كيف شكَّل السجنُ والعُزلة الرواياتِ الكُبرى في التاريخ
بقلم: ياسمين عبدالقدوس
بينما يُغلق السَّجان أبوابَ الزَّنزانة، وتُطبق الظُّلمةُ بكفَّيها على الجُدران، يضيءُ في عُقل الكاتِب عالَمٌ لا صَوت فيه يَعلو على صوتِ الرَّاوي، وتَصير مشاعرُ البطَل وحدها تحتَ الأضواء.
في أكثرِ الأماكنِ فراغًا ووَحدة، هناك شيءٌ واحدٌ لم تقدِر على سَلبِه قوةُ السجَّان ولا عُزلة المَنفى؛ ألا وهو الفِكرة، لتأتي الكتابةُ فتُعيدَ للكاتبِ اسمَه وذاكرتَه وسَرديَّته، وتحوِّل التهميشَ إلى شهادةٍ عابِرةٍ للعُصور.
من "القَوقعة" في سجن تَدمُر إلى "رِحلة الحاج" في زَنزانة بَنْيان، وُصولًا إلى "البؤساء" في مَنفى هوغو الاختِياريِّ، يتكرَّرُ نمطٌ واحد: العُزلة –سواءٌ أُكرِه عليها الكاتب أو اختارَها– فتَتحوَّل إلى وَرشة أفكارٍ تَصُوغ روايةً يرسلُها الكاتبُ إلى العالَم خلفَ الزَّنزانة.
واليوم في "وَرَقة" نُجيبُ عن سؤالٍ يراوِد كلَّ من قرأ هذه الرِّسالة: لماذا العُزلة؟ وكيفَ تحوَّل الحِرمان الجسديُّ إلى وَقودٍ سَرديّ؟ ولماذا خرجَت من خَلفِ القُضبانِ بعضُ أعظمِ الرواياتِ في التاريخ؟
لِماذا العُزلَة؟
في عالمِ المَحكومين وبينَ الجُدران، تختلفُ القواعِد والقوانين عن عالمِنا في الأعلَى؛ لذلك نَرى أنَّ أولَ ما يُدهشنا في هؤلاءِ الكتَّاب هو خروجُهم بهذه التُّحَف الأدبيةِ في عالمٍ الصمتُ فيه هو القاعدةُ الأولى. ولَربَّما كانت هذه القواعِد هي الدافِع وراءَ هذا الإبداع؛ لأنهُ يفرِض على الكاتب تحوُّلًا قسريًّا في أدواتِ التفكيرِ والكِتابة: فتتحولُ الوَحدةُ إلى تكثيفٍ زمنيٍّ عِندما يتوقفُ الزمن الخارجيُّ ويتعطلُ جدولُ الأعمال اليَومي، ليَحُلَّ مَحلَّه "زمنٌ داخليٌّ" بطيءٌ وثَقيل. هذا الفراغُ الإجباريُّ يجبِر الكاتب على المُواجهة المباشِرة مع أفكارِه دُون مشتِّتات، فيصبحُ الفِكرُ رفيق السجينِ الوحيد، ممَّا يدفعُ التجرِبة الذِّهنيةَ نحوَ العُمقِ بدلًا من تفاصيل الحياةِ العابِرة.
في البيئةِ الحُرة، تمرُّ آلافُ المثيراتِ الصوتيةِ والبصَرية دونَ ملاحَظة، أمَّا في الغُرفةِ الضيِّقة، فتكتسِب أدقُّ التفاصيلِ معانِيَ كاملة:
صَوت: خُطى الحارس، صَرير الأبواب، أو خَريرُ المَطرِ خارج النافذةِ الصُّغرى.
رؤيَة: حُزمةُ ضوءٍ تنفُذُ من شَقٍّ، أو حركةُ نملةٍ على جدارٍ حجَريّ.
هذا التضييقُ الماديُّ يعيدُ تدريب حواسِّ الكاتب على التِقاط دَلالاتٍ عميقة من المظاهِر البسيطة، مِما يمنحُ النصَّ الأدبيَّ كثافةً وَصفيةً غيرَ مُعتادة.
وكما يسلُبُ السجنُ الكاتبَ حواسَّه فإنهُ يسلُبُه أدوارَه الاجتماعيةَ المقيِّدة (المنصِب، المَكانة، المظهَر). هذا التجرُّد يُسقِط الأقنعةَ ويجبرُ النصَّ على الخروجِ من منطقة المُداراة إلى المُناداةِ بالأسئلةِ الوُجوديةِ الكُبرى بكلِّ حُرية، بعد أن تساوَت الرؤوسُ في ذلك الظلام. بل ويضَعُ السجنُ الكاتبَ في تَماسٍ مباشِرٍ مع الهامِش: السجَّانين، المُجرمين، والمظلومين؛ وهو ما يُتيح له تشريحًا حقيقيًّا للطَّبائع البَشريَّة والسُّلطة والتَّهميش، بعيدًا عن النظريَّات العقلانِيَّة المُسبَقة.
عِندما تفرُغ الزنزانةُ مِما سِوى الكاتبِ ومِحبَرَتِه، تتحولُ الكلمة من "مُمارسةٍ أو هِواية" إلى فعلِ مُقاومةٍ وإثباتِ وجود؛ فالنصُّ المعتقَل يُكتبُ بغريزةِ البقاء، ولِذا تجيءُ المفرداتُ مُصفَّاةً من الزوائد والأشكال البلاغِية الباردة؛ لتكونَ أشدَّ صدقًا وإيحاءً.
كيف ولَّدَت الزنزانةُ شخصياتٍ وحكايات؟
في رَحِم الظُّلمة، تَظهر وتُضيء النُّطَف الأولى لشخصياتٍ فريدةٍ خُلِقت للعَيش في العوالِم البَديلة في عَقل الكاتب. وكما أنَّ ظُروف هذا المَخاضِ عَسيرة، فإنَّ العوالمَ التي خُلقت لها قد نشأت عن أربعةِ انفجاراتٍ حِسِّية:
عالمٌ تحت المِجهر: يراقبُ الكاتبُ كلَّ من حولَه وردودَ أفعالِهم في لحظاتِ القُوة وأحلَكِ أوقات الضَّعف، فتتحولُ السلوكياتُ الدقيقَة لرِفاق الخليَّة أو الحُراس لمادةٍ أوَّلية لبِناء شخصياتٍ معقَّدةٍ نفسيًّا؛ تمامًا كما شرح مُصطفى خَليفة في "القَوقعة" أدقَّ حركاتِ حُراسِ سجن تَدمُر وسلوكَ المسجونينَ تحت وَطأة الخَوف.
كَنز الماضي: عندما يصبحُ أبعدُ ما يراهُ الكاتبُ هو بابُ زَنزانتِه، تزدادُ صورة الماضي صفاءً وحضورًا؛ فيصبِح الأمسُ هو المادةَ الخام لصناعةِ العالَم البديل، ويُعيد الكاتب صِياغتَهُ الوَرق كأنهُ يملكُ تغييرَ القدَر.
أصواتٌ مؤنِسة: لتَفادي الخَبَل أو التآكُلِ النَّفسي، ينقسِمُ عَقل السجين إلى عِدَّة ذَوات؛ فيدخُل الكاتبُ في حواراتٍ داخليةٍ حادَّة مع نفسِه، ومن هذا الصِّراع يُولَد "الخَصم" و"البطَل" و"الحَكيم" داخِل العقلِ الواحد؛ تمامًا كما انقسَم عقلُ بَنْيان في "رِحلة الحاج" لتوليدِ شخصياتٍ تعبِّرُ عن الصِّراع النفسيِّ والدينيِّ لخَوض معركة الإيمان.
الحُريَّةُ المَنشودة: على الورَق، تستطيعُ الشخصياتُ الطيَران، والتنقُّلَ بين المُدن، وممارسَة َ الحُبِّ، والانتِقام؛ فيَمنحُ الكاتبُ أبطالَه الصلاحيَّاتِ التي سُلِبت منه، تمامًا كما مارسَ فيكتور هوجو حُرِّيتَه السِّياسية والفِكرية من مَنفاهُ في "البؤساء" ليرسُم فرنسا التي يحلُمُ بها خارجَ حدود القَمع.
على الجُدران:لم تكُن المعركة أدبيةً فحَسب، بل كانت معركةَ أَدوات؛ فعِندما تُصادَر الأوراقُ ويُمنعُ القلم، تتضاعَف قدسيَّةُ الكلمة لتُصبح المادةُ الأدبيةُ أثمَنَ من الخُبز. كان يَسطُرُ المساجينُ على أجسادِهِم وعلى الجُدرانِ كلَّ ما كانَ حقُّهُ أن يُكتَب على الوَرق، فكُتِبت نصوصٌ بقِطع الفحم على جُدران المحابِس، ونُقِشت أخرى بالدِّماء على هوامشِ ورق السجائر وأقمِشَة الملابِس، وحُفِظت آلافُ الأبياتِ والرِّواياتِ شِفاهًا في صدورِ الرِّفاق كَي لا تُمحى إذا ما فُتِّشت الخلايا.
الورقُ إلى الحُرية: حينَ تنتهي الكتابة، تبدأُ مَلحمةٌ أُخرى لا تقِلُّ شراسَة: كيف يخرُج النصُّ إلى العالَم؟
تتحولُ المَخطوطة من مجرَّدِ كلماتٍ إلى كَبسولةِ هرَب؛ فتُهرَّب الأوراقُ مَطويةً في ثنايا الملابِس، أو مَغروسةً في أحشاءِ الخُبز، أو يُعادُ نسخُها بالسرِّ ويتمُّ تمريرُها عبر ثُقوب الجُدران ووَساطات الزُّوار. إنَّ خروجَ النصِّ من الزَّنزانةِ إلى المَطبعة هو الهزيمَةُ الأولى للسجَّانِ في نَظر الكاتبِ والقارئ على حدٍّ سَواء، وإعلانٌ رسميٌّ بأنَّ السُّورَ أضيَق من أن يحتجِزَ الفكرة.
تُعلِّمُنا تجارِبُ العُزلة والسجنِ في تاريخ الأدبِ حقيقةً واحدة: أنَّ حُدود المُخيّلة أبعدُ بكثيرٍ من سُلطة السجَّان..
لقد طوَى التاريخ أسماءَ آلافِ السجَّانينَ والجلَّادين وأَحالَهم إلى النِّسيان، بينَما بقِيَت كلماتُ المساجينِ حيَّةً تقرَؤها الأجيال.
وفي النِّهاية، حينَ يُسقِط التاريخُ أقنِعتَه، نكتشفُ أنَّ السجينَ كانَ هو الحُرَّ الوحيد داخِل السِّجن، وأنَّ السجَّان كانَ الحَبيسَ الحقيقيَّ داخِلَ زَنزانةِ سُلطَتِه.
في أكثرِ الأماكنِ فراغًا ووَحدة، هناك شيءٌ واحدٌ لم تقدِر على سَلبِه قوةُ السجَّان ولا عُزلة المَنفى؛ ألا وهو الفِكرة، لتأتي الكتابةُ فتُعيدَ للكاتبِ اسمَه وذاكرتَه وسَرديَّته، وتحوِّل التهميشَ إلى شهادةٍ عابِرةٍ للعُصور.
من "القَوقعة" في سجن تَدمُر إلى "رِحلة الحاج" في زَنزانة بَنْيان، وُصولًا إلى "البؤساء" في مَنفى هوغو الاختِياريِّ، يتكرَّرُ نمطٌ واحد: العُزلة –سواءٌ أُكرِه عليها الكاتب أو اختارَها– فتَتحوَّل إلى وَرشة أفكارٍ تَصُوغ روايةً يرسلُها الكاتبُ إلى العالَم خلفَ الزَّنزانة.
واليوم في "وَرَقة" نُجيبُ عن سؤالٍ يراوِد كلَّ من قرأ هذه الرِّسالة: لماذا العُزلة؟ وكيفَ تحوَّل الحِرمان الجسديُّ إلى وَقودٍ سَرديّ؟ ولماذا خرجَت من خَلفِ القُضبانِ بعضُ أعظمِ الرواياتِ في التاريخ؟
لِماذا العُزلَة؟
في عالمِ المَحكومين وبينَ الجُدران، تختلفُ القواعِد والقوانين عن عالمِنا في الأعلَى؛ لذلك نَرى أنَّ أولَ ما يُدهشنا في هؤلاءِ الكتَّاب هو خروجُهم بهذه التُّحَف الأدبيةِ في عالمٍ الصمتُ فيه هو القاعدةُ الأولى. ولَربَّما كانت هذه القواعِد هي الدافِع وراءَ هذا الإبداع؛ لأنهُ يفرِض على الكاتب تحوُّلًا قسريًّا في أدواتِ التفكيرِ والكِتابة: فتتحولُ الوَحدةُ إلى تكثيفٍ زمنيٍّ عِندما يتوقفُ الزمن الخارجيُّ ويتعطلُ جدولُ الأعمال اليَومي، ليَحُلَّ مَحلَّه "زمنٌ داخليٌّ" بطيءٌ وثَقيل. هذا الفراغُ الإجباريُّ يجبِر الكاتب على المُواجهة المباشِرة مع أفكارِه دُون مشتِّتات، فيصبحُ الفِكرُ رفيق السجينِ الوحيد، ممَّا يدفعُ التجرِبة الذِّهنيةَ نحوَ العُمقِ بدلًا من تفاصيل الحياةِ العابِرة.
في البيئةِ الحُرة، تمرُّ آلافُ المثيراتِ الصوتيةِ والبصَرية دونَ ملاحَظة، أمَّا في الغُرفةِ الضيِّقة، فتكتسِب أدقُّ التفاصيلِ معانِيَ كاملة:
صَوت: خُطى الحارس، صَرير الأبواب، أو خَريرُ المَطرِ خارج النافذةِ الصُّغرى.
رؤيَة: حُزمةُ ضوءٍ تنفُذُ من شَقٍّ، أو حركةُ نملةٍ على جدارٍ حجَريّ.
هذا التضييقُ الماديُّ يعيدُ تدريب حواسِّ الكاتب على التِقاط دَلالاتٍ عميقة من المظاهِر البسيطة، مِما يمنحُ النصَّ الأدبيَّ كثافةً وَصفيةً غيرَ مُعتادة.
وكما يسلُبُ السجنُ الكاتبَ حواسَّه فإنهُ يسلُبُه أدوارَه الاجتماعيةَ المقيِّدة (المنصِب، المَكانة، المظهَر). هذا التجرُّد يُسقِط الأقنعةَ ويجبرُ النصَّ على الخروجِ من منطقة المُداراة إلى المُناداةِ بالأسئلةِ الوُجوديةِ الكُبرى بكلِّ حُرية، بعد أن تساوَت الرؤوسُ في ذلك الظلام. بل ويضَعُ السجنُ الكاتبَ في تَماسٍ مباشِرٍ مع الهامِش: السجَّانين، المُجرمين، والمظلومين؛ وهو ما يُتيح له تشريحًا حقيقيًّا للطَّبائع البَشريَّة والسُّلطة والتَّهميش، بعيدًا عن النظريَّات العقلانِيَّة المُسبَقة.
عِندما تفرُغ الزنزانةُ مِما سِوى الكاتبِ ومِحبَرَتِه، تتحولُ الكلمة من "مُمارسةٍ أو هِواية" إلى فعلِ مُقاومةٍ وإثباتِ وجود؛ فالنصُّ المعتقَل يُكتبُ بغريزةِ البقاء، ولِذا تجيءُ المفرداتُ مُصفَّاةً من الزوائد والأشكال البلاغِية الباردة؛ لتكونَ أشدَّ صدقًا وإيحاءً.
كيف ولَّدَت الزنزانةُ شخصياتٍ وحكايات؟
في رَحِم الظُّلمة، تَظهر وتُضيء النُّطَف الأولى لشخصياتٍ فريدةٍ خُلِقت للعَيش في العوالِم البَديلة في عَقل الكاتب. وكما أنَّ ظُروف هذا المَخاضِ عَسيرة، فإنَّ العوالمَ التي خُلقت لها قد نشأت عن أربعةِ انفجاراتٍ حِسِّية:
عالمٌ تحت المِجهر: يراقبُ الكاتبُ كلَّ من حولَه وردودَ أفعالِهم في لحظاتِ القُوة وأحلَكِ أوقات الضَّعف، فتتحولُ السلوكياتُ الدقيقَة لرِفاق الخليَّة أو الحُراس لمادةٍ أوَّلية لبِناء شخصياتٍ معقَّدةٍ نفسيًّا؛ تمامًا كما شرح مُصطفى خَليفة في "القَوقعة" أدقَّ حركاتِ حُراسِ سجن تَدمُر وسلوكَ المسجونينَ تحت وَطأة الخَوف.
كَنز الماضي: عندما يصبحُ أبعدُ ما يراهُ الكاتبُ هو بابُ زَنزانتِه، تزدادُ صورة الماضي صفاءً وحضورًا؛ فيصبِح الأمسُ هو المادةَ الخام لصناعةِ العالَم البديل، ويُعيد الكاتب صِياغتَهُ الوَرق كأنهُ يملكُ تغييرَ القدَر.
أصواتٌ مؤنِسة: لتَفادي الخَبَل أو التآكُلِ النَّفسي، ينقسِمُ عَقل السجين إلى عِدَّة ذَوات؛ فيدخُل الكاتبُ في حواراتٍ داخليةٍ حادَّة مع نفسِه، ومن هذا الصِّراع يُولَد "الخَصم" و"البطَل" و"الحَكيم" داخِل العقلِ الواحد؛ تمامًا كما انقسَم عقلُ بَنْيان في "رِحلة الحاج" لتوليدِ شخصياتٍ تعبِّرُ عن الصِّراع النفسيِّ والدينيِّ لخَوض معركة الإيمان.
الحُريَّةُ المَنشودة: على الورَق، تستطيعُ الشخصياتُ الطيَران، والتنقُّلَ بين المُدن، وممارسَة َ الحُبِّ، والانتِقام؛ فيَمنحُ الكاتبُ أبطالَه الصلاحيَّاتِ التي سُلِبت منه، تمامًا كما مارسَ فيكتور هوجو حُرِّيتَه السِّياسية والفِكرية من مَنفاهُ في "البؤساء" ليرسُم فرنسا التي يحلُمُ بها خارجَ حدود القَمع.
على الجُدران:لم تكُن المعركة أدبيةً فحَسب، بل كانت معركةَ أَدوات؛ فعِندما تُصادَر الأوراقُ ويُمنعُ القلم، تتضاعَف قدسيَّةُ الكلمة لتُصبح المادةُ الأدبيةُ أثمَنَ من الخُبز. كان يَسطُرُ المساجينُ على أجسادِهِم وعلى الجُدرانِ كلَّ ما كانَ حقُّهُ أن يُكتَب على الوَرق، فكُتِبت نصوصٌ بقِطع الفحم على جُدران المحابِس، ونُقِشت أخرى بالدِّماء على هوامشِ ورق السجائر وأقمِشَة الملابِس، وحُفِظت آلافُ الأبياتِ والرِّواياتِ شِفاهًا في صدورِ الرِّفاق كَي لا تُمحى إذا ما فُتِّشت الخلايا.
الورقُ إلى الحُرية: حينَ تنتهي الكتابة، تبدأُ مَلحمةٌ أُخرى لا تقِلُّ شراسَة: كيف يخرُج النصُّ إلى العالَم؟
تتحولُ المَخطوطة من مجرَّدِ كلماتٍ إلى كَبسولةِ هرَب؛ فتُهرَّب الأوراقُ مَطويةً في ثنايا الملابِس، أو مَغروسةً في أحشاءِ الخُبز، أو يُعادُ نسخُها بالسرِّ ويتمُّ تمريرُها عبر ثُقوب الجُدران ووَساطات الزُّوار. إنَّ خروجَ النصِّ من الزَّنزانةِ إلى المَطبعة هو الهزيمَةُ الأولى للسجَّانِ في نَظر الكاتبِ والقارئ على حدٍّ سَواء، وإعلانٌ رسميٌّ بأنَّ السُّورَ أضيَق من أن يحتجِزَ الفكرة.
تُعلِّمُنا تجارِبُ العُزلة والسجنِ في تاريخ الأدبِ حقيقةً واحدة: أنَّ حُدود المُخيّلة أبعدُ بكثيرٍ من سُلطة السجَّان..
لقد طوَى التاريخ أسماءَ آلافِ السجَّانينَ والجلَّادين وأَحالَهم إلى النِّسيان، بينَما بقِيَت كلماتُ المساجينِ حيَّةً تقرَؤها الأجيال.
وفي النِّهاية، حينَ يُسقِط التاريخُ أقنِعتَه، نكتشفُ أنَّ السجينَ كانَ هو الحُرَّ الوحيد داخِل السِّجن، وأنَّ السجَّان كانَ الحَبيسَ الحقيقيَّ داخِلَ زَنزانةِ سُلطَتِه.