ستيفن كينج… أول من واجهنا بمخاوف طفولتنا!

رحلة إلى عالم ستيفن كينج

بقلم: مرام علاء

ستيفن كينج… أول من واجهنا بمخاوف طفولتنا!
نحن الآن أمام كاتب اعتاد أن يعمل بأسلوب يخالف السائد؛ يكتب بروتين منتظم لا بانتظار الإلهام، يختار العزلة كسائر الكتّاب، ويعبر عن معاناة الأطفال في صور أبطال كبار. لقد كان أول من واجهنا بمخاوفنا الدفينة؛ إنه أحد رواد كتابة أدب الجريمة والرعب النفسي الواقعي… ستيفن كينج.


في الحادي والعشرين من سبتمبر، لا نحتفي بمجرد ميلاد كاتب باع مئات الملايين من النسخ، بل بميلاد العقل الذي أعاد صياغة مخاوف البشرية لأكثر من نصف قرن. والآن نرى أعماله التي مرت عليها عقود تظهر على شاشات التلفاز ونشاهدها بترقب وتأهب، ولكن قبل الدخول إلى عقولكم لمعرفة أكثر الروايات والقصص القصيرة التي أحببتموها له، قد يحسن بنا التوقف عند أصل الحكاية.


يُقال دائماً: إذا امتلكت ألماً حقيقياً، امتلكت حبراً لا يجف، وإن المعاناة وحدها كفيلة بأن تخرج من بين رمادها كاتباً تتداول حكاياته الملايين. لكن هل كانت مأساة البدايات هي كل ما جعل ستيفن كينج يُلقب بـ "ملك الرعب" بلا منازع؟
الحقيقة أن كينج لم يخترع الرعب من العدم؛ لقد عاشه أولاً، وحوّل هشاشة الروح والذكريات القاتمة إلى شاشات عرض نفسية يرى فيها القارئ أعمق كوابيسه الشخصية. الرعب عند كينج لم يكن يوماً مجرد وحش يقفز من خلف باب مغلق، بل كان تجسيداً للعزلة، والإدمان، والفقد، وتصدع العلاقات الإنسانية حين توضع تحت وطأة الضغط الشديد.



علبة سجائر وحادث صديق


ليست هذه مجرد عبارتين في عنوان فقرة، بل هي عقدة حياة وُلدت داخل ستيفن كينج عندما أتم عامه الثاني.
ولد ستيفن إدوين كينج في مدينة بورتلاند بولاية مين عام 1947، وعندما أتم عامه الثاني، غادر والده المنزل لشراء علبة سجائر ولم يعد قط، تاركاً الأم المكافحة بمفردها تواجه ديوناً خانقة وتتنقل بطفليها بين الولايات بحثاً عن قوت اليوم.
وفي تلك الطفولة القلقة، وقع حادث يراه النقاد البذرة النفسية الأولى لأدبه؛ إذ خرج الطفل الصغير للعب مع أحد أصدقائه، وبعد ساعات عاد إلى المنزل شاحباً عاجزاً عن النطق، فقد دهس القطار صديقه أمام عينيه. يذكر كينج أنه محا تفاصيل ذلك المشهد من ذاكرته الواعية بالكامل، لكن شبح القطار والموت المباغت ظل يتردد في ثنايا كتاباته، ليكون القلق الوجودي رفيق دربه الأول.



طوق النجاة لستيفن كينج



أكثر ما يُقال عن زواج الكتّاب المبدعين أنهم يدخلون قالبًا من الروتين الممل ودوامة الحياة التي تجعلهم أقل إبداعًا، لكن هذا الزواج كان بمثابة طوق نجاة لستيفن كينج. التقى بزوجته "تابيثا سبروس" في مكتبة جامعة مين، وتزوجا عام 1971 وهما لا يملكان سوى الديون والآمال المؤجلة.
وكان يرى الزواج الشراكة التي حمت عقله من التفكك، قائلاً في مذكراته: "الكتابة فعل انفرادي، ووجود شخص يؤمن بك تماماً يُحدث كل الفارق". لم تكن تابيثا زوجة فحسب، بل كانت قارئته الأولى، وناقدته الأقسى، واليد التي أنقذت مسيرته الأدبية كلها في لحظة يأس مطلقة.



كاري وايت


في مطلع السبعينيات، كان كينج يعمل معلماً للغة الإنجليزية بأجر زهيد، ويقضي عطلته في تنظيف المغاسل الصناعية وضخ الوقود، ويعيش مع زوجته وطفليه في مقطورة سكنية ضيقة بلا هاتف منزلي لتوفير النفقات.
كان يكتب على طاولة خشبية متهالكة في زاوية غرفة الغسيل. كتب ثلاث صفحات عن فتاة مراهقة تعاني من التنمر المدرسي وتكتشف امتلاكها قدرات حركية خارقة، لكنه شعر بالإحباط؛ فرمى المسودة في سلة المهملات ظناً منه أنه عاجز عن فهم مشاعر فتاة مراهقة. في اليوم التالي، عثرت "تابيثا" على الأوراق المجعدة وسط القمامة وقرأتها، ثم وضعتها أمامه وقالت إن لديه شيئاً عظيماً بين هذه الأوراق ويجب ألا يتوقف.
تلك الصفحات كانت رواية Carrie، التي نُشرت عام 1974. لم يكن يتوقع لها نجاحاً كبيراً، حتى تلقى مكالمة تفيد بأن دار النشر باعت حقوق طبعتها الشعبية بمبلغ خيالي آنذاك: 400 ألف دولار، نال كينج نصفها، ليتحول بين ليلة وضحاها من معلم يصارع الفقر إلى كاتب محترف تترقبه كبرى دور النشر.
واليوم، وبعد نصف قرن من صدورها وتحويلها لفيلم كلاسيكي، تستعد شاشات التلفزيون لاستقبال معالجة درامية جديدة لها في مسلسل يُعرض في السابع من أكتوبر العام الجاري، ليؤكد أن أسطورة "كاري وايت" لا تفقد بريقها بمرور السنين.


تبنّى ستيفن كينج أسلوب الرعب النفسي الواقعي في العديد من كتاباته التي تركت أثراً لدى قرائها ومشاهديها مثل Misery وMr. Mercedes، وبرع أيضاً في الكتابة عن الرعب الخارق، فنرى أعمالاً تتنوع بين الروايات والقصص القصيرة مثل Pet Sematary وIT وThe Boogeyman و1408، والتي شكلت طفرة في الأدب الشعبي في السبعينيات والثمانينيات وامتدت إلى التسعينيات أيضاً.
كان أحد العناصر الأساسية في حبكات ستيفن كينج يتمثل في مواجهتنا لمخاوفنا الدفينة، ولكنه كان يتفنن في تقديم أمثلة لهذه المواجهة. فكان الصراع الشخصي مع الإدمان والعزلة الإبداعية هو البطل في رواية The Shining التي نُشرت عام 1977، أو رواية Pet Sematary (مقبرة الحيوانات) عام 1983، والتي تُعد العمل الأكثر قتامة وسواداً في مسيرة ستيفن كينج بأكملها؛ لدرجة أنه شعر بالرعب منها بعد انتهائه من كتابتها، ووضعها في الدرج لسنوات رافضاً نشرها ظناً منه أنه تجاوز الحدود هذه المرة.



الكواليس الحقيقية لرواية Pet Sematary - ماذا يحدث حين يُرعب الكاتب مما خطّت يداه!


الرعب هنا لم يكن خيالاً محضاً، بل وُلد من كابوس أبوي حقيقي حين أنقذ طفله الصغير بأعجوبة قبل ثوانٍ من دهسه تحت عجلات شاحنة مسرعة على طريق ريفي يقع خلفه مدفن لحيوانات الأطفال. تلك الليلة سأل كينج نفسه بهلع: "ماذا لو لم أصل في الوقت المناسب؟ وماذا لو وُجد مكان يعيد الموتى؟"، لينسج تراجيديًا الطبيب "لويس كريد" الذي قاده عجزه عن تقبل فاجعة موت طفله إلى نبش قبره ودفنه في أرض ملعونة تعيد الراحلين مسوخاً مشوهة. لم يكن التهديد في الرواية تلك القوى الميتافيزيقية، بل كان تشريحاً موجعاً لإنكار الفقد والذنب، مقدماً نهاية عدمية صادمة تؤكد مقولته الشهيرة:

« في بعض الأحيان، يكون الموت خياراً أفضل»

.
أما عن مخاوف الطفولة، فكان ستيفن كينج أول من تحدث عما يُسمى بالعامية المصرية "البعبع"، وهو مصطلح يُطلق على مخاوف الأطفال المستوحاة من كائن مختبئ دائمًا يراقبك أينما تذهب وتنام في الظلام. وهذا ما جعل المجموعة القصصية Night Shift الأنجح على الإطلاق؛ إذ كانت أول مجموعة قصصية لستيفن كينج وضمّت 20 قصة قصيرة تحولت 12 قصة منها إلى أعمال سينمائية وتلفزيونية رسمية - سواء كانت أفلاماً طويلة، أو قصصاً ضمن مختارات، أو حلقات ومسلسلات درامية.


« الوحوش حقيقية، والأشباح حقيقية أيضاً.. إنها تعيش بداخلنا، وفي بعض الأحيان، هي التي تنتصر.-ستيفن كينج »


إذا أردنا عقد مقارنة بين أسلوبه في الرعب النفسي الواقعي والرعب الخارق (الذي كان يرمز إلى واقعية بعض الأشياء أيضاً)، سنجد أنه حين يتجرد كينج من المسوخ والأشباح، يصبح سرده أكثر دقة وواقعية.
ففي الرعب النفسي الواقعي، يعتمد على عقول مضطربة، وهوس بشري، وسيكوباتيين، وفساد مؤسسي، وأمراض مجتمعية، وعنف أسري؛ ويرمز به إلى السلوك الإنساني المشوه ليكون هو الجريمة بذاتها بلا حاجة لوسيط أسطوري، حيث تتصاعد الأحداث في إطار ضيق وألعاب نفسية تشبه لعبة القط والفأر.

أما في الرعب الخارق، نغوص في بعض إبداعات المجموعات القصصية والروايات؛ إذ يعتمد على قوى ميتافيزيقية قديمة، وشياطين، وكائنات كونية، ولعنات أراضٍ مقدسة، وقدرات تخاطرية. يرمز لها هذه المرة بالمسوخ والاستعارات الكبرى لشخصيات خيالية تمثل هذه المخاوف بشدة مثل المهرج الشهير "بيني وايز"؛ وتتصاعد الأحداث لتكون الضحية شخصيات تصارع قوى تفوق الإدراك البشري، والخلاص يتطلب تضحية.


هل واجهت "بيني وايز" من قبل؟ هي مواجهة لإحدى الشخصيات الشهيرة التي كُتب عنها في عام 1986؛ رواية تتحدث عن مهرج يتغذى على مخاوف الأطفال غير المحميين من آبائهم المهمِلين. فازت الرواية بجائزة British Fantasy Award عام 1987، وتحولت إلى مسلسل قصير شهير عام 1990، ثم إلى فيلمين في عامي 2017 و2019 وحققا أعلى إيرادات في تاريخ سينما الرعب. ومثلما ننتظر "كاري" بترقب، توجد معالجة درامية قريبة بعنوان "IT - Welcome to Derry" وإصدار خاص بغلاف جديد يحتفي بهذا العمل بعد مرور 40 عاماً.




« إذا لم تكن تملك الوقت للقراءة، فلن تملك الأدوات اللازمة للكتابة؛ الأمر بهذه البساطة.-ستيفن كينج »


تُرى كيف كان يكتب ستيفن كينج كل هذه الأفكار والمعاناة؟ أكان كل ذلك وليد الإلهام؟
لم يكن ستيفن كينج ينتظر لحظات الإلهام والقصص العشوائية ليخرج لنا إحدى إبداعات قلمه على الورق، بل كان يكتب زهاء 2000 كلمة (أي حوالي 6 صفحات) يومياً مهما كانت الظروف، وكان يخلق الوقت المناسب لتلك الكلمات؛ فيبدأ الكتابة في الثامنة صباحاً في غرفة هادئة مع فنجان شاي أو قهوة بعد ترتيب أوراقه بالطريقة نفسها، وكان يقرأ من 70 إلى 80 كتاباً كل عام.

لم يكن طريق كينج إلى قلوب النقاد ممهداً مثل وصوله إلى دور النشر؛ ففي السبعينيات والثمانينيات، تعاملت معه المؤسسات الأدبية ككاتب "بوب كورن" تجاري ينتج قصص رعب سريعة لمراهقي السينما، وحرمه تصنيف "الرعب الخارق" مدة طويلة من الترشيح للجوائز الكلاسيكية.
كما واجه هجومًا من بعض النقاد وعلى رأسهم مقال رأي شهير للناقد الأمريكي هارولد بلوم، Harold Bloom، نُشر في صحيفة The Boston Globe ومجلة The Los Angeles Times في سبتمبر 2003، بعنوان "Dumbing down American readers" - تسطيح عقول القراء الأمريكيين - كتب فيها أن كينج لا يمتلك أي قيمة أدبية تنافس رواد الأدب الكلاسيكي.

حتى تمكّن من التعبير عن قدراته النفسية والواقعية في أعمال مثل Different Seasons (بتحفتيها The Body وThe Shawshank Redemption) ثم Misery؛ إذ رأى النقاد أخيراً أديباً يشرّح الطبقة العاملة الأمريكية ويبني عمقاً سيكولوجياً مذهلاً دون الحاجة لتعويذة سحرية أو مسخ خيالي وتُوّج بجوائز كبرى مثل Edgar Allan Poe وميدالية الخدمة المتميزة للآداب الأمريكية وجائزة Bram Stoker.

إن مسيرة ستيفن كينج تجيب عن سؤال المعاناة بوضوح؛ فالألم وحده لا يصنع كاتباً عظيماً، لكن الصدق في مواجهة ذلك الألم والانضباط اليومي القاسي لتحويل الجراح وشعور الطفل بداخله إلى قصص هما اللذان يصنعان كاتباً حياً في وجدان أجيال بأكملها.