نحن ما نحكيه: كيف تُحول الحكايات اليومية عاديَّتنا إلى أساطير؟
أبسطُ من الأسطورة.. أعمقُ من الحكاية
بقلم: بسنت الوكيل
تَطيب الأوقات باجتماعنا؛ عائلاتٍ كُنا أو أصدقاء؛ تزداد الجلسة حلاوةً بالحَكي والثرثرة، حينما يكون الجميع متحدثًا لا مستمعًا. تذوب جاذبية الهاتف والحياة الرقمية في فَمِ جدتي حين تحكي، خاصةً عندما تسترد بعضًا من نوستالجيا طفولتها ومقتطفاتٍ من حياة والِدها؛ تقول إنه كان إمام جامع، رجلًا مبروكًا يسيرُ إلى المسجد قبل صلاة الفجر، فيَجد من ينيرون له الطريق بمصابيح، وبالمصابيح نفسِها يدخلون معه المسجد ويصلُّون وراءه.
ارتعدَت يدُ أختي، وطبعَت الدهشةُ خَتمها على وجوهنا. همسَت أمي: "سبحانه!"، أمَّا أنا فقُلت: "لرُبما". ظَل المشهد المتخيَّل عالقًا في ذاكرتي، يتجدد كلما سحب شخص من عمُر جدتي شريطَ ذكرياتِه ووضعه في كاسيت؛ سمعتُ حكايات من هذا القَبيل، فسَّرت أنه ربما الظلام يخيِّل لهم ما لا يُرى، "إن الليل والوِحدة يُثيران الخيال"، لكن كثُرت الأساطير والحكاوي وضاقت مساحة التفسير، بل صِرت أتلذَّذ بالأسطورة وغرابتِها وكونِها مبهَمة، تُخفي سرَّها وراء لسان قائلها، والقائل لا وجود له.
تُعرَّف الحكاية بأنها نَص شعبي يحتضن كل الأحداث والمشاعر الإنسانية، مشتقةٌ لُغويًا من المُحاكاة والتقليد؛ فتحاكي الواقعَ والواقع النفسيَّ الذي يمزُج مادته بين خيالٍ واقعي وواقعٍ خيالي، وتؤسسُ عوالمَ نصيةً تقوم على الأسطورة والكنوز الخفيَّة. وكذلك تجد بين الأسطورة والحكاية الشعبية خيطًا رفيعًا؛ غالبًا ما يقوم الإنسان في الأُولى بالتواصل مع قوَى العالِم الآخر بمحض إرادته واختياره، أما الحكاية الشعبية فتُصوِّر الإنسانَ خاضعًا لقُوى الطبيعة والعالم الغَيبي.
أتساءل: لماذا ارتبط النوم بالحكاية التي قبله؟ أتتبَّع بَساطة الطفولة.. اغسِل قدمَيك، واشرب اللبن، واسمع حكاية، وما أبلغَ من حكايات الخيال! عندما نملُّ من القصص الخَمس المرصوصةِ على أرفُف المكتبة، تنشط هِمة الحكي عند والديّ، فنسمع من القصص ما يَطيب، لا يشغلُنا مؤقِّت إعلاني أو عُطل فني ولا حتى فواصلُ أو علاماتُ تعجُّب.. فقط من الفمِ للأذن للنوم.
ولتقاومَ نُعاسَك قليلًا تتأمَّل دائرة السرد التي ما كان والداك إلا قُطرًا فيها، فتضمُّ "الحكَّائين" في المقاهي والساحات العامة، يروُون قصصًا تمتدُّ لليالٍ طويلة مثل: "السيرة الهِلالية" و"الظاهر بِيبَرس"، سِيَرٌ جمَعت بين التاريخ والخيال، بالإضافة لمُنشِدي السيَر الشعبية حيث يظلُّ الراوي في تفاعل دائم مع جمهوره، و"خيالِ الظِّل" القائم على الحكي والتلوين الصوتي، وكذلك فرَض "الأراجُوز" نفسه في منظومة الحكي بصوتِه الخاص وأسلوبه الساخر، فتحدَّث عن قضايا الحياة اليومية وقدَّم نقدًا اجتماعيًّا حُرًّا متخفيًا وراء السخرية والتهكُّم.
ومع ظهور السينما في أوائل القرن العشرين ثم التلفاز، تغيرت طريقةُ إنتاج الحكاية وتلقِّيها، حتى الآن مع انقراض عناصر الحكي وتمزق تلك الدائرة لم تذهب الحكاية ولا قيمتُها؛ إذ بات "تسليعُ السرد" وسيلةً للتسويق، وتحوَّل "المؤثرون" لأراجوز من نوعٍ آخر، وبات الحكّاء بثوبه الجديد "الاستوري تِيلر" مهارة، فيا لَحظَّك لو كان جَد جدك حكًّاءً على المقهى وورِثت منه تلك المهارة!
حتى نحن لم نتلقَّ الحكاية فقط، زرعناها في كل موقف أقفر. أنا وأنت عندما كُنا صغارًا، وتقريبًا للآن.. عندما نتعرض لموقف في الصباح لا نستطيع المواجهة فيه مباشرةً، يكون أخذُ الحق حِرفةً في المساء، بيننا وبين أنفسنا؛ نُقنِع العقلَ المهزومَ بالانتصار، نُعيد نسج الحكاية ونرسم بالخيال سيناريو الانتصار ولو بدَّدَته مِمحاة الواقع. أتأمل الوضع قديمًا فأجد أنَّ العقل البشري مَنسوخ، فكان الانتصار على الظالمين بسلاح الحكايات ما دام الناسُ لا يقدِرون على مواجهة الظالم.
وهكذا كما يَذكر الشاعر "طارق يوسُف" في كتابه "الخيال الشعبي: الانتصار بالحدُّوتة"؛ أنَّ السيرة التي كان يَرويها القاصُّ الشعبي في مقاهي القاهرة القديمة ينتقم بها حكيًا أو على الرَّبابة، فلم تكن حكاوِيهِ مجرد قصةٍ مسلية يتسلى بسماعها جمهور السمِّيعة، بل هي جزءٌ من التاريخ مع إضافات "الرعيَّة" الذين يكتبون بمخيلتهم عن حُكامهم لتبجيلِهم إن كانوا صالحين، أو للانتقام منهم إن كانوا ظالمين. في هذا الصَّدد، يسُوق الباحث السوري "فِراس السَّواح" تعريفاتٍ عديدة للأسطورة، ومنها: "الأسطورة حكاية".
ولأنني بعيدةٌ عن الريف، كانت أول أسطورة تتبَّعتها هي "الندَّاهة"؛ سمِعتها في حكايات الصغار والكبار في التلفاز والواقع، ثم كان قلم د. أحمد خالد توفيق حينما بدأ أسطورته بتَوصية على لسان البطل: "رِفعت إسماعيل" ألَّا نقرأ هذه الصفحات إلا نهارًا وبين أحبَّائنا.. بهذه الجملة بدأ الدكتور رفعت، وبهذه الجملة قرَّرنا جميعًا قراءتها في الليل:
"فين الولد يامَّه؟ .. قالت نِسِي أهله
فات البلد لمَّا .. الغُولة نادت له
فين الولد يا ولاد؟ .. قالوا الولد مسحور
سافر وراها بلاد .. وآدي السنين بتدور"
وما كانت الندَّاهة إلا حكاية تتردَّد على الألسن؛ فإذا كان الأوروبيون لديهم "دراكولا" و"المستذئبون"، فإننا نتميز بأساطيرنا أيضًا، حكاياتٌ قفزَت من فمٍ لآخر فأنتجت "الندَّاهة"، مثلُها مثل "أمِّنا الغُولة" و"لعنة الفراعنة".. أسطورة المصريين.
فتِّش في كتب السِّيَر الشعبية تجد لـ "شجر الدُّر" و"الظاهِر بِيبَرس" و"أحمد بن طُولون" سيرةً تتردد على ألسِنة العامة تصنع منهم أبطالًا، غيرِ ذلك التاريخ الذي دوَّنه المؤرخون.
أُحب الحكايات، سواءٌ من فَمِ طفلٍ يتلعثم أكثرَ ممَّا يحكي -خانته الذاكرة فقرر سدَّ الفجوة بإضافاتٍ من مُخيلته-، أو من فَمِ أجدادنا حيث لا تنضَب الحكايات ولا تذوب حكمتها مهما تكررت، أُحب حكايات العابرين التي تُبدِّد وَحشة الانتظار وتحلِّي الجلسة وتقتل وحوش الصمت، أحبُّ الحَكي بغَرابته ومبالغتِه ودروسه المستفادة، وأُحب الأساطيرَ حيث لا تجِفُّ ينابيع الدهشة، لكني أخافُ على عقلي من تصديقها.
ارتعدَت يدُ أختي، وطبعَت الدهشةُ خَتمها على وجوهنا. همسَت أمي: "سبحانه!"، أمَّا أنا فقُلت: "لرُبما". ظَل المشهد المتخيَّل عالقًا في ذاكرتي، يتجدد كلما سحب شخص من عمُر جدتي شريطَ ذكرياتِه ووضعه في كاسيت؛ سمعتُ حكايات من هذا القَبيل، فسَّرت أنه ربما الظلام يخيِّل لهم ما لا يُرى، "إن الليل والوِحدة يُثيران الخيال"، لكن كثُرت الأساطير والحكاوي وضاقت مساحة التفسير، بل صِرت أتلذَّذ بالأسطورة وغرابتِها وكونِها مبهَمة، تُخفي سرَّها وراء لسان قائلها، والقائل لا وجود له.
تُعرَّف الحكاية بأنها نَص شعبي يحتضن كل الأحداث والمشاعر الإنسانية، مشتقةٌ لُغويًا من المُحاكاة والتقليد؛ فتحاكي الواقعَ والواقع النفسيَّ الذي يمزُج مادته بين خيالٍ واقعي وواقعٍ خيالي، وتؤسسُ عوالمَ نصيةً تقوم على الأسطورة والكنوز الخفيَّة. وكذلك تجد بين الأسطورة والحكاية الشعبية خيطًا رفيعًا؛ غالبًا ما يقوم الإنسان في الأُولى بالتواصل مع قوَى العالِم الآخر بمحض إرادته واختياره، أما الحكاية الشعبية فتُصوِّر الإنسانَ خاضعًا لقُوى الطبيعة والعالم الغَيبي.
أتساءل: لماذا ارتبط النوم بالحكاية التي قبله؟ أتتبَّع بَساطة الطفولة.. اغسِل قدمَيك، واشرب اللبن، واسمع حكاية، وما أبلغَ من حكايات الخيال! عندما نملُّ من القصص الخَمس المرصوصةِ على أرفُف المكتبة، تنشط هِمة الحكي عند والديّ، فنسمع من القصص ما يَطيب، لا يشغلُنا مؤقِّت إعلاني أو عُطل فني ولا حتى فواصلُ أو علاماتُ تعجُّب.. فقط من الفمِ للأذن للنوم.
ولتقاومَ نُعاسَك قليلًا تتأمَّل دائرة السرد التي ما كان والداك إلا قُطرًا فيها، فتضمُّ "الحكَّائين" في المقاهي والساحات العامة، يروُون قصصًا تمتدُّ لليالٍ طويلة مثل: "السيرة الهِلالية" و"الظاهر بِيبَرس"، سِيَرٌ جمَعت بين التاريخ والخيال، بالإضافة لمُنشِدي السيَر الشعبية حيث يظلُّ الراوي في تفاعل دائم مع جمهوره، و"خيالِ الظِّل" القائم على الحكي والتلوين الصوتي، وكذلك فرَض "الأراجُوز" نفسه في منظومة الحكي بصوتِه الخاص وأسلوبه الساخر، فتحدَّث عن قضايا الحياة اليومية وقدَّم نقدًا اجتماعيًّا حُرًّا متخفيًا وراء السخرية والتهكُّم.
ومع ظهور السينما في أوائل القرن العشرين ثم التلفاز، تغيرت طريقةُ إنتاج الحكاية وتلقِّيها، حتى الآن مع انقراض عناصر الحكي وتمزق تلك الدائرة لم تذهب الحكاية ولا قيمتُها؛ إذ بات "تسليعُ السرد" وسيلةً للتسويق، وتحوَّل "المؤثرون" لأراجوز من نوعٍ آخر، وبات الحكّاء بثوبه الجديد "الاستوري تِيلر" مهارة، فيا لَحظَّك لو كان جَد جدك حكًّاءً على المقهى وورِثت منه تلك المهارة!
حتى نحن لم نتلقَّ الحكاية فقط، زرعناها في كل موقف أقفر. أنا وأنت عندما كُنا صغارًا، وتقريبًا للآن.. عندما نتعرض لموقف في الصباح لا نستطيع المواجهة فيه مباشرةً، يكون أخذُ الحق حِرفةً في المساء، بيننا وبين أنفسنا؛ نُقنِع العقلَ المهزومَ بالانتصار، نُعيد نسج الحكاية ونرسم بالخيال سيناريو الانتصار ولو بدَّدَته مِمحاة الواقع. أتأمل الوضع قديمًا فأجد أنَّ العقل البشري مَنسوخ، فكان الانتصار على الظالمين بسلاح الحكايات ما دام الناسُ لا يقدِرون على مواجهة الظالم.
وهكذا كما يَذكر الشاعر "طارق يوسُف" في كتابه "الخيال الشعبي: الانتصار بالحدُّوتة"؛ أنَّ السيرة التي كان يَرويها القاصُّ الشعبي في مقاهي القاهرة القديمة ينتقم بها حكيًا أو على الرَّبابة، فلم تكن حكاوِيهِ مجرد قصةٍ مسلية يتسلى بسماعها جمهور السمِّيعة، بل هي جزءٌ من التاريخ مع إضافات "الرعيَّة" الذين يكتبون بمخيلتهم عن حُكامهم لتبجيلِهم إن كانوا صالحين، أو للانتقام منهم إن كانوا ظالمين. في هذا الصَّدد، يسُوق الباحث السوري "فِراس السَّواح" تعريفاتٍ عديدة للأسطورة، ومنها: "الأسطورة حكاية".
ولأنني بعيدةٌ عن الريف، كانت أول أسطورة تتبَّعتها هي "الندَّاهة"؛ سمِعتها في حكايات الصغار والكبار في التلفاز والواقع، ثم كان قلم د. أحمد خالد توفيق حينما بدأ أسطورته بتَوصية على لسان البطل: "رِفعت إسماعيل" ألَّا نقرأ هذه الصفحات إلا نهارًا وبين أحبَّائنا.. بهذه الجملة بدأ الدكتور رفعت، وبهذه الجملة قرَّرنا جميعًا قراءتها في الليل:
"فين الولد يامَّه؟ .. قالت نِسِي أهله
فات البلد لمَّا .. الغُولة نادت له
فين الولد يا ولاد؟ .. قالوا الولد مسحور
سافر وراها بلاد .. وآدي السنين بتدور"
وما كانت الندَّاهة إلا حكاية تتردَّد على الألسن؛ فإذا كان الأوروبيون لديهم "دراكولا" و"المستذئبون"، فإننا نتميز بأساطيرنا أيضًا، حكاياتٌ قفزَت من فمٍ لآخر فأنتجت "الندَّاهة"، مثلُها مثل "أمِّنا الغُولة" و"لعنة الفراعنة".. أسطورة المصريين.
فتِّش في كتب السِّيَر الشعبية تجد لـ "شجر الدُّر" و"الظاهِر بِيبَرس" و"أحمد بن طُولون" سيرةً تتردد على ألسِنة العامة تصنع منهم أبطالًا، غيرِ ذلك التاريخ الذي دوَّنه المؤرخون.
أُحب الحكايات، سواءٌ من فَمِ طفلٍ يتلعثم أكثرَ ممَّا يحكي -خانته الذاكرة فقرر سدَّ الفجوة بإضافاتٍ من مُخيلته-، أو من فَمِ أجدادنا حيث لا تنضَب الحكايات ولا تذوب حكمتها مهما تكررت، أُحب حكايات العابرين التي تُبدِّد وَحشة الانتظار وتحلِّي الجلسة وتقتل وحوش الصمت، أحبُّ الحَكي بغَرابته ومبالغتِه ودروسه المستفادة، وأُحب الأساطيرَ حيث لا تجِفُّ ينابيع الدهشة، لكني أخافُ على عقلي من تصديقها.