أزمةُ تَحويل النصوص الأدبية إلى أعمالٍ درامية

نجاحاتُ الاقتِباس السينمائي وإخفاقاتُه

بقلم: صفوة صلاح

أزمةُ تَحويل النصوص الأدبية إلى أعمالٍ درامية
حينَ نتحدثُ عن الفنون السينمائية المُستوحاةِ من الرواياتِ والسَّردياتِ الأدبية، فنحن نُسلِّطُ الضوءَ على نِتاجِ فنيٍّ هائلٍ ليس وَليدَ اللحظةِ ولا رَهينَ عصرِنا، بل نُشير إلى أثرٍ خالدٍ، وإنجازٍ موثَّق وناجح يمتدُّ في أعماقِ الزمنِ البَعيد.

فقد ضمَّت الأعمالُ السينمائية آلافَ الرواياتِ على اختلافِ أنواعِها؛ مِن رواياتٍ كلاسيكية واجتِماعية، إلى روايات الخَيال العِلمي، والرواياتِ الدرامِيَّة والعاطِفية، والمَلحَمات التاريخيَّة.
ونرَى هذا جلِيًّا في النِّتاجِ الأدبيِّ لكَثيرٍ من كِبار الكُتَّاب؛ كـ نَجِيب مَحفُوظ في: "الثُّلاثِية"، و"زُقاق المَدَقّ"، و"مَلحَمَة الحَرافِيش"، و"الطَّريق"، وغيرِهامن الأعمَال التي لا يَزالُ صَداها يتردَّدُ حتى يومِنا هذا. وكذا إحسان عبدُالقُدُّوس، التي وُثِّقت رواياتُهُ عَبر الأفلام السينمائيَّة، ومِن أشهرِها: "لا أَنام"، و"في بَيتِنا رَجل"، و"النظَّارةُ السَّوداء"، و"أَبِي فَوق الشجرَة"،و"إِمبراطورِيَّة مِيم"، و"الوِسادَة الخالِيَة". فَضلًا عن الصحَفي الشهِير مُصطفَى أمِين، وعَمِيدِ الأدَب العرَبيِّ طه حُسيَن، ويُوسُف السِّباعي،وغيرِهِم من أَعلامِ الأَدب.

تُعَدُّ هذه الأسماءُ نموذَجًا موجَزًا لأعمالٍ وإنجازاتٍ سينمائيةٍ خالِدة (إضافةً لغيرِهم من الأُدباء العالَميين)، استطاعت أن تشكِّلَ نجاحاتٍ مُبهرةٍ وإرثًا عظيمًا لا يزالُ يتردَّد صداهُ في الأسماع، وتتوارَثُه الأجيال جيلًا بعدَ جِيل.

تحدِّيات السينما في تَجسيد العمل السَّردي: مُعضِلة تَحقيق الانتِشار وتجنُّب الاندِثار


لَيس كلُّ قارئٍ شَغوفًا بالسينما، وليسَ كلُّ مشاهدٍ مُولَعًا بالقراءة، إلا أنَّ القارئ والمُشاهد بإمكانِهِما أن يُحدِثا الانتشارَ أو الاندِثار في آنٍ واحد!
وهُنا تواجِه السينما تحديًا كبيرًا وتتحمَّل مسؤوليةً جَسيمةً في تَحقيق المُوازَنة بين خيال القارئ وتوقُّعاتِه، وبين الواقع المشهَديِّ المَسرود.
وعِندها تقَعُ السينما تحت وَطأَة قارئٍ مُخلِص، وتَغدو أسيرةً لكل مُتيَّمٍ بالمَكتوب، فيصبحُ مَصيرُها مُعلَّقًا بَين نقدٍ أو انبِهار.
إذ تَتفاوتُ خَيالات القارئ في تصوُّر الشخصيَّة والأَحداث، وحِينها تصطَدِم السينما بِعَقباتٍ كثيرة، منها:

•اختِيار المُمَثِّل المناسِب: مِن المُرجَّح ألَّا يَتوافق المُمثل المُختارُ مع مُخَيَّلة كل قارئ، مِمَّا يؤدِّي أحيانًا إلى كثيرٍ من الهُجومٍ أو الانتِقاد، والذي قد يُؤدي بدَورِه إلى طَمس الفِكرة الجوهريِّة والقِيمة الحقيقيةِ لِلعمل.

•الحَشو الزَّائد: تَقتَضي الدراما في أحايِينَ كثيرةٍ إضافاتٍ خارجيةً قد تنحرِف عن المَضمون الأصليّ، مِما يُشتِّت المشاهِد ويبعدُه عن المَغزى المُراد من الكاتِب. كذلك الإيحاءاتُ والصورُ التي لا طائلَ منها قد تُسهِم في إخفاق العَمل.

•عَدَم صلاحِيَّة بعض الروايات للتَّجسيد: ويعودُ ذلك إلى عُمق الصِّياغة والأَحداث، أو عدم مُلاءمة الزَّمن التاريخيِ للروايَة مع النَّمط الفِكري للأجيال المُعاصِرة.

•الاستِخفاف بعَقل القارئ الأَدَبي: إخفاقُ مشهدٍ ما في مُخاطَبة عَقل القارِئ ولُغتِه الفِكرية ومُستواهُ الثَّقافي قد يُثيرُ سَخَطهُ ونَقدَه. 

•المُؤثِّرات الصوتية غير المُناسِبة: تُحدِث خلَلًا ونَشازًا يُفقِد العَمل عُمقَه.

•الفَجوَة الفِكرية واللُّغوية بَين الأَجيال: تَتجدَّد المُصطلحات والرُؤَى من جيلٍ إلى جيل، وهنا تُواجه السينما تحدياتٍ مُتجدِّدة، تتغيَّرُ بتغَيُّر زمن العَمل الأدبيِّ، وتتَمثَّلُ هذه التحدِّيات في كيفيَّة نَقل الروايات القديمَة بلُغةٍ تَتماسَى مع رُوح العَصر دُون الإخلالِ بأصالَتِها.

تِلك إخفاقاتٌ يرِدُ حُدوثُها، وعِندها قد تُزعزِع من قيمَة السَّرد الأَدبي إن لَم يُتَعامَل معها بحذَرٍ شديد، وقد تجعلُ الهدَف السَّامي يندثِر تحت رُكام الانتِقادات، ليَتحولَ اهتِمام الجُمهور من جوهَر الرِّسالة المَقصودة، إلى النِّقاش حَول تفاصيلَ هامشيَّةٍ لا طائلَ مِنها.

دَور السينما في خِدمة النَّص الأَدَبي: نجاحٌ وتَرويج

يُمسي الاقتِباس ناجحًا حين يحقِّق التوازُن بَين مِحورَين: نَجاح العَمل الفنِّي سينمائيًّا، وإبراز العمل الرِّوائيِّ والتأكيدُ على قِيمتِه.

الأدبُ مستمرٌّ وباقٍ بمُحاذاة السينما؛ فهو لا يزولُ بوجودِها، والسينما بدَورِها لا تُهمِّش القيمَة الأدبية لِلأعمال المَطروحة. ورَغم التحدِّيات التي تُواجِهُها السينما، إلا أنَّنا ليسَ بمَقدورِنا أن نغُضَّ الطَّرف عن دورِها المِحوريِّ في تَجسيد النَّص الأدبي وتحويلِه إلى تجرِبةٍ بصريَّةٍ حيَّة.
فحِينما نُلقي على الأمر نَظرةً شُموليَّةً مُحايِدة؛ نجِد أنَّ الرواية تعتَمد اعتِمادًا كلِّيًا على البِناء اللغويِّ والتخيُّل السردي –دُون أيِّ تقليلٍ من الفَن الروائي– فتُضيف السينما للعمَل بُعدًا بصريًّا وتنقِل المشاعِر المكتوبَة مجسَّدةً صادِقة، تُبقي بصمةً عميقةً في وِجدان المشاهِد في أَثَر يمتَد معه لسنينَ طَويلة.

والفنونُ بمختَلف أشكالِها تسيرُ مُتوازيةً يُكمِل بعضُها بعضًا، فلا غِنى لفنٍّ عن آخر متى ما تحقَّق الهدف والرسالَة. وهُنا تحديدًا تغدو فكرة الإخفاق غيرَ وارِدة، ويصبحُ نجاحُ أيِّ عملٍ فنٌّي مؤكدًا وذا مسارٍ واضِح المعالِم. فالفنُّالصادِق يمتلِك قُدرةً هائلة على إعادَة تشكيل أرواحِنا، وفَتح آفاقٍ فكريةٍجديدة؛ بوِسعِه بناءُ فِكر، وتشكيلُ ثقافة، وصِياغةُ هُويَّة، وتَخليدُ إرثٍ عَظيم تَتوارثُه الأجيال.