الترجمة جسر بين الشعوب
بقلم: إسراء عبادة
قد يلفت انتباه القارئ عنوان الكتاب، واسم مؤلفه، أو موضوعه الرئيسيّ، متغافلًا عن الحِبر الخفيّ الذي جعل قراءة هذا العمل ممكنًا؛ إنه "الجسر المتين" الذي يعبر بالعمل بين ثقافة، وأخرى: إنّه المترجم.
في اليوم العالميّ للترجمة، الذي يحتفي به العالم في الثلاثين من سبتمبر من كل عام؛ تخليدًا لجهود صناع التواصل الحضاريّ؛ يجدر بنا ذكر أنَّ الترجمة ليست مجرد مهنة، بل هي أسلوب حياة، وثورة فكريّة. فقد يحصر بعض الناس دور الترجمة في النصوص المترجمة المكتوبة على الشاشات، والسينما، متناسين أنَّها منذ أزل التاريخ شريان الحياة للأمم المفكرة. ولعل أساطير ألف ليلة وليلة هي الشاهد الأبرز على ذلك؛ فقد بدأت في إطار حكايات شعبيّة ذات أصول هنديّة، وفارسيّة، وانتقلت من خلال الزمان، والمكان بين بغداد، والقاهرة؛ لتتسع وتتطور حتى وصلت إلى الغرب وأضيفت إليها قَصص شهيرة مثل "علي بابا" و"علاء الدين".
وبالرغم من أنّ هُويّة المؤلف الأول لألف ليلة وليلة ما تزال مجهولة حتى يومنا هذا، فإنّ الحقيقة المؤكدة هي أنّ بطل هذه الرحلة الإنسانيّة كان مترجمًا يتقن لغات شتّى، آمن بأهمية الحكاية فنقلها بين الشعوب، والألسنة؛ ليصنع تراثًا عالميًّا لا يموت.
عابرة للحدود: رحلة الأدب من خلال الترجمة:
لم تكن الترجمة يومًا عمليّة تقْنية جافة تقتصر على تحويل المفردات من لغة لأخرى، بل هي جواز سفر أبديّ يمنح الفكر الإنسانيّ فرصة التجول داخل عقول البشر باختلاف ألسنتهم، وثقافاتهم.
على مر العصور ظلت هناك أعمال أدبيّة، وفكريّة استثنائيّة لم تكتفِ بالانتشار في موطنها الأصليّ، بل عبرت البحار، والمحيطات بفضل أقلام المترجمين؛ محققة أرقامًا قياسيّة في الانتشار، والتأثير.
تتجلى هذه القوة في كتب عالميّة استطاعت أن تنطق بآلاف اللغات، وتغرس حضورها في الذاكرة الجمْعيّة للبشريّة مثل:
● رواية "الأمير الصغير" (Antoine de Saint-Exupéry): تُعد واحدة من أكثر الكتب المترجمة انتشارًا على مر التاريخ، حيث ترجمت إلى أكثر من خَمسمائة لغة. فقوة تلك المترجمات تكمن في نجاح المترجمين عبر العالم في نقل النبرة الشاعريّة الدافئة، والحفاظ على ذلك الخيط الرفيع الذي يخاطب براءة الأطفال، وعمق الفلاسفة في وقتٍ واحد دون أن يُفقد النص رُوحه.
● رواية "دون كيخوتي" (Miguel de Cervantes): تحفة الأدب الإسبانيّ التي تُرجمت إلى أكثر من ١٤٠ لغة. واجه المترجمون هنا تحديًا كبيرًا في نقل رُوح السخريّة التهكميّة، والأسلوب البلاغيّ القديم الذي كتب به سيرفانتس، ومع ذلك استطاعوا جعل شخصية الفارس الحالم سائرة في شوارع العالم بأكمله.
● رواية "الخيميائيّ" (Paulo Coelho): تُرجمت إلى نحو ٨٣ لغة ودخلت موسوعة جينس. استند نجاح المترجمين في هذا العمل على نقل الحِكم والمعاني الرُوحيّة بلغة سلسة عذبة تجعل القارئ من أي ثقافة يشعر وكأنّ النص أصليّ كُتب بلسانه الأم.
التكافؤ الديناميكيّ: كيف يصنع المترجم أثر النص؟
يرتكز النجاح الحقيقيّ للمترجم إلى تحقيق ما يُعرف في علم اللُّغويّات بـ "التكافؤ الديناميكيّ" (Dynamic Equivalence)؛ وهو خلق نفس الأثر النفسيّ، والذهنيّ في نفس القارئ المستهدف كما أحدثه النص الأصليّ في قارئه الأول. فالترجمة الحرفيّة غالبًا ما تقتل العمل أدبيًّا.
بينما تتجلى براعة المترجم في محاور رئيسيّة:
● ترجمة الثقافة لا الكلمات (The Cultural Idioms): التعبيرات الاصطلاحيّة لا تترجم حرفيًّا، على سبيل المثال، التعبير الانجليزيّ "It's raining cats and dogs" إذا تُرجم حرفيًّا تكون الترجمة: "إنّها تمطر قططًا، وكلابًا"؛ فيفشل المترجم في إيصال المعنى؛ فالتوصيل الناجح يتطلب استبداله بتعبير محليّ مساوٍ في الثقافة المستهدفة مثل: "إنها تمطر كأفواه القِرب" أو "مطر كالسيل".
● نقل النبرة والأسلوب (Tone and Style): مترجم الروايات الساخرة يجب أن يمتلك لغة خفيفة الظل، بينما يحتاج مترجم النصوص الفلسفية إلى لغة رصينة وتأمليّة؛ لأنّ الفشل في نقل "رُوح" الكتاب يجعله نصًّا آليًّا، وجافًّا؛ يُفقد قارئه متعة القراءة.
● تفكيك التلاعب اللُّغويّ: في أعمال مثل'' أليس في بلاد العجائب''، يبرز المترجمون الكبار عبر ابتكار نكات، وتلاعبات لفظيّة موازية باللغة المستهدفة بدلًا من شرح النكتة الأصليّة في الهامش؛ فالمترجم الحقيقي يدرك أنّ شرح النكتة يقتلها أدبيًّا.
أبرز المترجمين للعربيّة: عندما يتحدث الأدب العالميّ العربيّة:
شهِد الأدب العربيّ نماذج استثنائيّة لمترجمين لم يكونوا مجرد ناقلين للنصوص، بل كانوا شركاء في الصناعة الأدبيّة، ونقلوا روائع الشرق، والغرب ببراعة جعلت الأعمال التراثيّة، والعالميّة تبدو وكأنها كُتبت بلغة الضاد:
● صالح علماني: من أبرز المترجمين من الإسبانية، الذي جعل القارئ العربيّ يشعر وكأن "جابرييل جارسيا ماركيز" قد كتب روائعه مثل: "مائة عام من العزلة"، و"الحب في زمن الكوليرا" باللغة العربيّة؛ وذلك لبراعته في نقل التعبيرات اللاتينيّة المعقدة، وعوالم "الواقعيّة السحريّة" بأسلوب عربيّ عذب.
● د. أحمد خالد توفيق: في مترجماته لعالم الرعب والإثارة الانجليزيّ ورواية "ديرمافوريا"، استعمل مفردات، وتراكيب عربيّة جاذبة للشباب؛ ليتيح للقارئ معايشة الغموض، والإثارة بنفس الحرارة والتدفق النفسيّ الذي أراده الكاتب الأصليّ.
● د. مصطفى بدوي: أثرى المكتبة العربيّة بمترجماته الرصينة لروائع شاتوبريان وجون ستاينبك؛ حيث تميز بقدرته العالية في نقل الجزالة اللُّغويّة، والعمق الإنسانيّ للرواية الغربيّة بأسلوب عربيّ فصيح متين.
تحية وتقدير للجنديّ الخفيّ في يومه العالميّ:
في اليوم العالميّ للترجمة، يتجدد الاحتفاء بذاك البنّاء الخفيّ الذي يقيم الجسور فوق الفجوات الثقافيّة بين الشعوب. إنه يرفع الحواجز اللُّغويّة؛ ليسمح للأفكار والإبداعات بالإبحار نحو عوالم جديدة. ولولا هؤلاء الرعاة الحريصين على روح الكلمة؛ لبقيت أعظم نتاجات العقل البشريّ محبوسة داخل الحدود الإقليميّة للغتها الأم.
الترجمة ليست مجرد علم، أو مهارة، بل هي فعل حب، وإيمان بقيمة التبادل الإنسانيّ؛ فكل كتاب مُترجَم نقتنيه في مكتبتنا هو تذكير حيّ بأنّ الفكر لا وطن له، وأنّ المترجم هو الصانع الحقيقيّ لهذه العالميّة.
في اليوم العالميّ للترجمة، الذي يحتفي به العالم في الثلاثين من سبتمبر من كل عام؛ تخليدًا لجهود صناع التواصل الحضاريّ؛ يجدر بنا ذكر أنَّ الترجمة ليست مجرد مهنة، بل هي أسلوب حياة، وثورة فكريّة. فقد يحصر بعض الناس دور الترجمة في النصوص المترجمة المكتوبة على الشاشات، والسينما، متناسين أنَّها منذ أزل التاريخ شريان الحياة للأمم المفكرة. ولعل أساطير ألف ليلة وليلة هي الشاهد الأبرز على ذلك؛ فقد بدأت في إطار حكايات شعبيّة ذات أصول هنديّة، وفارسيّة، وانتقلت من خلال الزمان، والمكان بين بغداد، والقاهرة؛ لتتسع وتتطور حتى وصلت إلى الغرب وأضيفت إليها قَصص شهيرة مثل "علي بابا" و"علاء الدين".
وبالرغم من أنّ هُويّة المؤلف الأول لألف ليلة وليلة ما تزال مجهولة حتى يومنا هذا، فإنّ الحقيقة المؤكدة هي أنّ بطل هذه الرحلة الإنسانيّة كان مترجمًا يتقن لغات شتّى، آمن بأهمية الحكاية فنقلها بين الشعوب، والألسنة؛ ليصنع تراثًا عالميًّا لا يموت.
عابرة للحدود: رحلة الأدب من خلال الترجمة:
لم تكن الترجمة يومًا عمليّة تقْنية جافة تقتصر على تحويل المفردات من لغة لأخرى، بل هي جواز سفر أبديّ يمنح الفكر الإنسانيّ فرصة التجول داخل عقول البشر باختلاف ألسنتهم، وثقافاتهم.
على مر العصور ظلت هناك أعمال أدبيّة، وفكريّة استثنائيّة لم تكتفِ بالانتشار في موطنها الأصليّ، بل عبرت البحار، والمحيطات بفضل أقلام المترجمين؛ محققة أرقامًا قياسيّة في الانتشار، والتأثير.
تتجلى هذه القوة في كتب عالميّة استطاعت أن تنطق بآلاف اللغات، وتغرس حضورها في الذاكرة الجمْعيّة للبشريّة مثل:
● رواية "الأمير الصغير" (Antoine de Saint-Exupéry): تُعد واحدة من أكثر الكتب المترجمة انتشارًا على مر التاريخ، حيث ترجمت إلى أكثر من خَمسمائة لغة. فقوة تلك المترجمات تكمن في نجاح المترجمين عبر العالم في نقل النبرة الشاعريّة الدافئة، والحفاظ على ذلك الخيط الرفيع الذي يخاطب براءة الأطفال، وعمق الفلاسفة في وقتٍ واحد دون أن يُفقد النص رُوحه.
● رواية "دون كيخوتي" (Miguel de Cervantes): تحفة الأدب الإسبانيّ التي تُرجمت إلى أكثر من ١٤٠ لغة. واجه المترجمون هنا تحديًا كبيرًا في نقل رُوح السخريّة التهكميّة، والأسلوب البلاغيّ القديم الذي كتب به سيرفانتس، ومع ذلك استطاعوا جعل شخصية الفارس الحالم سائرة في شوارع العالم بأكمله.
● رواية "الخيميائيّ" (Paulo Coelho): تُرجمت إلى نحو ٨٣ لغة ودخلت موسوعة جينس. استند نجاح المترجمين في هذا العمل على نقل الحِكم والمعاني الرُوحيّة بلغة سلسة عذبة تجعل القارئ من أي ثقافة يشعر وكأنّ النص أصليّ كُتب بلسانه الأم.
التكافؤ الديناميكيّ: كيف يصنع المترجم أثر النص؟
يرتكز النجاح الحقيقيّ للمترجم إلى تحقيق ما يُعرف في علم اللُّغويّات بـ "التكافؤ الديناميكيّ" (Dynamic Equivalence)؛ وهو خلق نفس الأثر النفسيّ، والذهنيّ في نفس القارئ المستهدف كما أحدثه النص الأصليّ في قارئه الأول. فالترجمة الحرفيّة غالبًا ما تقتل العمل أدبيًّا.
بينما تتجلى براعة المترجم في محاور رئيسيّة:
● ترجمة الثقافة لا الكلمات (The Cultural Idioms): التعبيرات الاصطلاحيّة لا تترجم حرفيًّا، على سبيل المثال، التعبير الانجليزيّ "It's raining cats and dogs" إذا تُرجم حرفيًّا تكون الترجمة: "إنّها تمطر قططًا، وكلابًا"؛ فيفشل المترجم في إيصال المعنى؛ فالتوصيل الناجح يتطلب استبداله بتعبير محليّ مساوٍ في الثقافة المستهدفة مثل: "إنها تمطر كأفواه القِرب" أو "مطر كالسيل".
● نقل النبرة والأسلوب (Tone and Style): مترجم الروايات الساخرة يجب أن يمتلك لغة خفيفة الظل، بينما يحتاج مترجم النصوص الفلسفية إلى لغة رصينة وتأمليّة؛ لأنّ الفشل في نقل "رُوح" الكتاب يجعله نصًّا آليًّا، وجافًّا؛ يُفقد قارئه متعة القراءة.
● تفكيك التلاعب اللُّغويّ: في أعمال مثل'' أليس في بلاد العجائب''، يبرز المترجمون الكبار عبر ابتكار نكات، وتلاعبات لفظيّة موازية باللغة المستهدفة بدلًا من شرح النكتة الأصليّة في الهامش؛ فالمترجم الحقيقي يدرك أنّ شرح النكتة يقتلها أدبيًّا.
أبرز المترجمين للعربيّة: عندما يتحدث الأدب العالميّ العربيّة:
شهِد الأدب العربيّ نماذج استثنائيّة لمترجمين لم يكونوا مجرد ناقلين للنصوص، بل كانوا شركاء في الصناعة الأدبيّة، ونقلوا روائع الشرق، والغرب ببراعة جعلت الأعمال التراثيّة، والعالميّة تبدو وكأنها كُتبت بلغة الضاد:
● صالح علماني: من أبرز المترجمين من الإسبانية، الذي جعل القارئ العربيّ يشعر وكأن "جابرييل جارسيا ماركيز" قد كتب روائعه مثل: "مائة عام من العزلة"، و"الحب في زمن الكوليرا" باللغة العربيّة؛ وذلك لبراعته في نقل التعبيرات اللاتينيّة المعقدة، وعوالم "الواقعيّة السحريّة" بأسلوب عربيّ عذب.
● د. أحمد خالد توفيق: في مترجماته لعالم الرعب والإثارة الانجليزيّ ورواية "ديرمافوريا"، استعمل مفردات، وتراكيب عربيّة جاذبة للشباب؛ ليتيح للقارئ معايشة الغموض، والإثارة بنفس الحرارة والتدفق النفسيّ الذي أراده الكاتب الأصليّ.
● د. مصطفى بدوي: أثرى المكتبة العربيّة بمترجماته الرصينة لروائع شاتوبريان وجون ستاينبك؛ حيث تميز بقدرته العالية في نقل الجزالة اللُّغويّة، والعمق الإنسانيّ للرواية الغربيّة بأسلوب عربيّ فصيح متين.
تحية وتقدير للجنديّ الخفيّ في يومه العالميّ:
في اليوم العالميّ للترجمة، يتجدد الاحتفاء بذاك البنّاء الخفيّ الذي يقيم الجسور فوق الفجوات الثقافيّة بين الشعوب. إنه يرفع الحواجز اللُّغويّة؛ ليسمح للأفكار والإبداعات بالإبحار نحو عوالم جديدة. ولولا هؤلاء الرعاة الحريصين على روح الكلمة؛ لبقيت أعظم نتاجات العقل البشريّ محبوسة داخل الحدود الإقليميّة للغتها الأم.
الترجمة ليست مجرد علم، أو مهارة، بل هي فعل حب، وإيمان بقيمة التبادل الإنسانيّ؛ فكل كتاب مُترجَم نقتنيه في مكتبتنا هو تذكير حيّ بأنّ الفكر لا وطن له، وأنّ المترجم هو الصانع الحقيقيّ لهذه العالميّة.