أجاثا كريستي كما لم تعرفها من قبل!

ما هو سر اختفاء أجاثا كريستي 11 يومًا؟

بقلم: مرام علاء

أجاثا كريستي كما لم تعرفها من قبل!
هذه هي اللحظة التي أصبحت فيها المرأة التي علّمت الجميع كيف تكون أركان الجريمة الكاملة، تشتهر بأنها ملكة الجريمة، وألّفت أكثر من ٦٦ رواية بوليسية، لغزًا لمدة ١١ يومًا…

في يوم ميلادها، ١٥ سبتمبر عام ١٩٨٠ في توركاي، ديفون، إنجلترا، وُلدت أجاثا ماري كلاريسا ميلر كابنة لعائلة ثرية، وعاشت حياة مترفة ورغيدة حتى الخامسة من عمرها، ولكن كما تقول الأمثال الشعبية "لا تدوم الفرحة كثيرًا"؛ وما حدث لتلك العائلة السعيدة نقلهم إلى وضع مادي حرج حيث أقاموا في جبال البرانس وباريس وبريتاني، وكانت جميعها تجارب مؤثرة في تكوين شخصية فتاتنا الصغيرة.


كانت أجاثا تسبق العمر والعصر معًا، هذا ما نراه في طفولة فتاة بالطبع لا تتمنى أن تتنقل من مكان لآخر، وأن تعاني تجارب مؤسفة وخيبات أمل، لكن هذا ليس فقط المؤلم في قصتها؛ لكننا نكتشف معًا أنها أيضًا كانت تتلقى تعليمها بنفسها، وعلى يد والدتها في توركاي. لكن هذا لم يؤثر بها، أقامت في عدد من النُزُل في باريس، وتدربت على يد أحد أبرز مُدرّسي الغناء حينئذ.

بينما نما لديها اهتمام بالموضة والأزياء، خيّب المجتمع الفرنسي آمالها؛ فقد كانت زياراتها مع والدتها إلى دار الأوبرا الكبرى ورحلاتها إلى فرساي وفونتينبلو وغيرها من المواقع التاريخية أكثر ملاءمةً لذوقها. ومع والدتها أيضًا، رأت القاهرة لأول مرة، حيث بدأت مسيرتها الاجتماعية.


الرجال وأجاثا

تعرّفت أجاثا على العديد من الأشخاص، حضرت حوالي خمسين حفلة رقص، ولكنها كتبت لاحقًا أنها كانت أكثر انجذابًا إلى "رجال في منتصف العمر ذوي بشرة برونزية"، وكان معظمهم متزوجين.
ومن الأمور التي لم تفعلها خلال إقامتها هناك هو الإعجاب بآثار حضارتها القديمة كما قالت في سيرتها الذاتية؛ "بعد حوالي عشرين عامًا، أذهلتني الأقصر والكرنك وجمال مصر بجمالها الأخّاذ. كم كان سيُفسد عليّ جمالها لو رأيتها بعيونٍ غير مُقدّرة!"



كيف تحولت إلى كاتبة تتجوّل حول العالم؟

ستتعجب كثيرًا، فكيف لفتاة بهذه الطفولة المأساوية تتمكن من السفر حول العالم وهي شابة!

في عام ١٩١٤، تزوجت أجاثا من آرتشي كريستي، زواج استمر لسنوات، ولكنه أنعم عليها بفتاتها الصغيرة روزاليند؛ والتي تمتلك في حاضرنا اليوم مؤسسة The Christie Archive Trust.
مرّت أجاثا بنقطتي تحول لا تستطيع أي امرأة مهما كانت قوّتها النسيان، نعم، لقد توقعت صوابًا؛ الموت والخيانة.

توفيت والدتها، وقد كان هذا سببًا كافيًا لتتحول إلى شخص هادئ وبارد، ينسى اسمه في بعض الأحيان؛ ثم استفاقت على صدمة جديدة عندما اكتشفت في أغسطس عام ١٩٢٦، خيانة زوجها آرتشي كريستي مع سيدة شابة، وتحب رياضة الجولف، تدعى نانسي نييل؛ لم تكتشف أجاثا ذلك وحدها، بل من اعتراف صريح وقاسٍ وبارد منه.

وهنا كان اللغز، في يوم ٣ ديسمبر ١٩٢٦، ليلًا وبعد خروج زوجها في عطلة مع عشيقته، اختفت أجاثا عن الأنظار، وتركت ابنتها في المنزل وسيارتها على حافة الطريق وكأنه حادث انتحار، وظلّت مختفية أحد عشر يومًا؛ شارك في البحث عنها أكثر من ألف شرطي وخمسة عشر ألف متطوعٍ، كما شارك أصدقاؤها مثل سير آرثر كونان دويل في ذلك البحث، ولكن دون جدوى.

حتى أبلغ أحد العاملين بالفندق النائي الذي عُثر عليها فيه، بعدما رأى صورتها في الصحيفة لنرى أنها تأكل وتستمتع بوقتها، وترقص "الشارلستون" مع النزلاء تحت اسم "تيريزا نييل" - وهو نفس اسم عائلة عشيقة زوجها - الذي عندما جاء لأخذها لم تنظر إليه، أو تُعِره اهتمامًا.


لم نعرف يومًا ما كانت تريد من العالم توقعه، اختفائها أم موتها؟ هل كانت تجذب اهتمام زوجها آرتشي باختفائها ظنًا منها أنه سيبحث عنها بدافع الحب؟ أم كانت بالفعل تعاني صدمة الفوغا، أي الهروب من الواقع داخل شخصية أخرى يخلقها عقلنا؟

وسيبقى هذا الحدث سرًا للأبد، ولكنه كان حل العقدة التي بدأت منذ وفاة والدتها.



حيث شكّل خريف عام ١٩٢٨ نقطة تحوّل في حياة أجاثا، بعد لقاءٍ عابرٍ في حفل عشاءٍ دفعها لحجز رحلةٍ بمفردها على متن قطار الشرق السريع الأسطوري، وكانت هذه إحدى رحلاتها التي وجدت نفسها تقوم بها دون مقدمات، رغم أن ذلك لم يكن في حُسبانها من قبل.

أعجبت ببغداد، ودمشق، وذهبت إلى تركيا وكرواتيا وإيطاليا وأذربيجان أيضًا، وتمكنت من إيجاد الرجل الذي يخطف قلبها ماكس مالوان، رغم أنه كان يصغرها بثلاثة عشر عامًا.


أجاثا كريستي كانت كاتبة تولد من رماد رحلاتها، فبعض روائع كتاباتها كانت ترجع إلى ذكريات في حياتها بالفعل!
حين بدأت أجاثا تقضي موسم التنقيب في الشرق الأوسط، من أكتوبر إلى مارس، برفقة زوجها الثاني، تساعده على تنظيف وتصنيف وتصوير المكتشفات، تبدأ إحدى القصص المميزة؛ في عيد الميلاد عام ١٩٣١، كانت مسافرةً عائدةً إلى إنجلترا بمفردها على متن قطار الشرق السريع، وعندما تسببت عاصفة رعدية عنيفة بعد إسطنبول مباشرةً في تأخيرهم يومين. راقبت أجاثا رفاقها المسافرين من كثب، ووصفتهم في رسالة إلى ماكس؛ وكان من بينهم امرأة أمريكية نشيطة أمضت وقتًا طويلًا في الحديث عن ابنتها - ألا يبدو هذا مألوفًا؟
نعم، فقد نُشرت رواية "جريمة قتل في قطار الشرق السريع" عام ١٩٣٤، أي بعد ثلاثة أعوام.


في عام ١٩٣٣، قضت أجاثا وماكس وروزاليند عطلةً في مصر، وقاموا برحلة نيلية. أمضت مع ابنتها ساعاتٍ سعيدةً تتكهن بخلفيات الركاب الآخرين؛ وبعد أربع سنوات، نُشرت رواية "موت على ضفاف النيل" أو Death on the Nile.
وكتبت لاحقًا عن ذلك "أعتقد أن هذا الكتاب من أفضل كتبي عن رحلاتي الخارجية".


لقد أحبّت كثيرًا رحلاتها، وعلى رأسها كانت رحلتها إلى بغداد وبلاد الرافدين، تأثرت بها وأثرت في كتاباتها، وهذا ما كان واضحًا في روايتها "جاؤوا إلى بغداد" أو They came to Baghdad، وكتبت إحدى رواياتها الأشد إيلامًا، والتي باعت أكثر من مليون نسخة، رواية "ولم يبق منهم أحد" And Then There Were None؛ ولكن كيف كانت تعلم عن الأدوية والسموم، وتكتمل أركان الجريمة في ذهنها؟
لعل ما ساعدها كان عملها كممرضة متطوعة في الحربين العالميتين الأولى والثانية جعلها أكثر خبرة ونضجًا، وأكمل ما كان ينقص حبكتها التي امتزجت بالفضول والرحلات والبحث والاستكشاف.


إذًا، من هو هيركيول بوارو؟ استلهمت أجاثا كريستي شخصية هيركيول بوارو خلال الحرب العالمية الأولى، عندما فرّ آلاف اللاجئين من القتال في بلجيكا يستقرون في إنجلترا. رحّب بهم سكان توركاي، ورأت أجاثا أن لاجئًا بلجيكيًا، أو شرطيًا بلجيكيًا سابقًا بارزًا، سيكون محققًا ممتازًا لرواية "قضية ستايلز الغامضة". وهكذا وُلدت شخصية هيركيول بوارو خارقة الذكاء، أما بالنسبة لطريقة القتل، فقد اختارت السمّ، مستفيدةً من خبرتها الجديدة في الصيدلية. في الواقع، كان وصف طريقة استخدام القاتل للسمّ دقيقًا للغاية، لدرجة أنه عندما نُشر الكتاب أخيرًا، نالت أجاثا تكريمًا غير مسبوق لكاتبة روائية - مراجعة في مجلة الصيدلة.


لم يكن قلمها مجرد حكّاء يقصّ عليهم الحكايات فقط، بل كان مدرسة يتعلم فيها الكاتب كيف يزن جميع أركان الجريمة في حبكته ويغزل أحداثها، ويشعر القارئ بأسلوب الرنجة الحمراء، أسلوب الكتابة الذي اشتُهرت به أجاثا كريستي. وهذا بدأ يحدث ويستمر حتى نصل إلى مسرحيتها الشهيرة "مصيدة الفئران" أو The Mousetrap، والتي تعتبر أطول مسرحية عرضًا في العالم، حيث عُرضت لأول مرة في أكتوبر 1952 في نوتنغهام، ولم تتوقف إلا بضعة أشهر وقت الجائحة، وكانت قد سلّمتها كوصية لحفيدها ماثيو وبالفعل أصبح هذا الشاب أحد أثرى رجال بريطانيا بعد إيرادات المسرح.


ولكن لأن ليس كل شيء جميل يكتمل إلى آخره، فقد دق الباب شيء وهو النسيان، فالأمر كان بمثابة أن تنسى أجاثا أحداثًا مؤلمة عاشتها وعايشناها معًا قبل قليل، لكن أن تنسى بوجه عام؛ هذا ليس شيئًا صغيرًا.
فقد أصبحت من تُعلّمنا الألغاز هي اللغز، ومن توعظنا بعدم نسيان الأدلة الخفية أصبحت هي من تنسى.