هل النوستالجيا آليّة دفاع نفسيّة ضد قلق المستقبل أم هروب من مواجهة الحاضر؟
بقلم: صفوة صلاح
عامٌ بعد عام، لا أكفُ عن الالتفات خلفي؛ أرى ليالِ الصبا، وأحلام صغيرة تُشبهني، أينما اتجهت احملها معي، بأُناسِها، وأُولى انتصاراتي، التي اسمّيها الآن:
"خيباتي الصغرى".
يُروّعني مرور السنوات، انظر حولي، أجد يداي فارغتين. أشعر كأنّني داخل حلقة متوقفة من العمر، أستطيع أن أرى العابرين بكل وضوح، الجميع علي عجلة، يركضون! لا أعلم، ربّما يعرف كلٌ منهم وجهته، وربّما لا يعرفها! وأنا، وجهتي أمامي، أعرفها. لكنّي أسير لأفكاري، وللماضي، أسير في الدربِ وحدي.
ما نعرفه، وما لا نعرفه عن "النوستالجيا"
حين نُدرك أنّ الماضي الوردي هو ماضٍ مؤلم في الوقت نفسه! ثَمّة ذكرياتٍ عدة تضعك في زاويةٍ ضيّقة في لحظة عجز، تركض باندفاع نحوها، لتُلقي بها بعيدًا، عساك تتحرر منها، عساك تتحرر من أسرها؛ لتكتشف فجأة أنك في زاويةٍ أضيق مما كنت عليها! فجأة تشعر وكأنّك قد امتلأتَ بالفراغ، وعالمك الحقيقيّ يتلاشى أمامك، فلا شيء يبقى سوى نسخةٍ أخرى منك، خالية من خدوش، وأحلام الماضي، نسخة لم تعد تجيد التعرف عليها! فكيف يمكن للمرء أن يتخلى عن جزءٍ منه؟ ويعيش بحياة أخرى، بينما يظل يشعر أنَّه لا ينتمي لأي شيء هنا؟ كيف يتحرر من عِبء الماضي؟ وهو الشيء الوحيد ذو القيمة في كل مراحل عمره؟
إنها ذريعة الوعي، التي تحدث دون إنذار مسبق حين نكبر فجأة، فنكتشف أنَّ الماضي الورديّ في كينونته شعور أليم جدًا؛ حينها ندرك أنَّنا كنّا نشعر بعمق أكثر من اللازم. أو ربَّما لو كنا نشعر أقل؛ ما كانت الحياة لتستدرجنا لتلك الدرجة؛ ثم تسلب منا مشاعرنا بغتة.
ويبقي السؤال دائمًا:
كيف يستوعب المرء أنّ له حياة واحدة لا حياتين، وأنّه لابد من أنْ يتخلّى عن واحدةٍ منهما؛ ليستطيع العيش؟
هل النوستالجيا آليّة دفاع نفسيّة ضد قلق المستقبل أم هروب من مواجهة الحاضر؟
رأيي الشخصيّ إنَّ الحنين إلى الأشياء التي كانت تمنحنا القيمة، هو أمرٌ حتميّ مفروض علينا، من غير تدخل منّا، هو امتداد إلى "من أنا"؟ هي العودة إلى هُويَّتنا الحقيقيّة التي عرّفنا أنفسنا بها ذات يوم في خطواتنا المبكرة، وهي المرجع الأساسيّ لحقيقة شعورنا نحو الأشياء التي نُحب والتي لا نُحب.
فإنها آليّة، تُسعف -بالفعل- كثيرًا منا، وتمنحنا مساحة آمنة. ولكن أشعر كثيرًا إنها ليست آليّة دفاعيّة ضد قلق المستقبل، بل العكس تمامًا هي التي قد تتسبب في عطل في انتاجيتنا؛ وذلك بسبب شعورنا المُلح بأنّ أي نجاح لنا لن يعوضنا عن شغفنا، ومشاعرنا القديمة، وإنّها لن توازي حجم المجهود المبذول، وإنّ فرحتنا ستكون مؤقتة، أو عابرة. ولكن هل ذلك مبرر ساذج نتكئ عليه؟! أم إنّه حالة نفسيّة شعوريّة لا إراديّة؟ حتى الآن لا أملك دليلًا قاطعًا على ذلك ولكن الآن يمكنني القول إنَّ:
الحنين هو آليّة دفاع نفسيّة تُسعفنا؛ لكي نُعرّف أنفسنا.
لا يمكننا أن نُشير إليها على أنَّها تسبّب لنا الهروب من مواجهة الحاضر، لكن قد يكون الشعور بعدم الانتماء سبب قد يُعطّل جودة الانتاجيّة.
قد يسبب الحنين شعور بالقلق من المستقبل، والخوف من المجهول.
الرجوع إلى المألوف، ومحاولة تطبيق أشياء مماثلة في الحاضر، أملًا في الحصول على شعور مماثل.
و أخيرًا فالمصابون بداء الحنين المقيّدون أمثالي هم الذين يبحثون دائمًا عن كينونتهم، وتعتريهم ذكريات هائلة من بقايا صورهم في الماضي البعيد، يقاومون الحنين بشدة؛ لاستكمال المسير، العارفون أنّ المسافة بين المرء، ونفسه هائلة جدًا، الذين يسيرون نحو أنفسهم آلاف الأميال، ويتوقفون في محطةِ ما قبل الوصول، يتساءلون عن ماهيتهم الحقيقية!
الذين ابصروا الوعي على غفلةٍ منهم، وبقوا عالقين في المنتصف، حيثُ عالمين متباعدين.. لا يجمعهما شيء!
أولئك لم يختلفوا البتّة عمّا كانوا عليه، ولم يتخلّوا أبدًا عن كونهم هم، وإنْ كانوا يدَّعون إنَّهم أصبحوا أشخاصًا آخرين.
"خيباتي الصغرى".
يُروّعني مرور السنوات، انظر حولي، أجد يداي فارغتين. أشعر كأنّني داخل حلقة متوقفة من العمر، أستطيع أن أرى العابرين بكل وضوح، الجميع علي عجلة، يركضون! لا أعلم، ربّما يعرف كلٌ منهم وجهته، وربّما لا يعرفها! وأنا، وجهتي أمامي، أعرفها. لكنّي أسير لأفكاري، وللماضي، أسير في الدربِ وحدي.
ما نعرفه، وما لا نعرفه عن "النوستالجيا"
حين نُدرك أنّ الماضي الوردي هو ماضٍ مؤلم في الوقت نفسه! ثَمّة ذكرياتٍ عدة تضعك في زاويةٍ ضيّقة في لحظة عجز، تركض باندفاع نحوها، لتُلقي بها بعيدًا، عساك تتحرر منها، عساك تتحرر من أسرها؛ لتكتشف فجأة أنك في زاويةٍ أضيق مما كنت عليها! فجأة تشعر وكأنّك قد امتلأتَ بالفراغ، وعالمك الحقيقيّ يتلاشى أمامك، فلا شيء يبقى سوى نسخةٍ أخرى منك، خالية من خدوش، وأحلام الماضي، نسخة لم تعد تجيد التعرف عليها! فكيف يمكن للمرء أن يتخلى عن جزءٍ منه؟ ويعيش بحياة أخرى، بينما يظل يشعر أنَّه لا ينتمي لأي شيء هنا؟ كيف يتحرر من عِبء الماضي؟ وهو الشيء الوحيد ذو القيمة في كل مراحل عمره؟
إنها ذريعة الوعي، التي تحدث دون إنذار مسبق حين نكبر فجأة، فنكتشف أنَّ الماضي الورديّ في كينونته شعور أليم جدًا؛ حينها ندرك أنَّنا كنّا نشعر بعمق أكثر من اللازم. أو ربَّما لو كنا نشعر أقل؛ ما كانت الحياة لتستدرجنا لتلك الدرجة؛ ثم تسلب منا مشاعرنا بغتة.
ويبقي السؤال دائمًا:
كيف يستوعب المرء أنّ له حياة واحدة لا حياتين، وأنّه لابد من أنْ يتخلّى عن واحدةٍ منهما؛ ليستطيع العيش؟
هل النوستالجيا آليّة دفاع نفسيّة ضد قلق المستقبل أم هروب من مواجهة الحاضر؟
رأيي الشخصيّ إنَّ الحنين إلى الأشياء التي كانت تمنحنا القيمة، هو أمرٌ حتميّ مفروض علينا، من غير تدخل منّا، هو امتداد إلى "من أنا"؟ هي العودة إلى هُويَّتنا الحقيقيّة التي عرّفنا أنفسنا بها ذات يوم في خطواتنا المبكرة، وهي المرجع الأساسيّ لحقيقة شعورنا نحو الأشياء التي نُحب والتي لا نُحب.
فإنها آليّة، تُسعف -بالفعل- كثيرًا منا، وتمنحنا مساحة آمنة. ولكن أشعر كثيرًا إنها ليست آليّة دفاعيّة ضد قلق المستقبل، بل العكس تمامًا هي التي قد تتسبب في عطل في انتاجيتنا؛ وذلك بسبب شعورنا المُلح بأنّ أي نجاح لنا لن يعوضنا عن شغفنا، ومشاعرنا القديمة، وإنّها لن توازي حجم المجهود المبذول، وإنّ فرحتنا ستكون مؤقتة، أو عابرة. ولكن هل ذلك مبرر ساذج نتكئ عليه؟! أم إنّه حالة نفسيّة شعوريّة لا إراديّة؟ حتى الآن لا أملك دليلًا قاطعًا على ذلك ولكن الآن يمكنني القول إنَّ:
الحنين هو آليّة دفاع نفسيّة تُسعفنا؛ لكي نُعرّف أنفسنا.
لا يمكننا أن نُشير إليها على أنَّها تسبّب لنا الهروب من مواجهة الحاضر، لكن قد يكون الشعور بعدم الانتماء سبب قد يُعطّل جودة الانتاجيّة.
قد يسبب الحنين شعور بالقلق من المستقبل، والخوف من المجهول.
الرجوع إلى المألوف، ومحاولة تطبيق أشياء مماثلة في الحاضر، أملًا في الحصول على شعور مماثل.
و أخيرًا فالمصابون بداء الحنين المقيّدون أمثالي هم الذين يبحثون دائمًا عن كينونتهم، وتعتريهم ذكريات هائلة من بقايا صورهم في الماضي البعيد، يقاومون الحنين بشدة؛ لاستكمال المسير، العارفون أنّ المسافة بين المرء، ونفسه هائلة جدًا، الذين يسيرون نحو أنفسهم آلاف الأميال، ويتوقفون في محطةِ ما قبل الوصول، يتساءلون عن ماهيتهم الحقيقية!
الذين ابصروا الوعي على غفلةٍ منهم، وبقوا عالقين في المنتصف، حيثُ عالمين متباعدين.. لا يجمعهما شيء!
أولئك لم يختلفوا البتّة عمّا كانوا عليه، ولم يتخلّوا أبدًا عن كونهم هم، وإنْ كانوا يدَّعون إنَّهم أصبحوا أشخاصًا آخرين.