فلسفه الطفولة عند غسان كنفاني

بقلم: هاجر على

فلسفه الطفولة عند غسان كنفاني
فلسفة الطفولة عند غسّان كنَفاني، الطفولة بين الذّاكرة والهويّة والوعي والمقاومة من خلال قراءتي لبعض أعمال غسّان كنَفاني، وتحديدًا «عائد إلى حيفا»، أرى أن الطفولة في فلسفته لم تكن مرحلة عمرية وحسب ، بل بوصلةً للوعي. فالطفل عند كنَفاني لا يظهر بوصفه ضحيةً للحرب فقط، وإنما بوصفه فاعلاً وصانعًا للحقيقة؛ إذ تتحوّل التجربة القاسية التي مرّ بها إلى عنصر يشارك في تشكيل وعيه وموقفه من العالم. ولم تكن الطفولة عنده هشاشةً خالصة؛ بل مساحة تتجذّر فيها القيم الأولى التي سيحملها الإنسان معه لاحقًا.

نجد أنّ شجاعة الطفل وتمسّكه بحريّته وأرضه يمكن أنّ يقوداه؛ ليكون هو نفسه المُدافع عن وطنه. ومن هنا تبدو الطفولة أساسًا في معادلة الهويّة، و لم يكن الإنسان يومًا سوى لحم ودمّ ونسب؛ بل هو نتاج ما غُرس فيه من قيم ومبادئ وما رَسخ في ذاكرته من تجارب في سنواته الأولى. وتبدو هذه الفكرة ممتدة في عدد من نصوص كنَفاني التي بدورها تضع الطفل في قلب التحوّل التاريخي، لا على هامشِه. ومن أبرز الأعمال التي توضّح هذا المعنى «عن الرّجال والبنادق» و«أم سعد»، حيث يبرُز فيهما تداخل الطفولة مع الوعيّ المبكر بالمواجهة، ونرى كيف يمكن للحرمان أن يتحوّل من مجرد ألم عابر إلى دافع للتغير.

ومن وجهة نظري -بصفتي قارئة- فإن قيمة فلسفة الطفولة في أدب كنَفاني لا تكمُن في كتابته للأطفال، بل في كتابته عنهم بوصفهم شهودًا على زمنهم وحاملي احتمالات المستقبل؛ فأحيانًا يجعل الطفل شاهدًا، وأحيانًا شهيدًا، و يرى فيه صورةً لمناضل الغد. حيث نرى الطفل في فلسفة غسّان يولد مرّتين: مرّة حين يُؤتى للحياة، ومرة أُخرى حين يُصدم بالحقيقة. وتعد هذه «الولادة الثانية له» وهي لا تعني أن النكبة تقتل الطفولة تمامًا، بل إنّها تُغيّر من طبيعة وظيفتها؛ فتتحوّل البراءة إلى وعي مبكر، وتجعله يرى العالم من قبل أن يستعد له. وعلى الرُغم من ذلك لا يفقد طفل كنَفاني طفولته كليًا، وإنما تعبُر طفولته من ساحة اللعب إلى ساحة فَهم العالم ومواجهته.

وهذا ينسجم مع قراءة إسماعيل ناشف لشخصيات الأطفال عند كنفاني بوصفهم ذواتًا تمتلك فاعليّة اجتماعيّة وسياسيّة تتجاوز تعريف الطفل بالعمر وحده. ومن هنا يمكن النظر إلى ذاكرة الطفل في أدب غسّان كنفاني باعتبارها العنصر المؤسس في تشكيل هويّته. وتَطرح رواية «عائد إلى حيفا» سؤالاً أكثر تعقيدًا من مجرد: هل يتذكّر الطفل مثل الإنسان البالغ؟ فالرواية تدفعنا إلى التساؤل عمّ يحدث عندما يُفصل الطفل عن ذاكرة أسرته و وطنه، وينشأ داخل ذاكرة أخرى وهويّة أخرى. هل الذّاكرة وسيلة لحفظ الحق والنجاة من محو الماضي؟ أم أنّ غيابها قد يُعيد تشكيل الإنسان كله؟ بهذا المعنى تصبح الذاكرة إحدى ساحات الصّراع على الهويّة، لا مجرد استرجاع لأحداث مضت.

ويظهر هنا أحد أهم الأسئلة في فلسفة الطفولة عند كنفاني: كيف تتكون هوية طفل وُلد لأبوين فَلسطينيين؟-لكنّه تربّى في بيئة مختلفة- ؟ هل رابطةُ الدّم والنّسب تصنع الهويةَ ؟، أم التربية؟، أم الذّاكرة؟، أم الاختيار؟ هذا السؤال يجعل «عائد إلى حيفا» تتجاوز حكاية أسرة فقدت ابنها؛ لتصبح سؤالاً فلسفيًا عن الكيفية التي يُشكّل بها الإنسان منذ طفولته، وعن العَلاقة بين المكان والذّاكرة والانتماء. ويأخذ كنفاني رمزيّة الطفولة إلى مساحة أخرى في «القنديل الصغير». فالطفل هنا لا ينتظر إجابة جاهزة؛ بل يحاول ويبحث ويختبر العالم بنفسه. ومن هنا يمكن أن نقرأ الطفل عند غسّان لا بوصفه وعاءً نملؤه بالإجابات، وإنما ذاتًا قائمةً لها دور، وعقلاً يكتشف العالم بالفعل والتّجربة. فالحكاية نفسها تقوم على رحلة بحث ومحاولة مستمرة، وتضع الشّجاعة والمبادرة في قلب تجربة الطفولة. وهنا تُصبح الطفولة مرادفةً لمعاني القوّة والاكتشاف، لا للصورة التقليديّة لطفل صغير ينتظر مساعدة الكبير.

وفي «الصغير يذهب إلى المخيّم» ننتقل إلى صورة أكثر قساوة. فالطفل العادي يتعلم تدريجيًا من الأسرة والمدرسة واللّعب، أمّا طفل المُخيّم فيتعلم الفقد والانتظار والتكيّف مع واقع اللّجوء، ويتعلم معنى الوطن حتى وإن لم يره. وقد أشار النقد الحديث لأطفال كنفاني إلى أنّ واقع المخيّم واللجوء لا يُشكل خلفيّة للأحداث فقط، بل يشارك في تشكيل ذات الطفل وفاعليّته.

ومن هنا يفرض النص سؤالًا مؤلمًا: إذا كانت البيئة تُشارك في صناعة الطفل، فما جوهر الطفل الذي صَنعهُ المخيم؟ وهل ينتزع المخيّم الطفولة، أم يخلق منها وعيًا مختلفًا؟ وعند هذه النقطة تجتمع المحاور كلها: الذّاكرة، والهويّة، والوعي المبكر، والحريّة، والمخيّم. فالطفل في أدب كنفاني ليس ظلاً للكبار ولا مجرد ضحية للتاريخ، بل مساحة اختبار لما يمكن أنّ يصبح عليه الإنسان الفَلسطينيّ. لذلك يبقى المستقبل حاضرًا في صورة الطفل حتى في أكثر لحظاته القاسية؛ لأنّه لم يُكمل حياته كطفلٍ بعد ،بل صار قادرًا على التحوّل والاختيار. وفي النّهاية أقول: إنّ غسّان كنفاني لا يَرثي طفولة الفَلسطينيّ بقدر ما يُعيد تعريفها بالشكل الملائم لتجربته. فالطفولة عنده ليست مرحلةً معزولة عن السّياسة والتاريخ، بل ذاكرة وهويّة وسؤال وإمكان للمستقبل. وإذا كان الاحتلال يحاول أن ينتزع المكان، فإنّ نصوص كنَفاني تُذكّرنا بأنّ المعركة تمتد أيضًا إلى ما يُرسَّخ في ذاكرة الطفل؛ ليصير الطفل ذاك هو المناضل الذي ستصنعه تلك الذاكرة.