حجر رشيد من الاكتشاف إلى المنفى
بقلم: بسنت الوكيل
بوصفِه بشرًا لا أثرًا يميل لونه إلى الرمادي الداكن، وبوصفه أثرًا لا بشرًا يزيد ارتفاعه عن المتر بسنتيمترات، يُعتبر المترجِم غير البشري للغة معابد مصر القديمة، أو لنَقل: صوت تلك المعابد الصمَّاء؛ إذ عُدَّ الكود الذي من خلاله عُرفت أسرار تلك المعابد بعدما ظلت صامتةً لآلاف السنين.. حجر رشيد الذي اكتُشف وكان عُمر دارسه لا يتجاوز تسعَ سنوات.
صُدفة ترميم: في يومٍ حار من أيام شهر يوليو لعام (1799م)، وعلى ضِفاف نهر النيل بمدينة رشيد، لم تكن هناك أي خطط لاكتشافه أو البحث عنه، وبينما يرمِّم مهندسو الحملة الفرنسية قلعة قايتباي، اصطدم أحد المعاول بشيء صلب؛ ليعثروا على حجر كبير مليءٍ بالطلاسم، ومن هذه العقدة تنبَّأوا أن وراءه سرًّا ما، ليُنقل إلى القاهرة ويُدرس.. دراسة لم تظهر نتائجها إلا عام (1822م) على يد الباحث والعالم اللغوي "فرانسوا شامبليون".
ميلاد الحجر الرشيد: يعود ميلاد الحجر إلى مدينة "منف"؛ فكان مرسومًا رسميًّا صاغه كهنة مصريون عام (196 ق. م)، وعُرف باسم "مرسوم منف"، يشكرون فيه الملك بطلميوس الخامس ويؤكدون ولاءهم له، ذلك الملك الذي كان لا يزال في الثالثة عشرة من عمره يحكم مصر وسط اضطرابات البلاد بعد وفاة والده.
حجر ثُلاثي اللغات: لم يحوِ حجر رشيد الكتابة باللغة الهيروغليفية القديمة فحسب، بل كان ثمَّة بشر متعدد الألسنة يحوي اللغة الهيروغليفية في الأعلى، والديموطيقية في الوسط، واليونانية في الأسفل؛ حتى يستطيع كل من يعيش في مصر قراءة الرسالة، فكان الحَجر بمثابة لوحة رسمية تُعرض في المعابد ليقرأها الناس كما تُصاغ وتُنشر البيانات الحكومية اليوم.
مفاجأة العثور: بعد نحو ألفَي عام، وبعدما كان الحجر مرسومًا مُعلنًا في المعبد؛ عُثِر عليه مدفونًا داخل حِصن عسكري في مدينة رشيد؛ بسبب مرور وقت طويل تعرضت فيه الكثير من المعابد للهدم نتيجة الزلازل والحروب، ومن هنا لم يُترك رُكام المعابد كأنقاض؛ بل أُعيد استخدام أحجارها في تشييد مبانٍ وحصونٍ جديدة، ويرجح البعض أن حجر رشيد نُقل من مكانه الأصلي واستخدم كحجر بناء داخل حصنٍ قريب من مدينة رشيد ليتوارَى خلف الأتربة شيئًا فشيئًا حتى اكتُشِف صدفة.
ليتشكل في هيئة مفتاح لقراءة تاريخ حضارة كاملة، فأضفى هذا التكرار للنص الواحد بثلاثة أنماط مختلفة من الحروف أساسًا اعتمد عليه العلماء في فهم الكتابة المصرية القديمة.
محاولات الكشف والتفكيك: كانت ثاني رحلة لهذا الحجر من رشيد للقاهرة؛ حيث نُقِل بأوامر من "بونابرت" بعدما نسخت منه عدة نسخ لتوثيق نصوصه خشية فقدانها، ثم تصاعد ضغط الأسطول البريطاني على الفرنسيين؛ فاضطر الثاني للتفاوض مع الأول لإنهاء الحملة، وبموجب الاتفاقية احتفظ الفرنسيون بأبحاثهم ونسخهم واستولى الإنجليز على حجر رشيد، لتكون ثالت رحلة له مليئة بالاغتراب الكامل؛ إذ نُقِل إلى بريطانيا مع آثار مصريةٍ أخرى.
في منتصف الطريق: أدرك علماء بريطانيا أن تقييد هذا الحجر داخل متحف سيفقده صوته ودلالته، فصنعوا منه نُسخًا دقيقة وقوالب وطباعات بالحبر، وأُرسِلت إلى أشهر علماء اللغات القديمة في أوروبا؛ فاستطاعوا قراءة النص اليوناني وبقيت المعضلة في النَّصين الهيروغليفي والديموطيقي، ليضيء الجزء الأخير من الحجر كاشفًا عما وراءه ويبقى أول جُزأين معتمَين.
السر في الخرطوش: لاحظ الباحث الإنجليزي "توماس يونج" أن اسم الملك بطليموس الخامس تكرر في النصوص الثلاثة في إطار بيضاوي يسمى عند المصريين القدماء "بالخرطوش"؛ فافترض يونج أن هذا الإطار يحتوي على اسم بطليموس، وبمقارنة ترتيب الرموز بأصوات الاسم؛ اكتشف أن بعض الرموز ليست مجرد رسومات بل أصوات تُنطق، وهنا عثر على طرف الخيط لفك شفرة اللغة الهيروغليفية.
فك الشفرة: بعد سنوات جاءت مهمة العالم الفرنسي "جان فرانسوا شامبليون" الذي كان طفلًا وقت اكتشاف الحجر، واستكمل ما توصل إليه يونج، وبدأ بناء الأبجدية الهيروغليفية؛ ليكتشف أنها ليست مجرد حروف بل نظام كتابة عبقري يجمع رموزًا، بعضها يحمل معنًى وبعضها يمثل أصواتًا وأخرى لا تُنطق لكن توضح المعنى.
استغرق فك شفرته ثلاثة وعشرين عامًا، فأعلن شامبليون نجاحه عام (1822م)، وبه تم تأسيس علم المصريات، ففتح هذا الكشف الباب أمام علم جديد لدراسة تاريخ وحضارة مصر القديمة، كما أسهم في قراءة التراث والآثار، فساعد العلماءَ على ترجمة النصوص المكتوبة على الجدران والمعابد وأوراق البردي، كما أتاح فهمُ النصوص معرفةَ علوم القدماء، وآدابهم وتقاليدهم وتفاصيل حياتهم الاجتماعية والطبية، فكان حجر رشيد طرف خيط لعدة اكتشافات.
الحجر الرشيد جدًا: استخدم الدكتور مصطفى حجازي مُسمَّى هذا الحجر كعنوان لكتابه "حجر رشيد" الذي يضم خواطر ومقالات ومدونات من الواقع العربي والإنساني؛ ليصف ما يجري ولمعرفة لماذا يجري، ليظل الحجر الرشيد رمزًا لفهم أي غموض وفك أصعب الطلاسم.
الحجر المنفِي: رغم المطالبات المصرية المستمرة لإعادة الحجر؛ حتى الآن يقع هذا الحجر في المتحف البريطاني مغتربًا تحت وطأة رفض عودته بحجة معاهدة الإسكندرية التي عُقدت بين مستعمرين على أثرٍ لم تضع بلده الأم حبرًا على مُعاهدته؛ غريبٌ لكنه يفصح عن هويته المصرية بملامحه لكل زائر.
صُدفة ترميم: في يومٍ حار من أيام شهر يوليو لعام (1799م)، وعلى ضِفاف نهر النيل بمدينة رشيد، لم تكن هناك أي خطط لاكتشافه أو البحث عنه، وبينما يرمِّم مهندسو الحملة الفرنسية قلعة قايتباي، اصطدم أحد المعاول بشيء صلب؛ ليعثروا على حجر كبير مليءٍ بالطلاسم، ومن هذه العقدة تنبَّأوا أن وراءه سرًّا ما، ليُنقل إلى القاهرة ويُدرس.. دراسة لم تظهر نتائجها إلا عام (1822م) على يد الباحث والعالم اللغوي "فرانسوا شامبليون".
ميلاد الحجر الرشيد: يعود ميلاد الحجر إلى مدينة "منف"؛ فكان مرسومًا رسميًّا صاغه كهنة مصريون عام (196 ق. م)، وعُرف باسم "مرسوم منف"، يشكرون فيه الملك بطلميوس الخامس ويؤكدون ولاءهم له، ذلك الملك الذي كان لا يزال في الثالثة عشرة من عمره يحكم مصر وسط اضطرابات البلاد بعد وفاة والده.
حجر ثُلاثي اللغات: لم يحوِ حجر رشيد الكتابة باللغة الهيروغليفية القديمة فحسب، بل كان ثمَّة بشر متعدد الألسنة يحوي اللغة الهيروغليفية في الأعلى، والديموطيقية في الوسط، واليونانية في الأسفل؛ حتى يستطيع كل من يعيش في مصر قراءة الرسالة، فكان الحَجر بمثابة لوحة رسمية تُعرض في المعابد ليقرأها الناس كما تُصاغ وتُنشر البيانات الحكومية اليوم.
مفاجأة العثور: بعد نحو ألفَي عام، وبعدما كان الحجر مرسومًا مُعلنًا في المعبد؛ عُثِر عليه مدفونًا داخل حِصن عسكري في مدينة رشيد؛ بسبب مرور وقت طويل تعرضت فيه الكثير من المعابد للهدم نتيجة الزلازل والحروب، ومن هنا لم يُترك رُكام المعابد كأنقاض؛ بل أُعيد استخدام أحجارها في تشييد مبانٍ وحصونٍ جديدة، ويرجح البعض أن حجر رشيد نُقل من مكانه الأصلي واستخدم كحجر بناء داخل حصنٍ قريب من مدينة رشيد ليتوارَى خلف الأتربة شيئًا فشيئًا حتى اكتُشِف صدفة.
ليتشكل في هيئة مفتاح لقراءة تاريخ حضارة كاملة، فأضفى هذا التكرار للنص الواحد بثلاثة أنماط مختلفة من الحروف أساسًا اعتمد عليه العلماء في فهم الكتابة المصرية القديمة.
محاولات الكشف والتفكيك: كانت ثاني رحلة لهذا الحجر من رشيد للقاهرة؛ حيث نُقِل بأوامر من "بونابرت" بعدما نسخت منه عدة نسخ لتوثيق نصوصه خشية فقدانها، ثم تصاعد ضغط الأسطول البريطاني على الفرنسيين؛ فاضطر الثاني للتفاوض مع الأول لإنهاء الحملة، وبموجب الاتفاقية احتفظ الفرنسيون بأبحاثهم ونسخهم واستولى الإنجليز على حجر رشيد، لتكون ثالت رحلة له مليئة بالاغتراب الكامل؛ إذ نُقِل إلى بريطانيا مع آثار مصريةٍ أخرى.
في منتصف الطريق: أدرك علماء بريطانيا أن تقييد هذا الحجر داخل متحف سيفقده صوته ودلالته، فصنعوا منه نُسخًا دقيقة وقوالب وطباعات بالحبر، وأُرسِلت إلى أشهر علماء اللغات القديمة في أوروبا؛ فاستطاعوا قراءة النص اليوناني وبقيت المعضلة في النَّصين الهيروغليفي والديموطيقي، ليضيء الجزء الأخير من الحجر كاشفًا عما وراءه ويبقى أول جُزأين معتمَين.
السر في الخرطوش: لاحظ الباحث الإنجليزي "توماس يونج" أن اسم الملك بطليموس الخامس تكرر في النصوص الثلاثة في إطار بيضاوي يسمى عند المصريين القدماء "بالخرطوش"؛ فافترض يونج أن هذا الإطار يحتوي على اسم بطليموس، وبمقارنة ترتيب الرموز بأصوات الاسم؛ اكتشف أن بعض الرموز ليست مجرد رسومات بل أصوات تُنطق، وهنا عثر على طرف الخيط لفك شفرة اللغة الهيروغليفية.
فك الشفرة: بعد سنوات جاءت مهمة العالم الفرنسي "جان فرانسوا شامبليون" الذي كان طفلًا وقت اكتشاف الحجر، واستكمل ما توصل إليه يونج، وبدأ بناء الأبجدية الهيروغليفية؛ ليكتشف أنها ليست مجرد حروف بل نظام كتابة عبقري يجمع رموزًا، بعضها يحمل معنًى وبعضها يمثل أصواتًا وأخرى لا تُنطق لكن توضح المعنى.
استغرق فك شفرته ثلاثة وعشرين عامًا، فأعلن شامبليون نجاحه عام (1822م)، وبه تم تأسيس علم المصريات، ففتح هذا الكشف الباب أمام علم جديد لدراسة تاريخ وحضارة مصر القديمة، كما أسهم في قراءة التراث والآثار، فساعد العلماءَ على ترجمة النصوص المكتوبة على الجدران والمعابد وأوراق البردي، كما أتاح فهمُ النصوص معرفةَ علوم القدماء، وآدابهم وتقاليدهم وتفاصيل حياتهم الاجتماعية والطبية، فكان حجر رشيد طرف خيط لعدة اكتشافات.
الحجر الرشيد جدًا: استخدم الدكتور مصطفى حجازي مُسمَّى هذا الحجر كعنوان لكتابه "حجر رشيد" الذي يضم خواطر ومقالات ومدونات من الواقع العربي والإنساني؛ ليصف ما يجري ولمعرفة لماذا يجري، ليظل الحجر الرشيد رمزًا لفهم أي غموض وفك أصعب الطلاسم.
الحجر المنفِي: رغم المطالبات المصرية المستمرة لإعادة الحجر؛ حتى الآن يقع هذا الحجر في المتحف البريطاني مغتربًا تحت وطأة رفض عودته بحجة معاهدة الإسكندرية التي عُقدت بين مستعمرين على أثرٍ لم تضع بلده الأم حبرًا على مُعاهدته؛ غريبٌ لكنه يفصح عن هويته المصرية بملامحه لكل زائر.