نشأة الترجمة وتطورها عبر التاريخ

من الإشارة والحركة إلى الذكاء الاصطناعيّ

بقلم: آية عماد

نشأة الترجمة وتطورها عبر التاريخ
الحاجة إلى الترجمة منذ بداية الإنسان!

احتياج الإنسان إلى الترجمة خلال الزمن لم يكن وليد اللحظة، بل تطور عبر العصور، واحتياجه لها لم يكن رفاهية، بل كانت عاملًا أساسيًّا للبقاء، والتقدم على مر العصور.

عندما ظهر الاحتياج إلى الترجمة كان بشكل بسيط جدًا من خلال "الإشارة، أو الكلمات البدائيّة"، عندما اجتمع أشخاص من قبيلتين بلغتين مختلفتين كان عليهم أن يتواصلوا؛ ليفهم بعضهم بعضًا؛ لتنشأ مصالح مشتركة بينهما مثل: الزواج، والتجارة، والقوانين، والحرب، ومع زيادة التواصل البشريّ، وتبادل الثقافات، عملت الحضارات الأولى، مثل مصر، وسومر، والصين؛ لتطوير وسائل بدائيّة للتواصل بين أصحاب اللغات المختلفة؛ لأن الحاجة للتواصل مع الشعوب تزداد مع اتساع حركة التجارة، والعلاقات الدبلوماسيّة وتبادل المعرفة.

من أشهر الأدلة البصرية، والتاريخية، على الترجمة :
مقبرة القائد المصريّ "حورمحب" التي تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، والتي تعد توثيقًا لمهنة الترجمة، والوساطة اللُّغويّة، فكان يظهر نقش بارز يصور المترجم المصريّ وسيط لُغويّ، وهو يقف في المنتصف بين حورمحب عن يساره، ومبعوثين أجانب عن يمينه ، وهذا النقش محفوظ في متحف:
"Rijksmuseum van Oudheden" بمدينة ليدن في هولندا، ويُدرس في معاهد الترجمة أنّه أول توثيق في التاريخ لظهور المترجم.

في حضارة سومر في بلاد الرافدين:
يوجد أول توثيق نصيّ، وإداريّ للمترجمين في التاريخ، فعندما عُثر في مدينة لجش السومريّة على لوحٍ طينيّ يعود تقريبًا إلى عام ٢١٠٠ قبل الميلاد، حيث يضم قائمة بأسماء أربع عشر مترجمًا رسميًّا يعملون لصالح الدولة.

في تاريخ الصين القديمة:
توثق المصادر أنَّ المترجمين في عصر أسرة تشو الغربيّة ١٠٤٦– ٧٧١ قبل الميلاد كان لهم مسمى وظيفيّ هو شيانج شو (象胥)، أو المترجمين الشفهيّين، وكان لهم دور في التواصل بين تشو، والقبائل المجاورة.

حين كشف الباحثون عن سر بداية الترجمة:

نشأة اللغة، والترجمة لا تزال محل فَرَضيّات؛ نظرًا لعدم وجود أدلة مباشرة يمكنها أن توضح لنا كيف بدأت اللغة بالفعل، ولكن نُشرت دراسة عام ٢٠٠٢م، قادها فريق بحثيّ دوليّ من جامعة استراليا بالتعاون مع باحثين من جامعة بريستول، وأرسو، أجرى الباحثون في هذه الدراسة تجربتين؛ لاختبار فَرَضيتين حول أصل اللغة:

التجربة الأولى:
كانت دراسة عابرة للثقافات، شارك فيها مجموعة من الأشخاص من استراليا، وجزيرة فانواتو؛ وكان الهدف من هذه التجربة معرفة هل الإشارات الجسديّة، والأصوات غير اللُّغوية نظامًا يمكن فهمه بين أشخاص من ثقافات مختلفة تمامًا؟

التجربة الثانية:
كانت هذه الدراسة تقارن بين الأشخاص المبصرين، والأشخاص المكفوفين، وهنا أراد الباحثون معرفة هل الشخص الذي لم يرَ أي إشارة تواصليّة طوال حياته قادرًا على ابتكار إشارات يفهمها الأخرون؟

"وفي النهاية:
أظهرت النتائج تفوّق الإشارات، والحركات الجسديّة بشكل كبير على التواصل باستخدام الأصوات غير اللُّغويّة"، مما يدعم فَرَضيّة الإشارات، والحركات الجسديّة التي لعبت دورًا مهمًا في التواصل الإنسانيّ المبكر خصوصًا عند غياب لغة مشتركة بين طرفي التواصل، ومع زيادة التعاملات الإنسانيّة، بدأت الترجمة الشفهيّة في الظهور، والتي اسهمت بشكلٍ كبير في تعاون الشعوب.


كيف أصبحت الحضارة المصريّة جسرًا بين اللغات؟


هنا تظهر أهمية الترجمة في مصر القديمة، فقد كانت مصر محاطة بشعوب مختلفة الثقافات، وكان التواصل معها ضروريًّا في مجالات متعددة مثل: الاقتصاد، والتجارة، والأمن القوميّ، والاستخبارات العسكريّة، والبروتوكول السياسيّ، كما أنَّ ملوك مصر لا يعتمدون على التحدث بلغات الشعوب الأخرى؛ لذلك كان وجود المترجم ضرورة؛ للتواصل مع الشعوب المختلفة، بما يحافظ على مكانة الفرعون، وهيبة الدولة.

من أقدم الأدلة على وجود وسطاء للترجمة الشفويّة في العصر القديم:

عُثر على نقوش هيروغليفية منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد في مقابر الأمراء بجزيرة إلفنتين في أسوان، وتحديدًا مقبرة الأمير"حرخوف"، الذي حمل لقب"مشرف المترجمين" وهو ما يدل على وجود دور لُغويّ مرتبط بالتواصل مع الشعوب الأجنبيّة في مِصر القديمة، ومع مرور الزمن والتطور التكنولوجيّ، تغير شكل الترجمة بشكل كبير، فلم تعد تقتصر على الترجمة الشفهيّة، أو نقل النصوص بين البشر.

بعد ٥٠٠٠ عام من بداية الترجمة، كيف أصبحت الآن؟

مع التطور خلال العصور، اختلف شكل الترجمة بشكل كبير؛ فمنذ منتصف القرن العشرين بدأت المحاولات الأولى؛ لربط الترجمة بالكمبيوتر، ومع بداية القرن الحادي والعشرين بدأت الترجمة تشهد تطورات سريعة؛ حتى وصلت إلى شكلها الفوريّ، والذكيّ الذي نستخدمه اليوم، وأصبحت تتم في كثير من الأحيان بضغط الزر من خلال تطبيقات الهواتف، فيمكن للشخص على سبيل المثال: استخدام تطبيقات الترجمة مثل: "Google Translate"؛ لترجمة الكلمات، والنصوص من لغات مختلفة، كما يمكن توجيه كاميرا الهاتف إلى نصٍ مكتوب؛ ليظهر النص مترجمًا على الشاشة فورًا، وأصبح من الممكن إجراء محادثة بين شخصين يتحدّثان لغتين مخلتفتين، بينما يتولى الهاتف ترجمة الكلام المكتوب بينهما بشكلٍ فوريّ، ولم يتوقف تطور الترجمة عند ذلك الحد؛ فقد ظهرت الترجمة الآلية العصبيّة(NMT)، التي ساعدت على انتقال الترجمة من مجرد نقل الكلمات بصورة حرفيّة إلى محاولة فهم السياق، والمعنى، والعلاقات بين الكلمات، مع التعامل بشكلٍ أفضل مع المصطلحات، والتعبيرات المختلفة، كما أصبحت الترجمة مدمجة في كثير من المتصفحات، ومنصات الفيديو؛ فأصبح من الممكن تحويل محتوى الفيديو إلى نصوص مكتوبة، ومترجمة؛ مما جعل الوصول إلى المحتوى بلغات مختلفة أكثر سهولة، وبالرغم من كل هذه التطورات، لم يختفي دور المترجم البشريّ، بل تغيرت طبيعته؛ فلم يعد المترجم مضطرًا في كثير من الحالات إلى البدء بترجمة النص كاملًا من بدايته، وإنما أصبحت الآلة قادرة على إنتاج ترجمة أوليّة، بينما يأتي دور المترجم البشريّ في مراجعتها، وتدقيقها، وتحريرها، وإضافة بصمته اللُّغوية التي تساعد في الحفاظ على المعنى، والسياق، والثقافة.

ومما سبق يتضح أنَّ الترجمة مرت بمراحل مختلفة خلال العصور، بدايةً من الإشارة، والحركة إلى الذكاء الاصطناعيّ، ثُمّ تحولت من شكلٍ بطيءٍ يعتمد على التواصل المباشر بين البشر إلى ترجمة سريعة، وفوريّة أصبحت متاحة بضغط الرز، فقد كان دائمًا الهدف من الترجمة واحد، وهو تسهيل التواصل بين أصحاب اللغات المختلفة.