هل نكتب ونقرأ هروباً من الواقع أم لنخلق عالماً موازياً؟.. تأملات في أحلام اليقظة

سلسلة ما بعد الصفحة الأخيرة

بقلم: ياسمين عبدالقدوس

هل نكتب ونقرأ هروباً من الواقع أم لنخلق عالماً موازياً؟..  تأملات في أحلام اليقظة
في عصر الكتابة الأدبيّة الأول منذ أن ترددت تعاليم / وصايا شروباك ونُقشت ألواح جلجامش، كانت المتعة الأدبيّة في منطقةٍ مناصفة بين الكاتب والقرَّاء-أو بالأحرى المستمعين-.
وبعد أكثر من أربعين قرنًا، مازال الغرض من كتابتهم محطّ تساؤلات، هل كُتبت لمجرد التسلية؟ أم كانت محاولة أوليّة لمغالبة الفناء والإلتفاف إلى قسوة الوجود وانتهاء القيمة؟
وفي أيامنا هذه مازلنا نخصص مئات الساعات للكتابة، وأصبحت دور النشر تفوق أعداد المستشفيات في بعض المدن، وتقام المعارض الدولية حول العالم بعدد أيام السنة؛ لنجد أنفسنا مجبرين على طرح هذا السؤال بل والبحث عن إجابته: هل نلجأ إلى الصفحات لننسى الواقع ونغفل عنه، أم لنبني واقعًا موازيًا نأوي إليه؟، أم أن فعل الكتابة أعمق من هذا وذاك؛ نقرأ ونكتب لنعيد خلق هذا الواقع ذاته بوعيٍ جديد؟

الرقيم الأول:
لربما يرى العابرون صرخة جلجامش في وجه الموت مجرد رغبةٍ فرديّة في الخلود، أو كان في نظرهم نصائح شروباك مجرد وصَايا أخلاقية يُملِي الكبير فيها أفكاره لابنه على حَداثة سِنِّه.
ولكنّنا، قُراء اليوم، نرى ما حفره إبهام الكاتبِ الأول على ألواحِ الطين، ككلماتٍ يَعبُر القارئُ بالتمعّن فيها إلى عالمٍ تتغير فيه الحدود وتنقلب فيه الفُرص.
ومنذ ذلك الحفر الأول وفي مساحة العبور بَيْنَ الذّات والعالَم، تَبرُز أَحْلاَمُ اليَقَظَةِ لَا كبَدَدٍ ذِهْنِيّ عابِر، بَل كونهَا بوابةَ النفس من محدوديّة الفكرة إلى رحابة الخيال وحقيقة الشعور.

حياة بديلة:
من منّا لم تصحَب طفُولَتَه مُخيّلةٌ خصبة؟ نعيد ترتيب العالم في لعبةٍ خاصة، مكانٌ مختلف، أو ربما زمنٌ آخر.
وحديثنا ليس عن طفولتنا وحدها، بل عن مراهقتنا أيضًا -لربما خالطها كثيرًا من تلك الأحلام-، عن رفيقٍ مُبهر أو حَامٍ عظيم، أو ربما أعدنا ترتيب بعض مواقف يومنا بما يشعرنا أن كل شئ تحت السيطرة وفي حدود الإمكان.
وفي حين يستحي الراشدون من هذه الفانتازيا و بعضهم يكتمها خوفًا من ترجمتها كضعفٍ أو حتى نزوات لا يرضى عنها المحيطون، يأتي الأديب ليُهرّب هذه الأحلام السجينة، بل ويبني لها عالمًا يتذوقه كل من تنقّل بين صفحات الكتاب، ومن هنا يرى الكلاسيكيون وعلماء النفس قديمًا أن أحلام اليقظة آليّة دفاع نفسيّة متمردة على عجز الواقع، تُلبّي الرغبات والأماني الصعبة وربما المستحيلة، وتعطيك لذةً بمجرد نيلها.
غير أنّ التفسير الذي يرى الأدب مجرد عالمٍ بديل؛ يَلقى عتابًا من عشاق الحقيقة؛ فالأدب الجاد لا يستهدف التملُّص الشهوانيّ من الواقع، بل يغوص في أعماقه ليفكك جذوره ويفهم أسبابه.

التأمّل الشارد حول أحلام اليقظة:
نرى أنّ أحلام اليقظة في جوهرها، ليست غيبوبة تُشبه أحلام الليل المضطربة، بل هي تأمل شارد في يقظةٍ كاملة للوعي.
إن الخيال الأدبي ليس ملجأً للهروب من الواقع، بل -إنّ أشهر الأدباء وأعظمهم جعلوا منه -حواراً يناقش فيه المثقّف نفسه ثم يناقش كلاهما خطة المثقف للوصول للحقيقة، بل وكيفيتها الفلسفيّة في مُختلف الظروف.
نجد أنّ الصورة الشعرية المتولدة من هذا الصفاء ليست ترميمًا لحرمان شخصيّ ولا نتيجةً لتسلية وقت، بل يراها غابريال ماركيث أنّها طريقته الأخرى لرؤية الحقيقة، فأحلام اليقظة في جوهرها قراءة أكثر عمقًا للواقع الإجتماعيّ والنفسيّ.

فرناندو والأترونيمز :
وإذا كان ماركيث يرى أحلام اليقظة قراءةً للواقع، فإن الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا قد ذهب بالخيال إلى أقصى من ذلك فقد اتخذ منها نمطً للحياة ومذهبًا وجوديًا قائمًا بذاته، فمَلِكُ أحلامِ اليقظة لم يكتفِ بالتأمّل فيها وحسب، بل بنى داخلها عوالم كاملة وهويّات موازية، بل واعتبر الحياة الواقعيّة ضيقة لا تتسع لكل الاحتمالات التي يحملها الانسان داخل روحه، فكان نتاج فكره شخصيات "الأترونيمز" متعددة الإستعارات، فلم تتشكّل في خياله الشخصيات لتصبح أسماء مُستعارة يُكتب تحتها فحسب بل كانت شخصيات كاملة وُلِدت واستمرت في خياله؛ لكل شخصية منها تاريخ ميلاد، وأسلوب كتابة، وفلسفة خاصة، ومظهر جسديّ، ونمط حياة مختلف تمامًا عنه؛ فالكتابة في هذا المقام تأبى أن تكون لمجرد التسلية بل تثبت أنّ ما يدور في أعماق الذهن والأحلام يمتلك كثافة وصدقاً يفوقان بمراحل أحداث هذا العالم الميكانيكيّ الممل.

الفرار:
ولكي نكون أكثر انصافًا في قراءة هذا الجدل علينا التمييز بين شكلين من الفرار: فرار الجبان خوفًا من المسئولية، و فرار العاجز الذي لا يمتلك أدوات بعدُ لتغيير الواقع، ولكنه يمتلك قلمه ليرسم خارطة طريق يُوعز به إلى الجيل القادم، لعل أحدهم في قابل الأيام يكون على يديه هذا التغيير.
قد لا تتغير قوانين العالم بكلمةٍ تُكتب، ولا تزول القسوة بمجرد قراءة فصلٍ دافئ في رواية عاطفيّة، لكن القلم يملك شيئًا أكثر رصانةً من ذلك كله: إنه يملك قدرة المنح، يمنحنا البستان؛ لنُبذر فيه أحلامنا، لا لكي نتيه في أوهامٍ مغلقة، بل لنصنع عالمنا الخاص الذي نعود منه إلى حقيقة أيّامنا بنظرةٍ أكثر عمقًا، و بتجربةٍ أشد ابتكارًا من رتابةِ الحاضر.