لماذا نُحب الحكايات التي تؤلمُنا

بقلم: سمر عبدالخالق

لماذا نُحب الحكايات التي تؤلمُنا
غالِبًا ما تنتَهي الحكاياتُ حينَ نَطوي صفحاتِها، ولكن لِنتحدِّث اليومَ عن النوعِ الآخَر؛ ذلك النوعِ الذي يبقَى عالِقًا في أعماقِ ذاكِرتِنا. رُبًَّما نشعرُ بالحنينِ إلى تلكَ الأجزاءِ رَغمَ أَنَّها تركَتنا مُثقَلين بالحُزن. والغريبُ أنَّ القارئَ الذي يبحثُ عن المُتعةِ والمغامرةِ هربًا من صَخب الحياةِ الواقعية، يجدُ نفسَه أكثرَ تعلُّقًا بالحكاياتِ التي تؤلمُه، وبالنهاياتِ التي تتركُ في قلبهِ نُدبةً لا تُمحى بسهولَة.

فلِماذا نَنجذبُ إلى الرواياتِ الحزينة، ونحنُ نَعلمُ مُسبقًا أنَّ صفحاتِها قد تحملُ الفقدَ والانكِسارَ وربَّما الوداع؟ ولماذا تبدو بعضُ النِّهاياتِ الدراميةِ أكثرَ رُسوخًا في ذاكِرتِنا مِن النِّهاياتِ السعيدَة؟ لعلَّ الإجابةَ تَكمنُ في أنَّ الحُزنَ، على قسوتِهِ، يُلامسُ فينا شيئًا حقيقيًّا؛ شيئًا نعرفُهُ أو نَخشى أن نَعرفَه، فيجعلُ الحكايةُ تتجاوزُ كونَها كلماتٍ مكتوبةً لتَعدو تجرِبةً إنسانيَّةً نشعرُ بِها ونعيشُ تفاصيلَها مع أبطالِها.



هَل من السَّهلِ الانتِماءُ لِلحُزن؟


أشارَت بعضُ الأبحاث العِلميةِ إلى أنَّ أدمِغتَنا تتزامَنُ بشكلٍ جماعيٍّ مع أدمِغةِ المشاهدينَ الآخَرين، وهذا الاندِماجُ العقليُّ يؤدِّي إلى إثارةِ مشاعرِ التقارُب الجماعِيّ، ممَّا يُعزِّزُ تأثيرَ "الشعورِ بالرِّضا".
كما كشفَت دراساتٌ بقيادةِ خبيرةِ وعالمةِ النَّفس الإكلينيكيّ "جيسيكا ماجيدسون" أنَّ النهاياتِ الحزينةَ تذكِّرُنا بأنَّ الحياةَ صعبةٌ لِلغاية، وأنَّنا محظوظونَ بِما لدَينا من أفراح؛ فنحنُ لسنا ضعفاءَ أو نصارعُ الحياةَ بمفرَدِنا، بل نحنُ أبطالٌ مثلَ تلك الشخصياتِ "الدِّرامية" التي تحمَّلت الكثيرَ وما زالَت تحتفظُ بقوَّتِها في الفيلم.

وعلى الرَّغمِ من أنَّ استجاباتِنا العاطفيةَ للأفلامِ ليسَت مُتطابقةً تمامًا، تقولُ "ماجيدسون" أنَّ مشاهدةَ الأفلامِ المأساويةِ قد تجعلُنا في الواقعِ نشعرُ بالسَّعادةِ؛ لأنَّها تدفعُنا إلى التفكيرِ والشُّعورِ بالامتِنان لكَونِ حياتِنا وعلاقاتِنا أفضلَ من تِلك التي تَظهرُ على الشاشة.
لا سِيَّما النساءُ؛ فهُنَّ أكثرُ عُرضةً من الرجالِ للاستجابةِ للمُحفِّزاتِ العاطفيةِ السلبيةِ في الأفلام، كَالشعورِ بالحَسرة، والمَوت، واليَأس، والدُّموع. في حينِ يُعتَبرُ الرجالُ أكثرُ عُرضةً للاستِجابةِ للمُنبِّهاتِ العاطفيةِ الإيجابية، مثلَ قُدرةِ البطلِ على هَزيمةِ أعدائهِ رَغمَ إصابَته البالِغةِ لإنقاذِ أفرادِ عائلته.

وربَّما لا يَكمُنُ سِرُّ تعلُّقِنا بالحِكاياتِ الحزينةِ في حُبِّ الألَمِ لِذاتِه؛ بَل في قُدرتِها على إعادةِ ترتيبِ مشاعرِنا تجاهَ حياتنا. فعِندما نرَى شخصيَّاتٍ تُواجِهُ الفَقد والانكِسارَ، ثمَّ تواصِلُ المُضِيَّ قُدُمًا رَغم كلِّ ما أثقلَها، نشعرُ -بصورةٍ غيرِ مُباشِرة- بأنَّ مُعاناتِنا ليست استثناءً، وأن قُدرتَنا على التحمُّل قد تكونُ أكبرَ ممَّا نظُن. فالحِكايةُ الحزينةُ لا تجعلُنا نَبكي على مَصير شخصياتِها فحَسب، بل تدفعُنا إلى النَّظر في حياتِنا من زاويةٍ مُختلفة.



بعدَ أنْ نشبعَ مِن الحُزن


لكن ماذا يحدثُ حينَ نصلُ إلى مرحلةٍ نشعرُ فيها بأنَّنا قد اكتفَينا من الحُزن؟ حينَ لا تعودُ الرواياتُ قادرةً على منحِنا الاندِماج ذاتَهُ، ونبدأُ في البحثِ عن مَخرجٍ من المشاعرِ التي حمَلناها طويلًا؟
رُبما تكونُ الإجابةُ في الكتابَةِ ذاتِها، أو فيما يُعرفُ بـ« العلاجِ بالكتابَة »؛ أَي استخدامُ الكتابةِ بوَصفِها وسيلةً للتعبيرِ عن المشاعِر وفَهم التجارِبِ المؤلِمة، لا باعتِبارِها بديلًا عن العلاجِ النفسيِّ المُتخصِّص، بل مِساحةً مُساندةً تساعدُنا على الاقتِراب من ذَواتِنا بهُدوء.

فالكِتابةُ ليسَت دائمًا مُحاولةَ لصناعةِ حِكاية، بل قد تكونُ مُحاولةً لفَهمِ حكايتِنا نحن؛ أن نضَعَ ما يُؤلمُنا في كلِماتٍ، فنراهُ أمامَنا بدلًا مِن أن يظلَّ عالِقًا في داخِلِنا. وعِندما نكتبُ عمَّا نشعرُ به، قد نكتشفُ تفاصيلَ لم نَكُن قادرينَ على رُؤيتُها وَسطَ الارتِباك، ونمنَحُ مشاعرَنا مُسمَّياتٍ تجعلُ التعامُلَ معَها أكثرَ وُضوحًا.
لذلكَ يمكنُ أن تتحوَّلَ الكتابةُ إلى مِساحةٍ آمنةٍ نفرِغُ فيها ما لا نَستطيعُ البَوحَ به، ونرتِّبُ فيها فوضَى مشاعرِنا، ونمنحُ التجارِبَ التي عجَزنا عن فَهمِها معنًى أكثرَ قابِليَّةً للتأمُّل

وتُشيرُ دراساتٌ مُتخصصةٌ في الكتابةِ التَّعبيريةِ إلى أنَّ تحويلَ التجارِبِ والانفعالاتِ إلى كلماتٍ قد يساعدُ على تَنظيمِ الأفكارِ، وفَهمِ المشاعرِ، وإعادةِ النظَرِ في الأحداثِ المؤلمةِ من مسافةٍ أكثرَ هُدوءًا.
غيرَ أنَّ هذا الأثرَ لا يعني أن الكتابةَ عِلاجٌ شاملٌ أو بَديلٌ عن الدعمِ النفسيِّ المُتخَصِّص؛ فهِي تظلُّ وسيلةً مسانِدة، وقد تختلفُ فائدتُها من شخصٍ إلى آخَر. لذلك، عندما يُصبح الحزنُ شديدًا أو مستمرًا أو مؤثِّرًا في الحياةِ اليَومية، تظلُّ الاستعانَةُ بمُختصٍّ نفسيٍّ هيَ الخيارُ الأكثرُ أمانًا ومُلاءمَة.



أحيانًا نقرأ لِنفهم أنفسَنا


وربَّما يكونُ أكثرُ ما يفسِّرُ تعلُّقنا بهذِه النِّهايات هو أنَّنا لا نبحثُ دائمًا عن المُتعة؛ بل نبحثُ في أحايِينَ كثيرةٍ عن المعنَى. فرغبتُنا في اكتِساب بصيرةٍ أكثرَ عُمقًا، وفَهم الذات، والنموِّ الشخصيّ، إلى جانبِ الرغبَة في اختِبار المشاعرِ ذاتِها، قد تكونُ هي الباعِثَ لتفضيلِ هذا النوعِ من الكتُب. وهذا يعني أنَّ الروايةَ الحزينةَ قد تمنحُ القارِئَ ما هو أكثرُ من مجرَّد لحظةِ بُكاء؛ إذ قد تُتيحُ له فرصةً لطَرح أسئلةٍ لم يكُن ليَطرَحها بعيدًا عن الحِكاية: ما الذي كنتُ لأفعلَه لو كنتُ مكان تِلك الشخصية؟ ولماذا أثَّر فيَّ هذا المشهدُ تحديدًا؟ ورُبما لهذا السبب لا نخرُج من بعض الرواياتِ كما دخلناها؛ فالحكايةُ قد تنتهي، لكنَّ الأسئلةَ التي غرسَتها فينا تستمرُّ طويلًا.

وهُنا يغدو الحُزن الأدبيُّ وسيلةً للتأمُّل، لا مجرَّد شعورٍ نرغبُ في التخلُّص منه. لكن ربَّما تكمُن المشكلة حِين يتحوَّل هذا التأملُ إلى مَهرب؛ عِندما نبحثُ في كل مرَّة عن حكايةٍ تؤلمُنا لأنَّنا نعجزُ عن مُواجهة ما يؤلمُنا في الواقِع. لذلك قد لا يكونُ الحلُّ في الابتِعاد عن الرواياتِ الحزينَة، بل في أن نمنَحها مكانَها الصحيح؛ نقرَؤها لنفهَم ونشعرَ ونتأمَّل، ثم نعودَ إلى حياتِنا محمَّلينَ بما تعلمناهُ منها، لا أن نجعلَها بديلًا عن حياتنا. فالحكايةُ يمكنُ أن تكون مرآةً نرَى فيها مشاعرَنا جلِيَّةَ واضحة، لكنّها لا ينبغي أن تستَحيلَ المكانَ الوحيد الذي نعيشُ فيه تلكَ المشاعر. ورُبما يكون أجملُ ما تمنحُنا إيَّاهُ الروايةُ الحزينَة أنها لا تُطالِبنا بِأن نبقَى حَزانَى، بل تعينُنا على فَهم هذا الحُزن، ثمَّ تترُك لنا المِساحة لنُكمِل الطريق.

في النهايَة، رُبما لا يكون السؤالُ الحقيقيُّ: لِماذا نحبُّ الرواياتِ الحزينَة؟ بل عَلامَ نبحثُ حينَ نقرَؤُها؟ أَهُوَ الحزنُ الذي يشبهُنا، أمِ الشعورُ بأنَّ هناكَ من عاشَ الألم نفسَه، أم تلكَ المساحةُ التي تمنحُنا إيَّاها الحكايةُ لنفهمَ أنفسَنا قليلًا؟ ورُبما لهذا تظلُّ بعضُ الرواياتِ معَنا طويلًا بعدَ أن نُغلقَ صفحاتِها؛ لأنَّها لم تَحكِ عن أبطالِها فقط، بل لامَسَت شيئًا فينا نحن.
فإن كانَت هناكَ روايةٌ حزينةٌ تركَت أثرًا لا يزالُ عالِقًا في ذاكرتِك، أو حكايةٌ جعلَتْك ترى مشاعرَك بطريقةٍ مختلفة، فشارِكنا بها، ورُبما تُخبرُنا أيضًا: هل تقرأُ الرواياتِ الحزينةَ لأنكَ تبحثُ عن الحُزن، أم لأنك تبحثُ عن شيءٍ ما وراءَه؟













المراجع


- الكتابة العلاجية

- دراسة جيسيكا ماجيدسون