بريد لا يصل… ووطن لا يُنسى

محمد جبعيتي يمدّ بريدًا إلى فلسطين في «لا بريد إلى غزة»

بقلم: ضحى أبو ندى

بريد لا يصل… ووطن لا يُنسى
في حديثٍ مع محمد جبعيتي: الكاتب والروائي الفلسطيني من قرية كفر اللبد شرق طولكرم، والحاصل على الماجستير في اللغة العربية، كاتب رواية "لا بريد إلى غزة " التي هي ضمن الروايات الست التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ لهذا العام، طرحنا عليه بعض الأسئلة التي ربما تراود أذهان كل من قرأ روايته فودَّ لو يسأله، وكانت هذه إجاباته.

-حدثني عن بداياتك، كيف دخلت عالم الكتابة ؟
دخلتُ إلى عالم الكتابة من بوابة القراءة. أحببت منذ الصغر قراءة الشعر والقصص، وكانت القراءة بالنسبة إليّ طريقة ؛لاكتشاف العالم وفهمه. ولعبَ أساتذتي في المدرسة دورًا كبيرًا في تشجيعي، إذ منحوني الثقة التي احتجت إليها. كانت البداية مع كتابة الشعر، إذ وجدت فيه مساحة للتعبير عن انفعالاتي وعاطفتي. لكن القصيدة، مع الوقت، بدت أضيق من أن تستوعب ما أريد قوله، فانتقلت إلى الفن الروائي، الذي أتاح لي مساحة أوسع للتعبير وبناء العالم والشخصيات. ومع ذلك أعتقد أن تلك المرحلة الأولى أكسبتني حساسية خاصة تجاه اللغة، وظل أثرها حاضرًا في كتابتي الروائية.


-كيف تصف الطريق من تلك البدايات وحتى الوصول إلى القائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ؟ هل كان المسار شاقًّا؟ وماذا يمثل لك هذا الترشح؟
بالطبع، كان الطريق شاقًّا وطويلًا، لكنه كان ممتعًا أيضًا. مررت بسنوات من القراءة والكتابة والتجريب، وتعلمت من كل رواية كتبتها، ومن كل خطأ ارتكبته، أكثر مما تعلمت من أي نجاح. ثم جاءت لحظة الوصول إلى القائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ، وهي لحظة أعتز بها كثيرًا، لأن اسمي ارتبط باسم نجيب محفوظ، أحد أهم كتّاب الرواية العربية والعالمية.


-لمَ اخترت هذا العنوان للرواية؟
العنوان مرتبط بفكرة انقطاع التواصل. ثمة أصوات كثيرة خرجت من غزة وحاولت أن تصل إلى العالم بشتى الطرق، لكن كثيرًا منها لم يجد طريقه. لذلك بدت لي غزة كأنها مكان انقطع بريده، أو كأن الرسائل التي تخرج منها لا تصل إلى وجهتها، ومن هنا جاء عنوان "لا بريد إلى غزة".


-لماذا اخترت الكتابة عن غزة بالتحديد؟ وهل واجهت صعوبة في "إيصال البريد" إليها أدبيًّا وكتابتها كمكان معزول؟
أنا في نهاية المطاف أكتب عن وطني، وغزة جزء من هذا الوطن، بجغرافيته وذاكرته وألمه. تعاملت معها بوصفها جزءًا حاضرًا في حياتنا ووعينا، حتى وإن حالت الجغرافيا والحواجز والاحتلال دون الوصول إليها. وربما كانت الكتابة نفسها محاولة لتجاوز هذا العزل .


-كيف أثرت الحرب في كتابتك للرواية؟ ذكرتَ في إحدى المقابلات أن الرواية كُتبت قبل الحرب، لكن وطأتها فرضت عليك تعديل بعض التفاصيل.. كيف يغير الواقع نصًّا أدبيًّا كان قد اكتمل بالفعل؟ وما الذي اقتطعته أو أضفته تحت هذا التأثير؟
كانت الرواية قد كُتبت قبل الحرب، لكنها انتهت بفصل تدور أحداثه في الشهور الأولى من الإبادة. لذلك عندما وقعت الحرب وجدت أن الواقع دخل إلى النص بطريقة لم أتوقعها. لم أرد أن أعيد كتابة الرواية تحت وطأة الحرب، لكن بعض التفاصيل أصبحت بحاجة إلى مراجعة حتى لا يبدو النص منفصلًا تمامًا عن واقع تغيّر بهذه السرعة والقسوة. أضفت وحذفت وعدّلت في بعض المواضع، مع الحفاظ على البناء الأساسي للرواية ورؤيتها الأصلية.



-هل كانت مراجعة النص وتعديله أثناء الحرب عبئًا إضافيًا جعل إعادة قراءة النص أمرًا مؤلمًا؟
نعم، كانت هناك مشاهد مؤلمة في الرواية، أتذكر أنني كتبت بعضها قبل الحرب، ثم وجدتني أشاهد صورًا ومشاهد شبيهة بها على شاشات التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي. كان ذلك مربكًا ومؤلمًا، لأن ما تخيلته جزءًا من عمل روائي أصبح يحدث في الواقع. بذلك واجهت، في بعض اللحظات، صورًا ووقائع لم أرغب أن أراها خارج الرواية.


-جائزة نجيب محفوظ تضع النص تحت مجهر نقدي واسع، هل في الأمر ما يُربك؟
كلا، إطلاقًا. لطالما أفادني النقد البنّاء، وكان بالنسبة إليّ وسيلة للتعلم واكتشاف حدود قدراتي. وفي النهاية، أن يثير النص نقاشًا أو نقدًا، مهما اختلفت زواياه، أمر مهم ويصب في مصلحة العمل، لأن الرواية تبدأ حياة أخرى حين تصل إلى القرّاء والنقّاد.


-ختامًا، لِمَ لم يحاول جلال أن يمتهن غير مهنة والده رغم كرهه لها؟ ولمَ أراد أن يضع نفسه في الدائرة المفرغة نفسها؟
أُفضل أن أترك هذه المسألة للقارئ؛ فربما يرى في خيارات جلال ما لم أره أنا، أو يجد لها تفسيرًا مختلفًا عن تفسيري.