطب الجمهور مباشرةً؛ ليتحول "الحكواتي الفرد" إلى فرقة مسرحيّة متكاملة تجسد البطولات، والملاحم بالصوت، والحركة، والديكور.
الثوب الثاني: سحر الإذاعة، والشاشات الفضائيّة: فمع دخول وسائل الإعلام الجماهيريّة؛ انتقل الحكواتي إلى الإذاعة والتلفاز. ففي الراديو، تجسد الحكواتي في برامج القصص، والمسلسلات الإذاعيّة، وصوت "الراوي" الذي يجذب خيال المستمعين بالاعتماد على المؤثرات الصوتيّة، والموسيقا التصويريّة. أمّا التلفاز، فقد أخذ المهنة إلى أبعاد بصريّة مذهلة، من خلال المسلسلات التاريخيّة، والفانتازيا الشعبيّة (مثل حكايات "ألف ليلة وليلة" و"السيرة الهلاليّة")، فصار المخرج والسيناريست هما "حكواتي العصر" الذي يلتف حوله الملايين في وقتٍ واحد.
الثوب الثالث- الثوب الرقميّ (عصر اليوتيوب، والبودكاست): وصولًا إلى عصرنا الحاليّ، وتحديدًا مع الثورة الرقميّة، وانتشار منصات التواصل الاجتماعيّ، ظهر الحكواتي في أبهى ثيابه العصريّة عبر منصات التواصل مثل اليوتيوب، ومنصات صنّاع المحتوى؛ فلم يعد الحكواتي بحاجة إلى مقهى حارتنا، بل أصبح يملك "مقهى عالميًّا" يزوره الملايين بضغطة زر .تجسد هذا الأمر بوضوح في الانتشار الواسع لبرامج البودكاست (Podcast) والبرامج الوثائقيّة، والقَصَصيّة الرقميَّة. فهؤلاء هم"الحكواتيون الجدد" يقومون بنفس الدور القديم تمامًا؛ يسردون التاريخ، يروون قَصص الجرائم الغامضة، يبسطون العلوم، والآداب، وينتقدون الأوضاع بذكاء وفكاهة. هم يمسكون اليوم "بالميكروفون'' والكاميرا بدلًا من العصا، والربابة، ويستخدمون المؤثرات البصريّة، والسمعيّة الحديثة لجذب الانتباه، والتوعية، والتثقيف، ولكن في إطار وقالب عصريّ مختلف تمامًا.
نحن نعلم أنّ مهنة القَصّاص لم تمت، أو تندثر؛ لأن حاجة الإنسان البشريّ إلى "سماع قصة" هي حاجة فطريّة لا تنتهي، وقد تتغير الأشكال والطرق، لكن يبقى جوهر الراوي واحدًا.
على الرغم من التطور الرقميّ المبهر، إلا أنّ سهولة تحوّل أي شخص اليوم إلى "حكواتي" عبر الإنترنت خلقت حالة من العشوائيّة والفوضى.
فمع غياب الرَقابة، وكثرة صنّاع المحتوى، انتشرت روايات مغلوطة، وأكاذيب تثير البلبلة والفتنة؛ سعيًا وراء المشاهدات، و"التريند"، مما جعل الجمهور عاجزًا عن التمييز بين الراوي الصادق والمدعي.
وأرى أنّ هذا الواقع يختلف تمامًا عن الماضي؛ حيث كانت المهنة تحكمها شروط، وضوابط صارمة، ولم يكن يُسمح لأي شخص باعتلاء الساحات وسرد الحكايات دون تمحيص ومسئولية. حتى إذا وُجد في الماضي مساحة للكذب، أو الافتراء، فإنها كانت أقل بكثير ومحدودة للغاية مقارنةً باليوم؛ حيث لم تكن الشائعة تملك حينها منصات عابرة للقارات وملايين المشاهدات لتنتشر كالنار في الهشيم.
وفي النهاية، جميعنا يعلم إنّ الحكواتي لم يمت، ربما تغيّر ثوبه، وتبدّلت أدواته؛ فبعد أن كان يمسك بالعصا، والربابة، أصبح اليوم يمسك الميكروفون، والكاميرا. فقد تغيّر المكان، لكن بقيت الحكاية، وبقيَ الإنسان متعطّشًا لمن يرويها.
لذا علينا أن ندرك أنّ الحكواتي الحقيقيّ ليس من يملك جمهورًا أكبر، بل من يملك حكاية صادقة، وكلمة مسئولة، وأمانة في نقلها.
وربما لهذا ستظل الحكايات حيّة ما دام هناك من يسمع، ومن يروي، ومن يؤمن بأنّ كلمةً واحدةً قد تعبُر الزمن، وتصل من قلبٍ إلى قلب، ومن جيلٍ إلى جيل...
تغيّر الحكواتي... لكن لم تمت حكايته
المصادر، والمراجع :
"قالبنا المسرحيّ "توفيق الحكيم
"دراسات في السيرة الشعبيّة "د. فاروق خورشيد.
"فنون الأدب الشعبيّ"د. أحمد رشدي صالح
المرجع الأم الذي أرّخ لظواهر السرد الشفاهيّ، وأنواع الرواة المحدَثين، والمدَّاحين، وشعراء الربابة في مِصر.
"الحكاية الشعبيّة"د. عبد الحميد يونس.
"أشكال التعبير في الأدب الشعبيّ"د. نبيلة إبراهيم.
هنا يأتي دور البطل الحقيقيّ الذي نقل إلينا ألوان الفنون، والآداب؛ إنه الحكواتي ، ويُطلق عليه في بعض البلدان: الراوى، أو المدَّاح، أو القصاص، أو المقاماتي.
إن "الحكواتي" ليس مجرد وصف، بل هو وظيفة متكاملة الأركان بدأت منذ أقدم العصور. في عالمنا العربيّ، ظهرت هذه المهنة منذ العصر الجاهليّ"كرواية شفهيّة" تتناول أيام العرب، ووقائعهم، وتوثيق أنسابهم…إلخ، سواء اعتمد الراوي في سردها على الشعر، أو النثر.
وقد استمرت هذه التقاليد حتى صدر الإسلام، وصولًا إلى العصر العباسيّ الذي شهد نقطة تحول جوهريّة؛ حيث بدأت مهنة الراوي تتشكل رسميًّا مع بدء التدوين الفعلي للقَصص، وكتب السمر. وفي مرحلة لاحقة، وتحديدًا خلال العصرين المملوكيّ، والعثمانيّ، ازدهرت المهنة بشكل لافت، وأصبح "الحكواتي" مصطلحًا شائعًا لمهنة رسمية يباشرها محترفون، مستفيدين من انتشار المقاهي، والساحات العامة التي احتضنتهم، ووفرت لهم جمهورًا واسعًا.
فقد كان الراوي يسرد القصص، والسير الشعبيّة الشهيرة مثل "عنترة بن شداد"، و"الزير سالم"وغيرها...، ومنهم من كان يتغنى بسير الملوك، والسلاطين مثل كتاب" ألف ليلة وليلة"، ومنهم من يحكى عن الأساطير، أو الملاحم، والبطولات، فكلٌ يُغَنِّي على ليلاه.
وقد تباين القصاصون في المواد التي يرْونها ، بل وفي أساليب سردها أيضًا؛ فمنهم من كان يقرأ ويروي من الكتب الحكائيّة مباشرةً مثل"كليلة ودمنة" وغيرها...، ومنهم من كان يمسك عصاه، وربابته يعزف عليها لجذب انتباه الحضور. كما تميز بعضهم بالقدرة على تقليد الشخصيات وتغيير الأصوات، ومنهم من اعتمد أسلوب هَزْليّ لنقد أوضاع البلاد بذكاء، وفكاهة؛ بهدف الترفيه عنهم، وإسعادهم، أو التوعية والتثقيف وهكذا...
ونرى أنه بعد بلوغ مهنة الحكواتي ذروة ازدهارها وشهرتها في العصرين المملوكيّ والعثمانيّ، بدأت عجلة الزمن تدور؛ لتعلن بداية العد التنازليّ لهذا الفن الشفهيّ العريق. ومع دقات طبول العصر الحديث، والتطور التكنولوجيّ المتسارع، بدأت ملامح "الحكواتي التقليديّ" تختفي تدريجيًا من المقاهي، والساحات الشعبيّة، حتى كادت تندثر بشكلها القديم، إلا أنَّ هذا الغياب لم يكن موتًا للمهنة، بل كان بمثابة انتقال وتطور؛ حيث خلعت المهنة ثوبها القديم لترتدي أثوابًا جديدة تتناسب مع روح العصر.
الثوب الأول: (المسرح) كانت البداية مع ظهور المسرح الحديث، حيث تحولت الحكايات الفرديّة إلى نصوص دراميّة يجسدها ممثلون على الخشبة. استلهم المسرح العربيّ في بداياته كثيرًا من روح الحكواتي، فظهرت مسرحيّات تعتمد على الراوي الذي يخاطب الجمهور مباشرةً؛ ليتحول "الحكواتي الفرد" إلى فرقة مسرحيّة متكاملة تجسد البطولات، والملاحم بالصوت، والحركة، والديكور.
الثوب الثاني: سحر الإذاعة، والشاشات الفضائيّة: فمع دخول وسائل الإعلام الجماهيريّة؛ انتقل الحكواتي إلى الإذاعة والتلفاز. ففي الراديو، تجسد الحكواتي في برامج القصص، والمسلسلات الإذاعيّة، وصوت "الراوي" الذي يجذب خيال المستمعين بالاعتماد على المؤثرات الصوتيّة، والموسيقا التصويريّة. أمّا التلفاز، فقد أخذ المهنة إلى أبعاد بصريّة مذهلة، من خلال المسلسلات التاريخيّة، والفانتازيا الشعبيّة (مثل حكايات "ألف ليلة وليلة" و"السيرة الهلاليّة")، فصار المخرج والسيناريست هما "حكواتي العصر" الذي يلتف حوله الملايين في وقتٍ واحد.
الثوب الثالث- الثوب الرقميّ (عصر اليوتيوب، والبودكاست): وصولًا إلى عصرنا الحاليّ، وتحديدًا مع الثورة الرقميّة، وانتشار منصات التواصل الاجتماعيّ، ظهر الحكواتي في أبهى ثيابه العصريّة عبر منصات التواصل مثل اليوتيوب، ومنصات صنّاع المحتوى؛ فلم يعد الحكواتي بحاجة إلى مقهى حارتنا، بل أصبح يملك "مقهى عالميًّا" يزوره الملايين بضغطة زر .تجسد هذا الأمر بوضوح في الانتشار الواسع لبرامج البودكاست (Podcast) والبرامج الوثائقيّة، والقَصَصيّة الرقميَّة. فهؤلاء هم"الحكواتيون الجدد" يقومون بنفس الدور القديم تمامًا؛ يسردون التاريخ، يروون قَصص الجرائم الغامضة، يبسطون العلوم، والآداب، وينتقدون الأوضاع بذكاء وفكاهة. هم يمسكون اليوم "بالميكروفون'' والكاميرا بدلًا من العصا، والربابة، ويستخدمون المؤثرات البصريّة، والسمعيّة الحديثة لجذب الانتباه، والتوعية، والتثقيف، ولكن في إطار وقالب عصريّ مختلف تمامًا.
نحن نعلم أنّ مهنة القَصّاص لم تمت، أو تندثر؛ لأن حاجة الإنسان البشريّ إلى "سماع قصة" هي حاجة فطريّة لا تنتهي، وقد تتغير الأشكال والطرق، لكن يبقى جوهر الراوي واحدًا.
على الرغم من التطور الرقميّ المبهر، إلا أنّ سهولة تحوّل أي شخص اليوم إلى "حكواتي" عبر الإنترنت خلقت حالة من العشوائيّة والفوضى.
فمع غياب الرَقابة، وكثرة صنّاع المحتوى، انتشرت روايات مغلوطة، وأكاذيب تثير البلبلة والفتنة؛ سعيًا وراء المشاهدات، و"التريند"، مما جعل الجمهور عاجزًا عن التمييز بين الراوي الصادق والمدعي.
وأرى أنّ هذا الواقع يختلف تمامًا عن الماضي؛ حيث كانت المهنة تحكمها شروط، وضوابط صارمة، ولم يكن يُسمح لأي شخص باعتلاء الساحات وسرد الحكايات دون تمحيص ومسئولية. حتى إذا وُجد في الماضي مساحة للكذب، أو الافتراء، فإنها كانت أقل بكثير ومحدودة للغاية مقارنةً باليوم؛ حيث لم تكن الشائعة تملك حينها منصات عابرة للقارات وملايين المشاهدات لتنتشر كالنار في الهشيم.
وفي النهاية، جميعنا يعلم إنّ الحكواتي لم يمت، ربما تغيّر ثوبه، وتبدّلت أدواته؛ فبعد أن كان يمسك بالعصا، والربابة، أصبح اليوم يمسك الميكروفون، والكاميرا. فقد تغيّر المكان، لكن بقيت الحكاية، وبقيَ الإنسان متعطّشًا لمن يرويها.
لذا علينا أن ندرك أنّ الحكواتي الحقيقيّ ليس من يملك جمهورًا أكبر، بل من يملك حكاية صادقة، وكلمة مسئولة، وأمانة في نقلها.
وربما لهذا ستظل الحكايات حيّة ما دام هناك من يسمع، ومن يروي، ومن يؤمن بأنّ كلمةً واحدةً قد تعبُر الزمن، وتصل من قلبٍ إلى قلب، ومن جيلٍ إلى جيل...
تغيّر الحكواتي... لكن لم تمت حكايته
المصادر، والمراجع :
"قالبنا المسرحيّ "توفيق الحكيم
"دراسات في السيرة الشعبيّة "د. فاروق خورشيد.
"فنون الأدب الشعبيّ"د. أحمد رشدي صالح
المرجع الأم الذي أرّخ لظواهر السرد الشفاهيّ، وأنواع الرواة المحدَثين، والمدَّاحين، وشعراء الربابة في مِصر.
"الحكاية الشعبيّة"د. عبد الحميد يونس.
"أشكال التعبير في الأدب الشعبيّ"د. نبيلة إبراهيم.