"أصل الأنواع".. الهرولة إلى العصر البشري الأخير
قائمة الستة جائزة نجيب محفوظ للقصة القصيرة 2026
بقلم: ياسمين عبدالقدوس
لا تسلك رواية "أصل الأنواع" لأحمد عبد اللطيف ـ ـ منشورات حياة، القائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ للقصة القصيرة 2026 ـ مسار علم "داروين" في ارتقاء الكائنات؛ بل تعكس الصورة أمام مرآة النفس البشرية. السرد لا يبني نسقًا مستقبليًا بقدر ما يستعرض انحلال الجسد البشري وتآكل المادة الشعورية في فضاء كابوسي يسبق الانقراض التام. فهو تآكل يلتهم هذه الحضارة وهي تبلغ أقصى سرعتها نحو ما تظنه تطورًا.
آلة تُبنى.. وإنسانٌ ينحلّ
في عمق هذه الرواية الفلسفية السوريالية، يطرح أحمد عبد اللطيف تساؤلًا مدويًا حول مصير الوجود البشري؛ ففي الوقت الذي يظن فيه العالم أن التطور الصناعي والتكنولوجي يجلب السعادة، يرى الكاتب أن الإنسان يذهب إلى مقبرته بنفسه، مُسوّيًا مشاعره حتى يمحو أثره بنفسه، وكأن مدّ الخيط "الدارواني" لنهايته يقودنا إلى التخلي عن الأطراف والعواطف تحولًا إلى آلة، بينما تُخلق الآلة المعدنية ذاتها على بقايا آخر عاطفة إنسانية؛ لتصبح – في مفارقة موجعة – أكثر إنسانية منا.
القاهرة: تشويه النسيج والذاكرة
تتخذ الرواية من جغرافيا القاهرة العتيقة مسرحًا ؛لحركتها البندولية بين جاردن سيتي والنيل وصولًا إلى مدائن الموتى. وليست جغرافيا القاهرة هنا مجرد خلفية أحداث، بل هي البطلة الموازية التي تتلقى ضربات "التطوير" الشكلي؛ فالقاهرة التاريخية بتفريعات أحيائها ومقابرها تخضع لتشوهات متلاحقة تبث مناخًا كابوسيًا يربط بين تآكل أجساد السكان وتآكل معالم المدينة نفسها.
التباين النفسي أمام الفقد
يتجلى تآكل الأجساد في السرد عبر شخصيتَي بتشان وناريمان، حيث تبدأ الأطراف بالاختفاء وتتلاشى النهود ويسقط الشعر:
ناريمان: القادمة من ثقل الشعور بالذنب وعدم تقدير الذات، تقرأ هذا الفقد القاسي كنوع من العقاب الكفّاري عن خطايا الماضي، فتُحوّل اللحظة إلى محاولة للتطهر.
بتشان: يستجيب ببرود وسخرية عدمية؛ فهو الذي يرى أنه قد صفى حساباته القديمة ولا يطمع إلا في لذات الحياة البسيطة، متقبلاً الجمود كأمر واقع لا يستدعي حتى الهلع.
النياندرتال والسلطة: متوالية إنكار الواقع
يتجسد البُعد السياسي والنقدي للرواية في المشهد المثير لدخول "البناية السوداء" لمقابلة "جلال بيه"، ففي الوقت الذي تتضخم فيه أجساد حراس السلطة وأصابعهم لتشبه إنسان "النياندرتال" البدائي، تواجه السلطة حقيقة تآكل أجساد الشارع بعبارة واحدة حاسمة: "دي إشاعات".
يرى الكاتب أن هذه الفجوة تُظهر ميل السلطة الأبدي للعزلة في برجها العاجي، والتعامي عن تحولات الشارع؛ حيث تظل متوالية القوة المفرطة تُمارَس ببدائية كلما فقد المواطنون أطرافهم وقدرتهم على التأثير، ولذلك فإن المجتمعات بحاجة إلى نظام سياسي ديمقراطي يُذكِّر السلطة بمدة صلاحية الحكم، وأنهم موظفون لدى المواطن، فالسلطة في نظره – أي الكاتب – داء والنجاة منه والشفاء يكمن في تذكير أهلها بالشعب والناس وقدرة الشارع على الانتفاض.
الفطرة المتبقية والانقراض الذاتي
وسط هذا الجمود البشري المطبق، الحيوانات في السرد – كمشهد الأم الكلبة التي ترضع صغارها – تقف كحارسٍ أخير على باب الفطرة، فالحيوانات لم تساهم في هوس "التطور" البشري ؛ولذلك تظل محتفظة بحنانها وذكائها الفطري.
تأتي الرواية لتستشرف أن انقراض الإنسان لن ينجم عن ضعفه، بل عن قدرته الفائقة على الهدم وتخليه الإرادي عن المشاعر والأخلاق؛ إن السير نحو عصر "ما بعد الإنسان" يبدأ من تجميد العاطفة الذي يؤدي لتآكل الأجساد، والذي يتبعه ظهور النياندرتال الذي يُسيطر على الأجهزة السيادية.
أو كما قال الكاتب أحمد عبد اللطيف:
"ربما أن السلطة بالأصل في مرحلة سابقة من التاريخ، يدخلها الناس بني آدميين عاديين ثم تصيبهم البدائية، وربما كلما فقدنا أصابعنا كمواطنين كبرت أصابع الحكومات"
لتصبح رواية "أصل الأنواع" جرسًا لباب الفطرة الإنسانية الذي يبني التطور على أنقاضها مدينة المستقبل.
آلة تُبنى.. وإنسانٌ ينحلّ
في عمق هذه الرواية الفلسفية السوريالية، يطرح أحمد عبد اللطيف تساؤلًا مدويًا حول مصير الوجود البشري؛ ففي الوقت الذي يظن فيه العالم أن التطور الصناعي والتكنولوجي يجلب السعادة، يرى الكاتب أن الإنسان يذهب إلى مقبرته بنفسه، مُسوّيًا مشاعره حتى يمحو أثره بنفسه، وكأن مدّ الخيط "الدارواني" لنهايته يقودنا إلى التخلي عن الأطراف والعواطف تحولًا إلى آلة، بينما تُخلق الآلة المعدنية ذاتها على بقايا آخر عاطفة إنسانية؛ لتصبح – في مفارقة موجعة – أكثر إنسانية منا.
القاهرة: تشويه النسيج والذاكرة
تتخذ الرواية من جغرافيا القاهرة العتيقة مسرحًا ؛لحركتها البندولية بين جاردن سيتي والنيل وصولًا إلى مدائن الموتى. وليست جغرافيا القاهرة هنا مجرد خلفية أحداث، بل هي البطلة الموازية التي تتلقى ضربات "التطوير" الشكلي؛ فالقاهرة التاريخية بتفريعات أحيائها ومقابرها تخضع لتشوهات متلاحقة تبث مناخًا كابوسيًا يربط بين تآكل أجساد السكان وتآكل معالم المدينة نفسها.
التباين النفسي أمام الفقد
يتجلى تآكل الأجساد في السرد عبر شخصيتَي بتشان وناريمان، حيث تبدأ الأطراف بالاختفاء وتتلاشى النهود ويسقط الشعر:
ناريمان: القادمة من ثقل الشعور بالذنب وعدم تقدير الذات، تقرأ هذا الفقد القاسي كنوع من العقاب الكفّاري عن خطايا الماضي، فتُحوّل اللحظة إلى محاولة للتطهر.
بتشان: يستجيب ببرود وسخرية عدمية؛ فهو الذي يرى أنه قد صفى حساباته القديمة ولا يطمع إلا في لذات الحياة البسيطة، متقبلاً الجمود كأمر واقع لا يستدعي حتى الهلع.
النياندرتال والسلطة: متوالية إنكار الواقع
يتجسد البُعد السياسي والنقدي للرواية في المشهد المثير لدخول "البناية السوداء" لمقابلة "جلال بيه"، ففي الوقت الذي تتضخم فيه أجساد حراس السلطة وأصابعهم لتشبه إنسان "النياندرتال" البدائي، تواجه السلطة حقيقة تآكل أجساد الشارع بعبارة واحدة حاسمة: "دي إشاعات".
يرى الكاتب أن هذه الفجوة تُظهر ميل السلطة الأبدي للعزلة في برجها العاجي، والتعامي عن تحولات الشارع؛ حيث تظل متوالية القوة المفرطة تُمارَس ببدائية كلما فقد المواطنون أطرافهم وقدرتهم على التأثير، ولذلك فإن المجتمعات بحاجة إلى نظام سياسي ديمقراطي يُذكِّر السلطة بمدة صلاحية الحكم، وأنهم موظفون لدى المواطن، فالسلطة في نظره – أي الكاتب – داء والنجاة منه والشفاء يكمن في تذكير أهلها بالشعب والناس وقدرة الشارع على الانتفاض.
الفطرة المتبقية والانقراض الذاتي
وسط هذا الجمود البشري المطبق، الحيوانات في السرد – كمشهد الأم الكلبة التي ترضع صغارها – تقف كحارسٍ أخير على باب الفطرة، فالحيوانات لم تساهم في هوس "التطور" البشري ؛ولذلك تظل محتفظة بحنانها وذكائها الفطري.
تأتي الرواية لتستشرف أن انقراض الإنسان لن ينجم عن ضعفه، بل عن قدرته الفائقة على الهدم وتخليه الإرادي عن المشاعر والأخلاق؛ إن السير نحو عصر "ما بعد الإنسان" يبدأ من تجميد العاطفة الذي يؤدي لتآكل الأجساد، والذي يتبعه ظهور النياندرتال الذي يُسيطر على الأجهزة السيادية.
أو كما قال الكاتب أحمد عبد اللطيف:
"ربما أن السلطة بالأصل في مرحلة سابقة من التاريخ، يدخلها الناس بني آدميين عاديين ثم تصيبهم البدائية، وربما كلما فقدنا أصابعنا كمواطنين كبرت أصابع الحكومات"
لتصبح رواية "أصل الأنواع" جرسًا لباب الفطرة الإنسانية الذي يبني التطور على أنقاضها مدينة المستقبل.