كيف يستدرج الكاتب القارئ للتعاطف مع شخصيَّة غير سويَّة أخلاقيًّا؛ لمجرد أنَّه يسيطر على منظور واحد لقص الأحداث؟
بقلم: هاجر على
كيف يستدرج الكاتب القارئ للتعاطف مع شخصيّة غير سويّة أخلاقيًّا؟ فحين يسيطر على منظور وحيد لقص الأحداث، وحين يحتكر بطل الرواية منظور واحد؛ يصبح هو النافذة الوحيدة التي نطل منها على الأحداث؛ فلا نرى الوقائع كما حدثت بالضرورة، بل كما عاشها وفسّرها، وبما مرّ به من تجارب، وما يرغب في تذكّره! وقد تكون هذه النافذة صافية في مواضع، ومعتمة في أخرى؛ لتعرض ما يخدم صورة صاحبها، وتحجب ما يهددها، وقد يحرّف بعض الوقائع أحيانًا، وبالرغم من معرفتنا بذلك؛ نعتاد النظر منها؛ حتى يغدو العالم خارجها غريبًا، ويبدو صوت الشخصيّة مألوفًا؛ لمجرد أننا سمعناه طويلًا! وفي أحيانٍ كثيرة، تمنحنا الحكاية ما لا تمنحنا إياه الحياة بسهولة: الدخول إلى الخوف، والذاكرة، والرغبة؛ لذلك نفهم دوافع الشخصيّة من الداخل، نعرف ما الذي كسرها، ومن خذلها، وكيف استجابت لذلك الخذلان، وما الذي تخشاه حين تبتسم، لكن الفَهم قد يتحول أحيانًا إلى تبرير من حيث لا نشعر؛ فحين تعترف الشخصيّة بضعفها؛ نميل إلى أن نغفر لها قوتها المؤذيّة، وحين تصف خذلانها؛ ننسى أنَّ لها يدًا امتدت إلى آخرين، وقد نفسر أفعالها بشعار «الغاية تبرر الوسيلة»، ونقنع أنفسنا بأنَّ اعترافها بالخطأ، وجلدها لذاتها كافيين لمحاسبتها؛ لأنها كانت ضحية بدورها، فهل هذا تفسير صحيح أم فخ؟ وحين يكون السرد منحازًا؛ لا يحتاج الكاتب دائمًا إلى الكذب الصريح، بل يكفي أن ينتقي، وأن يصمت، وأن يضع الفعل في عبارة تجعله محتملًا، فالانتقام في بعض الأعمال الروائيّة قد نسميه استردادًا للحق، مهما كان الأذى الذي تسببه الشخصيّة غير الأخلاقيّة، وقد نقدّم الخيانة بوصفها هروبًا من قيد، ونتعامل مع القسوة كأنَّها حماية، وحين نقبل هذه التسمية؛ يتغيَّر شكل الفعل في أذهاننا، مع أن أثره في الضحية لا يتغيَّر، والتبرير لا يمحو الفعل، وهنا يطرح الكاتب منطقة أخلاقيّة ملتبسة، فهو لا يطلب منا بالضرورة أن نحب الشخصيّة، لكنَّه يكشف لنا جانبًا مظلمًا من حياتها، وما تعرضت له، فيجعل كراهيتها أصعب؛ لإنَّنا نعرف وحدتها، ونرى خوفها من السقوط، ونكتشف أنَّ الشر لا يأتي دائمًا مرتديًا وجهًا مخيفًا! فقد يتكلم بصوت هادئ، ويملك حكاية موجعة، ويؤمن، بصدق أو بادعاء أنَّه لم يكن أمامه طريق آخر، لكن يبقى سؤالًا لا ينبغي أن يختفي خلف براعة السرد: مَن لا نسمع صوته في الحكاية؟ فالتعاطف الذي تمنحه الحكاية لشخصيّة واحدة؛ قد ينتقص من حضور الذين دفعوا ثمن أفعالها، أو من حضور ضحاياها الحقيقيين! فإنَّ استعادة أصواتهم، ولو من خلال أثر صغير أو ذكرى عابرة، تكسر سطوة المنظور الواحد، وتذكّرنا بأنَّ رواية الجاني ليست الرواية الوحيدة الممكنة، أو الحقيقة الوحيدة، ويمكن تفسير تعاطفنا مع شخصيّة ترتكب أفعالًا مؤذيَّة من خلال مفهوم الاندماج السرديّ؛ فعندما ننغمس في الحكاية؛ يتوجه انتباهنا، ومشاعرنا، وخيالنا إلى عالمها، وتجاربها المؤلمة؛ فنعيش الأحداث كما ترويها لنا بدلًا من أن نحاكمها من مسافة، كما يتيح لنا الامتزاج مع الشخصيّة؛ فنتخيل أفكارها، ومخاوفها، ودوافعها، لكن فهم دوافع شخص لا يعني بالضرورة الموافقة على أفعاله، وإن كنَّا قد نضع لها مبررًا، وتشير بعض دراسات القراءة إلى أنَّ زاوية السرد، وطريقة تمثيل مشاعر الشخصيّة؛ قد تؤثران في استجابتنا لها، مع اختلاف الأثر من قارئ إلى آخر، وقد رأيت ذلك بوضوح في رواية «أحببتك أكثر ممَّا ينبغي» للكاتبة أثير عبد الله النشمي: التي نرى فيها الحكاية من منظور جمانة، التي تحب عبد العزيز بالرغم من أنَّ ما يصدر عنه من خذلان، وسلوك مؤذٍ: كعدم الوفاء، والتعامل المتسلط معها؛ لذلك لا نرى عبد العزيز من زاوية محايدة، بل نراه عبر تجربة جمانة العاطفيّة، حيث تتجاور لحظات أذاه مع لحظات قربه، وتغمر الحكاية مشاعر الحب، والانتظار، والأمل في تغييره، وقد وُصفت شخصيته بأنَّها متناقضة؛ يحب جمانة، لكنَّه يرتكب أفعالًا تناقض هذا الحب، وهذا التناوب بين الأذى، والحنان يجعل بعض القرَّاء يتعلّقون به، أو يبحثون له عن عذر؛ فقد تبدو لحظة اهتمام واحدة كأنَّها وعد بالتغيير، بينما يُعاد تأويل الخذلان بوصفه ضعفًا، أو ارتباكًا، أو حبًا لا يعرف التعبير عن نفسه! وتساعد اللغة العاطفيّة على هذا التأويل؛ فهي تضعنا داخل ألم جمانة، وتجعلنا نشاركها انتظارها؛ فنشعر بقوة العلاقة قبل أن نتوقف طويلًا عند كلفتها عليها! لكن لا ينبغي أن نعمم فنقول إنَّ كل القرَّاء أحبوا عبد العزيز؛ فبعضهم قد يتعاطف معه، وبعضهم يرفض سلوكه، وبعضهم يشعر بالأمرين معًا، بينما يرى آخرون أنَّ جمانة ساذجة، وليست ضحيّة، والأدق أن نقول إنَّ الرواية تدفعنا إلى فهمه، أو التعلّق به من خلال السرد، لا لتبرئته أخلاقيًّا؛ فالتعاطف استجابة عاطفيّة، أمَّا الحكم على الفعل فمسألة أخرى؛ فقد نعرف كيف تبرر الشخصيّة أذاها، لكن معرفتنا بتبريرها لا يمحو أثره في الأشخاص الذين وقع عليهم الأذى.
وهنا تكمن براعة الكاتب؛ فهو لا ينتزع منَّا تبرئة الشخصيّة، بل يجعلنا نرى كيف كدنا نمنحها إيَّاها! نحن نتعاطف لأنَّنا اقتربنا، لكن الاقتراب لا يمحو المسئولية ولا الأثر؛ لكنَّه يجعل الحكم أكثر تعقيدًا؛ لذلك قد نجد أنفسنا متعاطفين مع شخصيّة مؤذيّة أخلاقيًّا، من دون أن نعرف لماذا؟ فبين أن نفهم الإنسان، وأن نبرر أذاه تمتد المسافة التي يختبر فيها الأدب وعينا الأخلاقيّ، فهل نستطيع أن نصغي إلى حكايته من دون أن ننسى حكاية من أذاهم؟ الأمر حقًا صعب!
وهنا تكمن براعة الكاتب؛ فهو لا ينتزع منَّا تبرئة الشخصيّة، بل يجعلنا نرى كيف كدنا نمنحها إيَّاها! نحن نتعاطف لأنَّنا اقتربنا، لكن الاقتراب لا يمحو المسئولية ولا الأثر؛ لكنَّه يجعل الحكم أكثر تعقيدًا؛ لذلك قد نجد أنفسنا متعاطفين مع شخصيّة مؤذيّة أخلاقيًّا، من دون أن نعرف لماذا؟ فبين أن نفهم الإنسان، وأن نبرر أذاه تمتد المسافة التي يختبر فيها الأدب وعينا الأخلاقيّ، فهل نستطيع أن نصغي إلى حكايته من دون أن ننسى حكاية من أذاهم؟ الأمر حقًا صعب!