تحولات الرواية العربية: من الواقعية المباشرة إلى الفنتازيا والواقعية السحرية.
بقلم: ملك الكفراوي
ما الرواية إلا محاولةٌ قديمةٌ لأن يُمسك الإنسانُ بالعالم قبل أن يفلت من يدِه، أن يضع للزمن وجهًا، وللأمكنة ذاكرةً، وللأيام التي تمضي بلا التفاتٍ أثرًا لا تمحوه العَجَلة. ولعلّ الحكاية، منذ أن عرف الإنسان كيف يروي، لم تكن سوى احتجاجٍ خافتٍ على فناء الأشياء، فحين يعجز المرء عن ردّ ما انقضى، يستبقيه في الكلام، وحين تضيق به حقيقة العالم، يوسّعها بالخيال.
ولذلك لم تكن الرواية العربية، في أطوار نشأتها الأولى، بعيدةً عن الأرض التي مشت عليها، فقد فتحت عينيها على الأزقّة والحارات، وعلى البيوت التي تختزن أسرار أهلها، وعلى الفلاح والعامل والموظف والفقير والمهمَّش، وعلى المدن وهي تتبدّل تحت وطأة السياسة والتاريخ. كانت تضع الواقع أمامها كما لو أنها تريد أن تقول: ها هو العالم، وهذه وجوهه، وهذه جراحه التي لا ينبغي أن تُوارى وراء البلاغة.
غير أن الواقع، كلما أمعنت الرواية في النظر إليه، بدا أقلَّ استقامةً مما توهمته العين الأولى. فما يُرى ليس دائمًا هو ما يحدث، وما يحدث ليس بالضرورة هو الحقيقة كلها. خلف الحادثة تاريخٌ مستتر، وخلف الذاكرة أسطورة، وخلف الخرافة خوفٌ قديم، وخلف اليوميّ العابر عوالم كاملة لا تبلغها عينٌ تكتفي بظاهر الأشياء. وحين عجزت الواقعية المباشرة عن استيعاب هذا الركام من المرئي والمخفي، لم تتخلَّ الرواية العربية عن الواقع، بل أخذت تبحث له عن لغةٍ أوسع.
من هنا، بدأت الرحلة من الواقع الذي يُحكى كما يبدو، إلى الواقع الذي يُستكشف بما وراء ظهوره. فدخل الحلم إلى السرد، واستيقظت الأسطورة من رقادها، وتداخل العجيب بالمألوف، وغدا الخيال أداةً للنظر لا ستارًا للهروب. وفي هذا التحول لم تعد الرواية تسأل فقط عن ماذا حدث؟ وإنما أخذت تسأل سؤالًا أشدّ غورًا: ماذا يكمن وراء ما حدث؟
وهكذا، فإن انتقال الرواية العربية من الواقعية المباشرة إلى الفنتازيا والواقعية السحرية ليس قطيعةً بين واقعٍ وخيال، بقدر ما هو تحوّلٌ في طريقة النظر إلى الحقيقة نفسها، إذ أدرك السرد، شيئًا فشيئًا، أن للواقع وجوهًا لا تظهر إلا حين نسمح للخيال أن يضيء عتماته.
وإذا كان السرد العربي قد انتهى إلى هذه الرحابة في النظر، فلا بدّ أن نعود إلى اللحظة التي كان فيها الواقع نفسه هو نقطة البدء ومنتهى النظر؛ إلى زمنٍ كانت الرواية فيه تقترب من الحياة اقتراب الشاهد من مشهده، فتلتقط تفاصيلها، وترصد تحوّلاتها، وتضع الإنسان في قلب شبكةٍ من الظروف الاجتماعية والتاريخية التي تصوغ مصيره.
لم تكن الواقعية في الرواية العربية مجرّد ولعٍ بتسجيل التفاصيل اليومية، ولا رغبةً في استنساخ الحياة كما تقع أمام العين، وإنما كانت في جوهرها محاولةً لفهم الإنسان من خلال العالم الذي أنجبه. فالإنسان الواقعي لا يعيش معزولًا عن طبقته وبيئته وعصره، ومن ثمّ أصبحت الحارة والقرية والمدينة والأسرة والعمل والفقر والثراء والصراع الاجتماعي والسياسي عناصرَ أساسيةً في بناء الحكاية. وكان الروائي ينظر إلى المجتمع بوصفه نصًّا آخر ينبغي قراءته، وإلى الشخصية بوصفها ثمرةً لتاريخٍ وظروفٍ لا تستطيع أن تنفصل عنها.
ولعلّ تجربة نجيب محفوظ تمثّل إحدى أكثر المحطات رسوخًا في هذا المسار، إذ جعل من الحياة المصرية اليومية مادةً روائيةً واسعة، وحوّل الحارة من حيّزٍ جغرافي ضيّق إلى عالمٍ تتقاطع فيه الطبقات والرغبات والمصائر، بحيث لا يعود المكان مجرّد خلفية للأحداث، بل يصبح جزءًا من تشكيل الشخصيات وفهمها. ففي القاهرة الجديدة وخان الخليلي والثلاثية، على سبيل المثال، يتجاور الخاص والعام، مصائر الأفراد في مواجهة تحولات المجتمع، وأحلام الإنسان الصغيرة في مواجهة حركة التاريخ الكبيرة.
وكانت قوة هذه الواقعية في أنها لم تكن تكتفي بوصف ما يقع، بل كانت تستبطنه، فالفقر ليس مجرد حالةٍ اقتصادية، والبيت ليس أربعة جدران، والحارة ليست مجموعة أزقة، والسياسة ليست خبرًا عابرًا في صحيفة. وراء كل ذلك بنيةٌ من العلاقات والقيم والسلطة والخوف والرغبة. ومن ثمّ كانت الرواية الواقعية تحاول أن تجعل من التفاصيل اليومية مفاتيحَ لفهم عالمٍ أكبر منها.
غير أن هذا الاقتراب الشديد من الواقع حمل في داخله، على نحوٍ خفي، بذرةَ تجاوزه. فكلما تعمّقت الرواية في الإنسان، اكتشفت أن حياته لا تُفسَّر بما هو ظاهرٌ وحده، وأن الذاكرة والخوف والحلم والموروث الشعبي والأسطورة، بل وما يختبئ في الوعي الجمعي، تشارك جميعًا في تشكيل الحقيقة. وهنا بدأ السؤال الذي سيقود الرواية إلى منعطفٍ آخر:
إذا كان الواقع أكثر اتساعًا من ظاهره، فهل تكفي الأدوات الواقعية وحدها للكشف عنه؟
من هذه العتبة تحديدًا بدأت الرواية العربية توسّع حدودها، فلم تعد تكتفي بأن تنقل العالم، وإنما راحت تبحث عن طرائق أخرى لرؤيته، وعن لغةٍ تستطيع أن تقول ما تعجز الواقعية المباشرة عن قوله. ومن رحم هذا السعي، أخذ الخيال يستعيد مكانه في السرد، لا بوصفه نقيضًا للحقيقة، وإنما بوصفه إحدى طرائق الوصول إليها.
لم يكن جواب السؤال السابق في التخلي عن الواقع، وإنما في إعادة النظر إلى حدوده. فقد أخذ الروائي يكتشف، مع اتساع تجربته، أن الحياة الإنسانية لا تجري كلها في وضح النهار، ثمة ما تصنعه الذاكرة، وما تخبئه النفس، وما تورثه الجماعة من حكايات ومخاوف ومعتقدات، وما يبقى من الماضي حيًّا في الحاضر وإن غابت آثاره عن العين.
ومن هنا اتسعت الرواية العربية في أدواتها وطرائق بنائها. لم يعد الزمن بالضرورة خطًّا مستقيمًا يمضي من ماضٍ إلى حاضر ثم إلى مستقبل، فقد يعود الماضي في ومضة ذاكرة أو يتكرر في صورة حلم أو يستيقظ في شخصيةٍ تحمل تاريخًا لم تعشه بنفسها. وأصبح المكان يحمل أكثر من جغرافيته، فالقرية قد تكون ذاكرةً جمعية، والصحراء قد تغدو عالمًا من الرموز، والبيت قد يحتفظ بأصداء الذين عبروا عتبته حتى بعد أن يغادروا.
وفي هذا التحول أخذت الحكاية الشعبية والأسطورة والموروث الشفهي تستعيد حضورها داخل الرواية. وهذه العودة لم تكن زينةً سردية أو رغبةً في إضفاء الغرابة على النص، وإنما جاءت من صميم التجربة العربية نفسها، فالمخيال الشعبي جزء من الطريقة التي فهمت بها مجتمعاتنا الموت والحياة، والخير والشر، والقدر، والطبيعة، والمجهول. وحين استدعاها الروائي، كان يستدعي طبقةً عميقة من الوعي الجمعي، طبقةً سبقت الرواية الحديثة وظلت حاضرةً في الذاكرة وإن تغيّرت أشكالها.
وهكذا بدأ الواقع الروائي يتسع شيئًا فشيئًا ليضم ما لا تستطيع العين وحدها أن تثبته. صار الحلم قابلًا لأن يكون مفتاحًا لفهم شخصية، والأسطورة قادرةً على تفسير حاضرٍ مضطرب، والخرافة حاملةً لمعنى اجتماعي أو نفسي، والعجيب وسيلةً للكشف عن حقيقةٍ قد يكون الواقع المألوف عاجزًا عن التعبير عنها.
وفي هذا السياق ظهرت الفنتازيا بوصفها إحدى الأدوات التي منحت الرواية العربية مجالًا أرحب للحركة. فالخيال لم يعد نقيضًا للواقع، صار قادرًا على مساءلته وتعريته وإعادة تركيبه. وقد تسمح الحكاية لحدثٍ مستحيل أن يقع، ثم تترك القارئ أمام سؤالٍ أكثر واقعية من الحدث نفسه:
لماذا نحتاج إلى المستحيل كي نقول ما نعجز عن قوله في عالمنا المألوف؟
هنا تحديدًا أخذت الحدود بين الواقعي والعجائبي تلين، فكلما ازداد الواقع قسوةً وتعقيدًا ازدادت حاجة السرد إلى لغةٍ تستطيع أن تحتمل تناقضاته. ومن هذه المنطقة الملتبسة، حيث يجلس الواقعي إلى جوار العجيب دون أن يطرد أحدهما الآخر، ستتبلور إحدى أكثر الظواهر إثارةً في الرواية العربية الحديثة، ألا وهي الواقعية السحرية.
في هذه المنطقة الفاصلة بين المألوف والعجيب، أخذت الرواية العربية تكتشف إمكانًا جديدًا للسرد، إمكانًا يسمح للحقيقة بأن تظهر في أكثر من صورة، وللواقع بأن يحتفظ بما فيه من غرابة دون أن يفقد ملامحه. ومن هنا برزت الواقعية السحرية، حيث يتجاور اليومي والعجائبي داخل العالم الروائي نفسه، ويُستقبل الحدث الخارق بقدر من الألفة يجعله جزءًا من نسيج الحياة، لا خروجًا كاملًا عنها. ويكتسب هذا الأسلوب خصوصيته حين تتداخل الذاكرة الشعبية والأسطورة والمعتقد والموروث مع التجربة المعاصرة، فيصبح العجيب لغةً أخرى للواقع.
وفي الرواية العربية، اتخذت هذه النزعة صورًا متعددة تبعًا لاختلاف البيئات والتجارب. ويبرز إبراهيم الكوني نموذجًا دالًّا على هذا المسار، ولا سيما في التبر ونزيف الحجر، حيث تتشابك الصحراء بالأسطورة، ويتداخل عالم الإنسان بعالم الحيوان والطبيعة، وتكتسب الأشياء المحيطة بالشخصيات ذاكرةً وحضورًا يتجاوزان وظيفتها المادية. وفي هذا العالم الروائي لا تأتي الصحراء مجرد مكان تجري فيه الأحداث، إنها كائن حيّ له قوانينه وذاكرته وروحه، ولذلك يصبح العجيب امتدادًا طبيعيًا لرؤية الإنسان إلى الكون من حوله.
وتتجلى أهمية هذا التحول في أن الرواية العربية لم تعد مضطرة إلى الاختيار بين الواقع والخيال، فقد صار الخيال إحدى وسائل قراءة الواقع، وصارت الأسطورة والموروث والفنتازيا قادرةً على حمل أسئلة الإنسان العربي عن المكان والهوية والذاكرة والمصير. وهكذا تتسع الرواية كلما اتسعت حاجتنا إلى فهم ما يحيط بنا، حتى تغدو الحكاية في أحيان كثيرة أكثر قدرة على قول الحقيقة حين تتخفف من صورتها المباشرة.
ولعل هذا هو المسار الأعمق الذي قطعته الرواية العربية، بدأت وهي تنظر إلى العالم بعينٍ ترصد تفاصيله، ثم أخذت تنظر إلى ما وراء تلك التفاصيل، حتى صار الواقع نفسه فضاءً تتجاور فيه الحقيقة والحلم والأسطورة والذاكرة. ومن ثمّ فإن انتقالها من الواقعية المباشرة إلى الفنتازيا والواقعية السحرية يكشف تطورًا في أدوات التعبير بقدر ما يكشف تحولًا في الوعي، فالرواية لم تغادر الواقع حين فتحت أبوابها للخيال، بل عادت إليه من طريقٍ آخر، أكثر اتساعًا وأعمق غورًا.
وهكذا لم تكن تحولات الرواية العربية انتقالًا من ضفة الواقع إلى ضفة الخيال، فقد ظل الواقع حاضرًا في قلب التجربة، وإن تبدلت الطريقة التي تنظر بها الرواية إليه. بدأت الحكاية من الشارع والحارة والبيت والقرية، ثم أخذت تتوغل في الذاكرة والأسطورة والحلم والمخيال الجمعي، حتى صار العالم الروائي أكثر رحابة من صورته الظاهرة، وصارت الحقيقة قابلةً لأن تُرى في التفاصيل اليومية كما تُرى في أكثر الحكايات غرابة.
إن الرواية العربية، في مسيرتها الطويلة، لم تتخلَّ عن مهمتها الأولى ألا وهي الاقتراب من الإنسان ومحاولة فهم العالم الذي يعيش فيه. غير أن الإنسان نفسه ظل أوسع من أن تحيط به واقعية واحدة؛ له ذاكرة تتنازعها الأزمنة، ومخيلة تحفظ ما يعجز التاريخ عن حفظه، وأحلام ومخاوف وموروثات تتسلل إلى حياته دون أن تستأذن الواقع في الدخول. ومن هنا جاء اتساع الرواية، وجاء الخيال بوصفه أداةً جديدة لرؤية ما كان مستترًا خلف المألوف.
ولعل أجمل ما انتهت إليه الرواية العربية أن الواقع لم يعد فيها مجرد مادةٍ للحكاية، وإنما صار سؤالًا مفتوحًا تتعدد طرق الاقتراب منه. فإذا كانت الواقعية قد علّمت الرواية أن تنصت إلى نبض الحياة، فقد علّمها الخيال أن تصغي أيضًا إلى ما يخفت تحت ذلك النبض. وبين الاثنين ظلّت الرواية تبحث عن الحقيقة، تارةً في وجه الإنسان، وتارةً في ذاكرته، وتارةً في أسطورةٍ قديمة، حتى بدا أن الخيال نفسه ليس إلا طريقًا آخر للعودة إلى الواقع.
وهكذا تعود الرواية، بعد كل هذا الرحيل، إلى النقطة التي بدأت منها، إلى الإنسان والعالم. غير أنها تعود إليهما بعينٍ أكثر اتساعًا، ترى ما يظهر، وما يتخفى وراء ظهوره، وتدرك أن الحقيقة قد تسكن أحيانًا في أكثر المواضع التي نظنها خيالًا.
وفي النهاية، لعلّ الرواية لا تملك العالم كما تملك المرآة وجهًا، إنها تعيد خلقه كلما ظننا أننا عرفناه. تضع الواقع تحت ضوء الحكاية، فتظهر له ظلالٌ لم نرها من قبل، وتفتح للخيال بابًا يعود منه إلى الحقيقة محمّلًا بما عجز الواقع وحده عن قوله.
ولذلك، حين تنتهي الرواية، لا يكون العالم قد انتهى معها، إنما يكون قد تغيّر قليلًا في أعيننا. وهذا في جوهره سرُّ الحكاية منذ وُجدت، أن تجعلنا نغادر الصفحة ونحن نحمل العالم نفسه، لكننا لم نعد نراه بالعين التي دخلنا بها.
ولذلك لم تكن الرواية العربية، في أطوار نشأتها الأولى، بعيدةً عن الأرض التي مشت عليها، فقد فتحت عينيها على الأزقّة والحارات، وعلى البيوت التي تختزن أسرار أهلها، وعلى الفلاح والعامل والموظف والفقير والمهمَّش، وعلى المدن وهي تتبدّل تحت وطأة السياسة والتاريخ. كانت تضع الواقع أمامها كما لو أنها تريد أن تقول: ها هو العالم، وهذه وجوهه، وهذه جراحه التي لا ينبغي أن تُوارى وراء البلاغة.
غير أن الواقع، كلما أمعنت الرواية في النظر إليه، بدا أقلَّ استقامةً مما توهمته العين الأولى. فما يُرى ليس دائمًا هو ما يحدث، وما يحدث ليس بالضرورة هو الحقيقة كلها. خلف الحادثة تاريخٌ مستتر، وخلف الذاكرة أسطورة، وخلف الخرافة خوفٌ قديم، وخلف اليوميّ العابر عوالم كاملة لا تبلغها عينٌ تكتفي بظاهر الأشياء. وحين عجزت الواقعية المباشرة عن استيعاب هذا الركام من المرئي والمخفي، لم تتخلَّ الرواية العربية عن الواقع، بل أخذت تبحث له عن لغةٍ أوسع.
من هنا، بدأت الرحلة من الواقع الذي يُحكى كما يبدو، إلى الواقع الذي يُستكشف بما وراء ظهوره. فدخل الحلم إلى السرد، واستيقظت الأسطورة من رقادها، وتداخل العجيب بالمألوف، وغدا الخيال أداةً للنظر لا ستارًا للهروب. وفي هذا التحول لم تعد الرواية تسأل فقط عن ماذا حدث؟ وإنما أخذت تسأل سؤالًا أشدّ غورًا: ماذا يكمن وراء ما حدث؟
وهكذا، فإن انتقال الرواية العربية من الواقعية المباشرة إلى الفنتازيا والواقعية السحرية ليس قطيعةً بين واقعٍ وخيال، بقدر ما هو تحوّلٌ في طريقة النظر إلى الحقيقة نفسها، إذ أدرك السرد، شيئًا فشيئًا، أن للواقع وجوهًا لا تظهر إلا حين نسمح للخيال أن يضيء عتماته.
وإذا كان السرد العربي قد انتهى إلى هذه الرحابة في النظر، فلا بدّ أن نعود إلى اللحظة التي كان فيها الواقع نفسه هو نقطة البدء ومنتهى النظر؛ إلى زمنٍ كانت الرواية فيه تقترب من الحياة اقتراب الشاهد من مشهده، فتلتقط تفاصيلها، وترصد تحوّلاتها، وتضع الإنسان في قلب شبكةٍ من الظروف الاجتماعية والتاريخية التي تصوغ مصيره.
لم تكن الواقعية في الرواية العربية مجرّد ولعٍ بتسجيل التفاصيل اليومية، ولا رغبةً في استنساخ الحياة كما تقع أمام العين، وإنما كانت في جوهرها محاولةً لفهم الإنسان من خلال العالم الذي أنجبه. فالإنسان الواقعي لا يعيش معزولًا عن طبقته وبيئته وعصره، ومن ثمّ أصبحت الحارة والقرية والمدينة والأسرة والعمل والفقر والثراء والصراع الاجتماعي والسياسي عناصرَ أساسيةً في بناء الحكاية. وكان الروائي ينظر إلى المجتمع بوصفه نصًّا آخر ينبغي قراءته، وإلى الشخصية بوصفها ثمرةً لتاريخٍ وظروفٍ لا تستطيع أن تنفصل عنها.
ولعلّ تجربة نجيب محفوظ تمثّل إحدى أكثر المحطات رسوخًا في هذا المسار، إذ جعل من الحياة المصرية اليومية مادةً روائيةً واسعة، وحوّل الحارة من حيّزٍ جغرافي ضيّق إلى عالمٍ تتقاطع فيه الطبقات والرغبات والمصائر، بحيث لا يعود المكان مجرّد خلفية للأحداث، بل يصبح جزءًا من تشكيل الشخصيات وفهمها. ففي القاهرة الجديدة وخان الخليلي والثلاثية، على سبيل المثال، يتجاور الخاص والعام، مصائر الأفراد في مواجهة تحولات المجتمع، وأحلام الإنسان الصغيرة في مواجهة حركة التاريخ الكبيرة.
وكانت قوة هذه الواقعية في أنها لم تكن تكتفي بوصف ما يقع، بل كانت تستبطنه، فالفقر ليس مجرد حالةٍ اقتصادية، والبيت ليس أربعة جدران، والحارة ليست مجموعة أزقة، والسياسة ليست خبرًا عابرًا في صحيفة. وراء كل ذلك بنيةٌ من العلاقات والقيم والسلطة والخوف والرغبة. ومن ثمّ كانت الرواية الواقعية تحاول أن تجعل من التفاصيل اليومية مفاتيحَ لفهم عالمٍ أكبر منها.
غير أن هذا الاقتراب الشديد من الواقع حمل في داخله، على نحوٍ خفي، بذرةَ تجاوزه. فكلما تعمّقت الرواية في الإنسان، اكتشفت أن حياته لا تُفسَّر بما هو ظاهرٌ وحده، وأن الذاكرة والخوف والحلم والموروث الشعبي والأسطورة، بل وما يختبئ في الوعي الجمعي، تشارك جميعًا في تشكيل الحقيقة. وهنا بدأ السؤال الذي سيقود الرواية إلى منعطفٍ آخر:
إذا كان الواقع أكثر اتساعًا من ظاهره، فهل تكفي الأدوات الواقعية وحدها للكشف عنه؟
من هذه العتبة تحديدًا بدأت الرواية العربية توسّع حدودها، فلم تعد تكتفي بأن تنقل العالم، وإنما راحت تبحث عن طرائق أخرى لرؤيته، وعن لغةٍ تستطيع أن تقول ما تعجز الواقعية المباشرة عن قوله. ومن رحم هذا السعي، أخذ الخيال يستعيد مكانه في السرد، لا بوصفه نقيضًا للحقيقة، وإنما بوصفه إحدى طرائق الوصول إليها.
لم يكن جواب السؤال السابق في التخلي عن الواقع، وإنما في إعادة النظر إلى حدوده. فقد أخذ الروائي يكتشف، مع اتساع تجربته، أن الحياة الإنسانية لا تجري كلها في وضح النهار، ثمة ما تصنعه الذاكرة، وما تخبئه النفس، وما تورثه الجماعة من حكايات ومخاوف ومعتقدات، وما يبقى من الماضي حيًّا في الحاضر وإن غابت آثاره عن العين.
ومن هنا اتسعت الرواية العربية في أدواتها وطرائق بنائها. لم يعد الزمن بالضرورة خطًّا مستقيمًا يمضي من ماضٍ إلى حاضر ثم إلى مستقبل، فقد يعود الماضي في ومضة ذاكرة أو يتكرر في صورة حلم أو يستيقظ في شخصيةٍ تحمل تاريخًا لم تعشه بنفسها. وأصبح المكان يحمل أكثر من جغرافيته، فالقرية قد تكون ذاكرةً جمعية، والصحراء قد تغدو عالمًا من الرموز، والبيت قد يحتفظ بأصداء الذين عبروا عتبته حتى بعد أن يغادروا.
وفي هذا التحول أخذت الحكاية الشعبية والأسطورة والموروث الشفهي تستعيد حضورها داخل الرواية. وهذه العودة لم تكن زينةً سردية أو رغبةً في إضفاء الغرابة على النص، وإنما جاءت من صميم التجربة العربية نفسها، فالمخيال الشعبي جزء من الطريقة التي فهمت بها مجتمعاتنا الموت والحياة، والخير والشر، والقدر، والطبيعة، والمجهول. وحين استدعاها الروائي، كان يستدعي طبقةً عميقة من الوعي الجمعي، طبقةً سبقت الرواية الحديثة وظلت حاضرةً في الذاكرة وإن تغيّرت أشكالها.
وهكذا بدأ الواقع الروائي يتسع شيئًا فشيئًا ليضم ما لا تستطيع العين وحدها أن تثبته. صار الحلم قابلًا لأن يكون مفتاحًا لفهم شخصية، والأسطورة قادرةً على تفسير حاضرٍ مضطرب، والخرافة حاملةً لمعنى اجتماعي أو نفسي، والعجيب وسيلةً للكشف عن حقيقةٍ قد يكون الواقع المألوف عاجزًا عن التعبير عنها.
وفي هذا السياق ظهرت الفنتازيا بوصفها إحدى الأدوات التي منحت الرواية العربية مجالًا أرحب للحركة. فالخيال لم يعد نقيضًا للواقع، صار قادرًا على مساءلته وتعريته وإعادة تركيبه. وقد تسمح الحكاية لحدثٍ مستحيل أن يقع، ثم تترك القارئ أمام سؤالٍ أكثر واقعية من الحدث نفسه:
لماذا نحتاج إلى المستحيل كي نقول ما نعجز عن قوله في عالمنا المألوف؟
هنا تحديدًا أخذت الحدود بين الواقعي والعجائبي تلين، فكلما ازداد الواقع قسوةً وتعقيدًا ازدادت حاجة السرد إلى لغةٍ تستطيع أن تحتمل تناقضاته. ومن هذه المنطقة الملتبسة، حيث يجلس الواقعي إلى جوار العجيب دون أن يطرد أحدهما الآخر، ستتبلور إحدى أكثر الظواهر إثارةً في الرواية العربية الحديثة، ألا وهي الواقعية السحرية.
في هذه المنطقة الفاصلة بين المألوف والعجيب، أخذت الرواية العربية تكتشف إمكانًا جديدًا للسرد، إمكانًا يسمح للحقيقة بأن تظهر في أكثر من صورة، وللواقع بأن يحتفظ بما فيه من غرابة دون أن يفقد ملامحه. ومن هنا برزت الواقعية السحرية، حيث يتجاور اليومي والعجائبي داخل العالم الروائي نفسه، ويُستقبل الحدث الخارق بقدر من الألفة يجعله جزءًا من نسيج الحياة، لا خروجًا كاملًا عنها. ويكتسب هذا الأسلوب خصوصيته حين تتداخل الذاكرة الشعبية والأسطورة والمعتقد والموروث مع التجربة المعاصرة، فيصبح العجيب لغةً أخرى للواقع.
وفي الرواية العربية، اتخذت هذه النزعة صورًا متعددة تبعًا لاختلاف البيئات والتجارب. ويبرز إبراهيم الكوني نموذجًا دالًّا على هذا المسار، ولا سيما في التبر ونزيف الحجر، حيث تتشابك الصحراء بالأسطورة، ويتداخل عالم الإنسان بعالم الحيوان والطبيعة، وتكتسب الأشياء المحيطة بالشخصيات ذاكرةً وحضورًا يتجاوزان وظيفتها المادية. وفي هذا العالم الروائي لا تأتي الصحراء مجرد مكان تجري فيه الأحداث، إنها كائن حيّ له قوانينه وذاكرته وروحه، ولذلك يصبح العجيب امتدادًا طبيعيًا لرؤية الإنسان إلى الكون من حوله.
وتتجلى أهمية هذا التحول في أن الرواية العربية لم تعد مضطرة إلى الاختيار بين الواقع والخيال، فقد صار الخيال إحدى وسائل قراءة الواقع، وصارت الأسطورة والموروث والفنتازيا قادرةً على حمل أسئلة الإنسان العربي عن المكان والهوية والذاكرة والمصير. وهكذا تتسع الرواية كلما اتسعت حاجتنا إلى فهم ما يحيط بنا، حتى تغدو الحكاية في أحيان كثيرة أكثر قدرة على قول الحقيقة حين تتخفف من صورتها المباشرة.
ولعل هذا هو المسار الأعمق الذي قطعته الرواية العربية، بدأت وهي تنظر إلى العالم بعينٍ ترصد تفاصيله، ثم أخذت تنظر إلى ما وراء تلك التفاصيل، حتى صار الواقع نفسه فضاءً تتجاور فيه الحقيقة والحلم والأسطورة والذاكرة. ومن ثمّ فإن انتقالها من الواقعية المباشرة إلى الفنتازيا والواقعية السحرية يكشف تطورًا في أدوات التعبير بقدر ما يكشف تحولًا في الوعي، فالرواية لم تغادر الواقع حين فتحت أبوابها للخيال، بل عادت إليه من طريقٍ آخر، أكثر اتساعًا وأعمق غورًا.
وهكذا لم تكن تحولات الرواية العربية انتقالًا من ضفة الواقع إلى ضفة الخيال، فقد ظل الواقع حاضرًا في قلب التجربة، وإن تبدلت الطريقة التي تنظر بها الرواية إليه. بدأت الحكاية من الشارع والحارة والبيت والقرية، ثم أخذت تتوغل في الذاكرة والأسطورة والحلم والمخيال الجمعي، حتى صار العالم الروائي أكثر رحابة من صورته الظاهرة، وصارت الحقيقة قابلةً لأن تُرى في التفاصيل اليومية كما تُرى في أكثر الحكايات غرابة.
إن الرواية العربية، في مسيرتها الطويلة، لم تتخلَّ عن مهمتها الأولى ألا وهي الاقتراب من الإنسان ومحاولة فهم العالم الذي يعيش فيه. غير أن الإنسان نفسه ظل أوسع من أن تحيط به واقعية واحدة؛ له ذاكرة تتنازعها الأزمنة، ومخيلة تحفظ ما يعجز التاريخ عن حفظه، وأحلام ومخاوف وموروثات تتسلل إلى حياته دون أن تستأذن الواقع في الدخول. ومن هنا جاء اتساع الرواية، وجاء الخيال بوصفه أداةً جديدة لرؤية ما كان مستترًا خلف المألوف.
ولعل أجمل ما انتهت إليه الرواية العربية أن الواقع لم يعد فيها مجرد مادةٍ للحكاية، وإنما صار سؤالًا مفتوحًا تتعدد طرق الاقتراب منه. فإذا كانت الواقعية قد علّمت الرواية أن تنصت إلى نبض الحياة، فقد علّمها الخيال أن تصغي أيضًا إلى ما يخفت تحت ذلك النبض. وبين الاثنين ظلّت الرواية تبحث عن الحقيقة، تارةً في وجه الإنسان، وتارةً في ذاكرته، وتارةً في أسطورةٍ قديمة، حتى بدا أن الخيال نفسه ليس إلا طريقًا آخر للعودة إلى الواقع.
وهكذا تعود الرواية، بعد كل هذا الرحيل، إلى النقطة التي بدأت منها، إلى الإنسان والعالم. غير أنها تعود إليهما بعينٍ أكثر اتساعًا، ترى ما يظهر، وما يتخفى وراء ظهوره، وتدرك أن الحقيقة قد تسكن أحيانًا في أكثر المواضع التي نظنها خيالًا.
وفي النهاية، لعلّ الرواية لا تملك العالم كما تملك المرآة وجهًا، إنها تعيد خلقه كلما ظننا أننا عرفناه. تضع الواقع تحت ضوء الحكاية، فتظهر له ظلالٌ لم نرها من قبل، وتفتح للخيال بابًا يعود منه إلى الحقيقة محمّلًا بما عجز الواقع وحده عن قوله.
ولذلك، حين تنتهي الرواية، لا يكون العالم قد انتهى معها، إنما يكون قد تغيّر قليلًا في أعيننا. وهذا في جوهره سرُّ الحكاية منذ وُجدت، أن تجعلنا نغادر الصفحة ونحن نحمل العالم نفسه، لكننا لم نعد نراه بالعين التي دخلنا بها.