عن الأثر الذي تركه أحمد خالد توفيق
بقلم: ملك الكفراوي
كيف يمكن لإنسانٍ أن يغيب، ثُمَّ يظل بداخلنا أشياء كثيرة تحمل صوته؟
قد تمرّ يدك على كتابٍ قديم بعد سنوات فتتوقف فجأة، لا لأنَّك تذكرت الحكاية كاملة، ولا لأنَّك ما زلت تحفظ ما حدث في صفحاتها؛ وإنَّما لأنَّ اسمًا واحدًا على الغلاف استطاع في لحظة خاطفة أن يعيد إليك عمرًا كاملًا! غرفة قديمة، ضوء خافت، ليل طويل، وجهك كما كان قبل سنوات، ذلك الشعور الغريب الذي صاحبك وأنت تقرأه للمرة الأولى، حين كنت تظن أنَّك تفتح كتابًا، بينما كنت في الحقيقة تفتح بابًا إلى نسخة قديمة منك.
هناك أشخاص نعرفهم، ثم تنتهي حكاياتهم معنا حين يغيبون، وهناك أشخاص يرحلون؛ فتبدأ حكاياتهم بداخلنا، أحمد خالد توفيق من هؤلاء! يكفي أن يُذكر اسمه أمام قارئ عاصره في سنواته الأولى، حتى تتحرك في الذاكرة أشياء لا علاقة لها بالكتب! يستيقظ ذلك الفتى الذي كان يقرأ تحت ضوءٍ ضعيفٍ، أو تلك الفتاة التي كانت تحمل رواية إلى فراشها، وتؤجل النوم صفحة بعد صفحة، أو ذلك القارئ الذي اكتشف للمرة الأولى أنَّ الكتاب يمكن أن يخيفه، ويضحكه، ويؤنس وحدته في الليلة نفسها؛ فجأة، يصبح الكاتب أكبر من مجموع ما كتب، يصبح جزءًا من زمنٍ شخصي لا يستطيع صاحبه أن يستعيده إلا باستعادته! وهنا تكمن المفارقة الجميلة، فالكاتب الذي قضى عمره في استكشاف العوالم صار بعد رحيله حاضرًا في عالَم لم يستكشفه، وهو عالم قرائه؛
فرفعت إسماعيل لم يعد حبيس الصفحات التي ظهر فيها، وعبير، وعلاء عبد العظيم ليسوا مجرد أسماء تتحرك في سلاسل روائيّة؛ ثَمَّة شيء من هؤلاء بقيَ في الذاكرة، وشيء من صاحبهم بقي معهم! وربّما لهذا السبب تحديدًا؛ تبدو بعض الكتب رافضة للشيخوخة؛ لأنّها لا تسكن رفوف المكتبات وحدها، وإنّما تسكن عقول أصحابها.
كان أحمد خالد توفيق يكتب عن الخوف، وعن الموت، وعن المرض، وعن الوحدة، وعن ذلك الجانب القَلِق من الإنسان الذي يحاول أن يبدو أكثر شجاعة مما هو عليه، لكن قارئه الصغير لم يكن يدري -في البداية- أنّه كان يكتب أيضًا عن الحياة التي سيكبر فيها ذلك القارئ، ويعرف ثقلها بنفسه، وحين يكبر القارئ؛ لن يعود إلى كتبه بالطريقة نفسها؛ فبعض الأشياء التي بدت له يومًا مجرد حكايات مرعبة تصير أكثر قربًا من الحقيقة، وبعض النكات التي ضحك منها في مراهقته قد تكتسب مذاقًا آخر، وبعض الجمل التي مرّ عليها سريعًا قد تبدو بعد سنوات كأنَّها كانت تعرف عنه شيئًا لم يكن يعرفه هو، وهذا هو الأثر حين يبلغ مداه الحقيقيّ؛ أن تتغير أنت، بينما يظل الكتاب في مكانه، ثم تعود إليه فتجده قد تغيّر معك؛ ولذلك لا تبدو وفاة أحمد خالد توفيق نهاية مناسبة للحديث عنه، فالنهاية تخص الإنسان، أمّا الأثر فله قوانين أخرى، فقد يتوقف القلم، وقد يُغلق الباب الذي خرجت منه تلك الحكايات، لكن الكلمات التي وَجدت طريقها إلى قلوب قرائها لا تعرف هذا النوع من النهايات؛ إنها تستمر في الانتقال، هادئةً، وخفيّة، من قارئٍ إلى قارئٍ؛ حتى يصبح الكاتب الذي ظن أنَّه يروي حكايةً لشخصٍ يجلس وحده في غرفته جزءًا من حكايات آلاف الأشخاص أنفسهم، ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي عن أحمد خالد توفيق، ما الذي جعل أثره أبقى من كتبه؟ وكيف استطاع كاتبٌ اختار في بداياته طريق الأدب الجماهيريّ، والرعب، والفانتازيا، أن يصبح مع مرور السنوات واحدًا من أكثر الأسماء التصاقًا بذاكرة جيل كامل؟
ربَّما لأن بعض الكتّاب يمنحونك حكاية تنساها، وبعضهم يمنحك حكاية تكبر معك، وأحمد خالد توفيق كان يترك شيئًا من حكاياته بداخلك، ربَّما كان سرّ القرب الذي نشأ بين أحمد خالد توفيق وقرّائه؛ أنَّه لم يتحدث إليهم من مكان مرتفع، بل كان يعرف المسافة التي تفصل الكاتب عن قارئه، ثم عرف كيف يلغيها؛ فتقرأ له فتشعر أنَّ ثَمَّة شخصًا يجلس على الطرف الآخر من الصفحة؛ ليشرح لك الحياة، أو يعرض أمامك ما يعرفه عنها، تشعر-على نحو أكثر حميميّة- أنّك تجلس إلى جوار شخص يعرف هذا العالم كما تعرفه أنت، ويرى سخافته، ومآسيه، وتناقضاته بعينٍ مفتوحة، ثُم يضحك!
كان في كتاباته شيء من الصحبة، وهذه كلمة تبدو بسيطة؛ لكنّها تفسر جانبًا كبيرًا من علاقته بجمهوره؛ فالكاتب قد يُثير إعجابك، وقد يدهشك، وقد يجعلك تفكر طويلًا في فكرة قالها، لكن أن تشعر أنَّك تعرفه، وأنَّ صوته صار مألوفًا في أذنك، وأنَّك تستطيع أن تتخيل تعليقاته الساخرة على مشهد تراه في حياتك اليوميّة، فهذه منزلة أخرى تمامًا، ولعل أحمد خالد توفيق بلغها؛ لأنَّه كان شديد الانتباه إلى الإنسان العادي، إلى تفاصيله الصغيرة التي تمرّ عادةً من دون أن يلتفت إليها أحد، الخوف الذي نخفيه خلف المزاح، الملل الذي نتظاهر بأنّه لا يعنينا، الرغبة في أن نبدو أكثر ثباتًا مما نحن عليه، ذاك السؤال الذي يزورنا في منتصف الليل ثم ندفعه بعيدًا في الصباح، كان يكتب عن هذه الأشياء التي يعرفها الناس جميعًا، لكن قليلًا منهم مَن يعرف كيف يسميها،
حتى سخريته كانت جزءًا من هذه الصحبة، فلم تكن السخرية عنده؛ لتزيين النص كي يبدو أكثر خفة؛ وإنَّما كانت طريقة كاملة في النظر، كان يستطيع أن يرى الجانب المضحك في أكثر المواقف قتامة، وأن يترك خلف الضحكة مسحةً من المرارة لا ينتبه إليها القارئ إلا بعد أن يهدأ؛ فتضحك من جملة، ثم تكتشف أنّك ضحكت؛ لأنَّك تعرفها من حياتك، تعرف هذا النوع من البشر، وهذه الحماقة، وهذا الخوف، وهذه الطريقة التي نحاول بها أن نحتال على قلقنا اليوميّ؛ فكان لا يحتاج أن يتكلف القرب من الشباب الذين قرأوا له؛ لأنّه كان قريبًا منهم في اللغة، والإيقاع، وطريقة التفكير، وفي قدرته على أخذ أسئلتهم على محمل الجد حتى حين يصيغها في ثوبٍ ساخر، كان مُدرك أنَّ المراهق الذي يمسك كتابًا في يده ليس قارئًا ناقصًا ينتظر أن يكبر؛ كي يصبح جديرًا بالأدب، فوراء ذلك القارئ عقل يتشكل، وخيال يتسع، وأسئلة تتكاثر، وخوف حقيقيّ من عالم لا يزال غامضًا أمامه؛ وهنا تظهر قيمة أخرى في تجربته، أنَّه منح قارئه احترامًا نادرًا؛ فترك له مساحةً للدهشة، ولم يفسد عليه متعة الاستكشاف بشرح كل شيء، بل كان يفتح باب الحكاية ويدع القارئ يدخل، ثم يتركه يواجه ما وراءها بطريقته؛ وربَّما لهذا ظل كثير من قرّائه أوفياء له حتى بعد أن تغيرت أعمارهم، وذائقتهم، واهتماماتهم؛ لأنَّ العلاقة التي بدأت بكتاب رعب، أو سلسلة فانتازيا، تحولت مع الوقت إلى شيء أعمق من النوع الأدبيّ الذي جمعهما في البداية؛ فالذين بدأوا معه صغارًا لم يبقوا صغارًا، بل كبروا، وقرأوا لدوستويفسكي، وكامو، وماركيز، ونجيب محفوظ، وغيرهم، واتسعت مكتباتهم، وتبدلت أسئلتهم، ومع ذلك ظل اسم أحمد خالد توفيق في مكان ما من الذاكرة لا يشبه مكان بقية الأسماء؛ ربَّما لأنّ بعض الكتب تدخل حياتنا في اللحظة التي نكون فيها أكثر استعدادًا لأن نحبها؛ فتلتصق بالمرحلة نفسها؛ ليصبح الكتاب شاهدًا عليها، ويصبح صاحبه شاهدًا عليها أيضًا؛ وهكذا تحولت العلاقة بينه وبين قارئه إلى ما يشبه الرفقة الطويلة التي بدأها القارئ بحثًا عن حكاية مسليّة، أو جرعة من الرعب، أو مغامرة في عالم لا يعرفه، ثم اكتشف بعد سنوات أنّه كان يأخذ معه شيئًا آخر في كل مرة! طريقته في النظر، حسه الساخر، أسئلته عن الموت والحياة، وشعوره الدائم بأنّ خلف الأشياء التي تبدو عادية طبقة أخرى تستحق أن تُكتشف؛ لهذا يصعب اختزال أحمد خالد توفيق في كونه كاتبًا جماهيريًّا واسع الانتشار، فهذه العبارة تصف حجم الجمهور، لكنها لا تفسر طبيعة العلاقة الشعبيّة؛ لتخبرنا كم من شخصٍ تأثر به؟فالأثر يخبرنا كم من شخصٍ ظل يحمل شيئًا منك بعد أن أغلق كتابك؟! وهنا، تحديدًا، يبدأ أحمد خالد توفيق في تجاوز حدود الكتب التي كتبها إلى مساحة أكثر رحابة، المساحة التي يصنع فيها الكاتب جزءًا من وجدان قارئه، وهذه الطريقة في النظر كانت أوضح ما تكون في علاقته بالخوف، فمن السهل أن نضع أحمد خالد توفيق في خانة كتَّاب الرعب، ثم نمضي، لكن هذه الخانة تضيق كثيرًا عن المساحة التي تحركت فيها كتاباته، فالخوف عنده لم يكن مجرد باب يدخل منه القارئ إلى الحكاية، بل كان أقرب إلى مرآة يرى فيها الإنسان نفسه حين تسقط عنه قدرته في التظاهر بالشجاعة! ولهذا كانت حكاياته المُخيفة تترك في النفس أثرًا يتجاوز لحظة الفزع، فقد تنتهي الحكاية، وينجو أبطالها، أو يموتون، ويغلق القارئ الكتاب، ثُم يبقى شيء آخر يلاحقه، لماذا يخاف الإنسان الموت إلى هذا الحد؟ لماذا يخيفنا المجهول أكثر مما يؤذينا؟ ماذا يحدث لنا حين نفقد السيطرة على الأشياء التي اعتدنا أن نراها مفهومة؟ وأين تنتهي حدود العقل؟ وأين يبدأ الوهم؟
فكان يعرف أن الرعب الحقيقيّ لا يحتاج دائمًا إلى مخلوق غريب يخرج من الظلام، بل يكفي أحيانًا أن يجعل المألوف نفسه موضع شك، بيت نعرفه، شارع مررنا به، إنسان نثق به، ذاكرة نظنها صادقة، أو إنسان نطمئن إليه، ثم يأتي تفصيل صغير يخلخل هذه الطمأنينة كلها فجأة؛ ليصبح العالم الذي اعتدناه أقل أمانًا، ويبدأ القارئ في النظر حوله بعينٍ أخرى! وهنا كانت براعة الحكاية عنده، كان يأخذ القارئ من يده إلى الخوف من دون أن يخبره مسبقًا إلى أين يمضي، ويتركه يستمتع بالحكاية، يضحك من تعليق عابر، يتابع مغامرةً، أو لغزًا، ثم يضع أمامه سؤالًا أثقل مما توقع، وحين يظهر السؤال، يكون القارئ قد صار داخل الحكاية بالفعل، فلم يعد يشاهد الخوف من الخارج، وإنَّما صار يختبره من موقعه هو! وربَّما لهذا بقيت بعض شخصياته أكثر حضورًا في كثيرٍ من الأحداث التي مررت بها فمثلًا: رفعت إسماعيل لم يكن بطلًا خارقًا يواجه الرعب بثبات أبطال القصص التقليديّة، بل كان رجلًا يعرف الخوف جيدًا، ويعترف به، ويسخر منه، ويمضي رغم وجوده، وفي هذه المسافة بين الخوف، والشجاعة وجد القرّاء أنفسهم؛ فالشجاعة التي لا تعرف الخوف صورة سهلة، أمّا الإنسان الذي يخاف ثم يكمل طريقه، فذلك أقرب إلى الحقيقة، حتى الموت الذي حضر في عالمه كثيرًا، لم يكن مجرد خاتمة للحكايات، بل كان سؤالًا قائمًا خلفها، يظهر مرةً في صورة رعب، ومرةً في صورة مرض، ومرةً في هيئة فقد، ومرةً في فكرة لا يستطيع الإنسان أن يطردها من رأسه؛ ولذلك استطاع أن يتحدث عن الموت مع قرّاء صغار من غير أن يحوّل الأمر إلى درس ثقيل، فأدخلهم إليه من باب الحكاية، ثم تركهم يستكشفون بأنفسهم أنَّ الخوف منه جزء من خوف أوسع، الخوف من أن تنتهي الأشياء التي نحبها، وأن ينتهي معها شيء منا، وهنا تتصل السخرية بالخوف اتصالًا عميقًا؛ فكان يضحك لأنَّ الإنسان، حين يعجز عن احتمال جديّة العالم، يبحث عن منفذ آخر؛ فنضحك على الأشباح لأنَّ فكرة أن نخاف منها وحدها تبدو سخيفة، ونضحك على الموت لأنَّ الاعتراف بأنَّه ينتظرنا جميعًا ثقيل، ونضحك على أنفسنا؛ لأنَّنا نعرف في قرارة أنفسنا إنَّنا أكثر هشاشة مما نحب أن نظهر! ولذلك كانت خفة أحمد خالد توفيق جزءًا من ثقله الأدبيّ، لا نقيضًا له؛ فالجملة الساخرة عنده تستطيع أن تفتح الطريق إلى فكرة قاتمة، والدعابة قد تأتي في اللحظة التي يكون فيها النص على وشك أن يغرق في العتمة، كان يعرف أنَّ القارئ لا يعيش بالحزن وحده، وأنَّ أكثر الأفكار قسوة التي تجد طريقها إلى القلب في ثوب الحكاية، والضَحكة! وهكذا، كلما ظن القارئ أنه جاء إلى كتبه بحثًا عن الخوف، وجد نفسه أمام شيء أوسع، وهو بحث عن الإنسان وهو يواجه خوفه؛ وهذه النقلة هي التي منحت كثيرًا من حكاياته عمرًا أطول من عمر الرعب نفسه؛ فالخوف يهدأ بانتهاء القصة، أمَّا السؤال الذي يوقظه في داخلنا فقد يظل مستيقظًا لسنوات! ومن هذا الخوف الذي كان يوقظ الأسئلة؛ وُلدت علاقة أخرى أكثر رسوخًا بين أحمد خالد توفيق وقرّائه، علاقة الشخصيات التي لم تبقَ داخل حدود الورق، فرفعت إسماعيل في «ما وراء الطبيعة»، رجل يعيش الحكايات المرعبة، وهو: رجل نحيل، مدخن، ساخر، مثقّل بأمراضه، ومخاوفه، يقف أمام ظواهر يستعصى تفسيرها ثم يواصل النظر إليها بعين الطبيب الذي يبحث عن تفسيرٍ منطقيّ، وعين الإنسان الذي يعرف في داخله أن العالم أوسع من أن تحيط به أدواته كلها، ولم يكن بطلاً مصقولًا على الصورة التي اعتدناها في الحكايات، بل كان مليئًا بالعيوب، كثير الشكوى، سريع السخريّة، وأحيانًا شديد الجبن، ومع ذلك استطاع أن يصبح واحدًا من أكثر الشخصيات التصاقًا بذاكرة جيل كامل!
/////////////
ولعل سرّه يكمن هنا تحديدًا، في القارئ الذي لم يجد نفسه أمام شخصية بعيدة عنه، مكتملة الشجاعة، والقدرة، وإنَّما أمام إنسان يستطيع أن يتعرف إليه.
كان رفعت إسماعيل يخاف، ويتردد، ويمرض، ويسخر، ويضيق بالناس، ويضيقون به، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى مواجهة ما يخشاه، وفي كل مرة كان يمضي إلى المجهول، كان يأخذ معه قارئًا يشبهه في ضعفه، وفضوله، وقلقه.
مع امتداد السلسلة، تحولت مغامرات «ما وراء الطبيعة» إلى شيء يشبه الذاكرة المشتركة، عناوين مثل أسطورة مصاص الدماء، وأسطورة رجل الثلج وأسطورة النبات، وغيرها، لم تعد مجرد حكايات متجاورة في سلسلة طويلة، بل صارت محطات يعرفها القرّاء كما يعرفون مراحل من أعمارهم! فهناك من التقى برفعت إسماعيل وهو طفلًا، ثُمَّ كبر، وهو يعود إليه بين حين وآخر، فيجد أنَّ الرجل نفسه ما زال جالسًا في مكانه، وأن العالم الذي كان يخيفه في الصغر صار يحمل له بعد سنوات معاني أخرى، وهذه واحدة من أجمل ما تمنحه الشخصيات الأدبيّة حين تنجح في العيش طويلًا، إنَّها تتغير في عين القارئ مع تغيّر القارئ نفسه!
في المرة الأولى قد يبدو رفعت إسماعيل مضحكًا، وبعد سنوات يصبح أكثر مرارة. قد نقرأ خوفه بوصفه جزءًا من متعة الحكاية، ثم نعود إليه ونحن أكثر معرفةً بوهن الإنسان، فنرى خلف سخريّته رجلًا يحاول أن يحافظ على تماسكه أمام عالَم لا يضمن له شيئًا، وقد تبدو تعليقاته العابرة مجرد خفة محببة، ثُمَّ نكتشف أنَّها كانت طريقته في احتمال أشياء أثقل من أن تُقال بجديّة كاملة.
ولم يتوقف الأمر عند «ما وراء الطبيعة»، في «فانتازيا» أخذ القارئ معه إلى فضاءات أخرى، وجعل الأدب، والتاريخ، والفكر، والمعرفة جزءًا من المغامرة، وفي «سافاري» منح القارئ فرصة للنظر إلى الجسد، والمرض، والموت من خلال عالم مختلف، يحمل فيه المكان، والثقافة، والتجربة الإنسانيّة وزنًا خاصًا. ومع كل عمل كانت تتسع المسافة بين أحمد خالد توفيق وبين فكرة الكاتب الذي يقدم حكاية وينتهي الأمر، كانت الكتب تفتح أبوابًا إلى عوالم أخرى، وفي كل عالم شخصية، أو صوت، أو فكرة، يمكن أن تظل عالقة في الذهن، وهنا تظهر قيمة السلاسل نفسها في تجربته، فكأنَّ القارئ يعود إلى العالَم ذاته مرة أخرى؛ فينشأ نوع من الأُلفة لا تصنعه الرواية المنفردة بسهولة؛ فيعرف الشخصيات، يعرف نبرة الحكاية، يعرف ذلك الإيقاع الذي ينتظره، ثم يدخل الكتاب الجديد وفي داخله شعور يشبه العودة إلى مكان قديم، ومع كل عودة كانت العلاقة تزداد رسوخًا.
لقد استطاع أحمد خالد توفيق أن يجعل القارئ ينتظر الشخصيّة كما ينتظر صديقًا قديمًا، وهذه منزلة شديدة الخصوصيّة في الأدب؛ لأنَّ الشخصية تخرج من كونها أداة في يد الكاتب؛ لتصبح كائنًا له مكانه في ذاكرة من قرأه، وربَّما لهذا السبب أيضًا ارتبطت أسماء شخصياته بأسماء قرّائها أنفسهم، فصار هناك جيل كامل يستطيع أن يقول: «رفعت إسماعيل كان جزءًا من طفولتي»، أو«بدأت القراءة مع أحمد خالد توفيق»، وكأنَّ الحديث عن الكاتب يستدعي تلقائيًّا الحديث عن مرحلة شخصيّة من العمر، عندها يتجاوز الكتاب وظيفته الأولى، ويصير شاهدًا على حياة قارئه!
وهنا يعود الأثر إلى مكانه الأول، فالكاتب يترك أثره حين تصبح كلماته جزءًا من ذاكرة الآخرين، والشخصية تبلغ ذروة حياتها حين يجد فيها القارئ شيئًا من نفسه، وأحمد خالد توفيق جمع بين الأمرين معًا، ترك وراءه شخصيات يعرفها القرّاء، وترك معها نسخًا قديمة من أنفسهم، محفوظة بين صفحات الكتب، تنتظر عودتهم إليها؛ لتفتح لهم الباب من جديد.
من تلك النسخ القديمة التي حفظتها كتبه، تبدأ حكاية أخرى أكثر اتساعًا، فالقارئ الذي وجد شيئًا من نفسه في رفعت إسماعيل، أو صحب عبير في عوالم «فانتازيا»، أو دخل «سافاري» باحثًا عن مغامرة، لم يكن يخرج من الكتاب بالشعور نفسه الذي دخل به؛ فالحكاية تترك وراءها فضولًا جديدًا، والفضول يقود إلى كتاب آخر، والكتاب الآخر يفتح نافذة على عالَم لم يكن في الخيال من قبل.
هكذا صار أحمد خالد توفيق، بالنسبة إلى كثير من القرّاء، بداية الطريق إلى القراءة، والبدايات التي تصنعها الكتب لا تُنسى، فقد لا يتذكر الإنسان أول كتاب قرأه قراءةً كاملة، وقد تتداخل العناوين في ذاكرته مع السنوات؛ لكنه يتذكر غالبًا ذلك الإحساس الأول، دهشة أن يختلي بعالَم كامل بين يديه، وأن تستطيع بضعة أوراق، وحِبر أسود أن يسرقاه ساعات من الواقع، وهذه الدهشة هي التي تجعل الطفل قارئًا، ثُمَّ تجعل القارئ يبحث عن دهشة أخرى بعد أن يغلق كتابه، وأحمد خالد توفيق عرف كيف يصنع هذه الدهشة؛ فدخل إلى القارئ من أكثر الأبواب قربًا إلى قلبه، ألا وهي الحكاية، فلم يطلب منه في البداية أن يكون مثقفًا كي يستمتع، ولم يضع المعرفة في هيئة امتحان، ولم يجعل الكتاب مكانًا ثقيلًا يحتاج إلى استعداد خاص، بل كانت المتعة هي الدعوة الأولى، ثم أخذت المعرفة مكانها في الطريق، وبين صفحة، وأخرى كان القارئ يلتقط اسم كاتب، أو يمر على أسطورة قديمة، أو يسمع عن بلد لم يعرفه، أو يتوقف عند فكرة فلسفيّة، أو يخرج من الحكاية في ذهنه سؤال جديد، ثم يكفي أن يظل السؤال حيًا حتى تبدأ رحلة أخرى.
وهنا تظهر قيمة لا تمنحها كثرة المبيعات وحدها، وهي أن تجعل إنسانًا يريد أن يقرأ أكثر؛ فالكاتب الذي يترك القارئ عند آخر صفحة أمام رغبة في البحث عن كتاب آخر، أو اسم آخر، أو عالَم آخر، يكون قد وسّع حدود تجربته إلى ما يتجاوز النص الذي كتبه؛ ليصبح الكتاب الأول شرفة تطل على مكتبة كاملة، وهذا ما حدث مع أعداد كبيرة من قرّائه، بدأ بعضهم بـ«ما وراء الطبيعة»، ثم أخذ يبحث عن الأدب الذي كان رفعت إسماعيل يحبه، أو يسخر منه، ثُمَّ انتقل بعضهم من الرعب إلى الرواية، ومن الرواية إلى الأدب العالميّ، ومن الأدب العالميّ إلى الفلسفة، والتاريخ؛ فكانت الكتب تتناسل في أيديهم كما تتناسل الأسئلة في عقولهم، وكان أحمد خالد توفيق حاضرًا في مكانٍ ما من بداية هذا الطريق؛ ولذلك يصعب أن ننظر إلى تجربته بوصفها تجربة كاتب يكتب في نوعٍ أدبيّ محدد فحسب؛ لقد كانت له وظيفة ثقافيّة أوسع، وربما أكثر خفاءً، وهي أن يجعل الكتاب مألوفًا في يد القارئ الشاب، وهذه مهمة عظيمة في زمن تتصارع فيه الأشياء لجذب انتباه الإنسان، فالكتاب يحتاج إلى أن يُفتح أولًا؛ كي يستطيع أن يترك أثره، وأحمد خالد توفيق امتلك قدرة استثنائيّة على جذب القارئ لفتح الكتاب؛ لأنَّه كان يعرف كيف يضعه في يد من لم يعتد القراءة، وكيف يمنحه من المتعة ما يجعله يعود إليه مرة أخرى؛ حتى يصبح الرجوع إلى الكتاب عادة، ثم يصبح البحث عن كتاب جديد جزءًا من تكوينه اليوميّ.
ومن هنا يمكن فهم ظاهرة أحمد خالد توفيق بعيدًا عن الأرقام والاحتفاء العابر، لقد ارتبط اسمه عند كثير من القرّاء بمرحلة استكشاف القراءة نفسها، كان واحدًا من أولئك الذين جعلوا المكتبة تبدو أقل رهبة، والكتاب أقل بُعدًا، والقراءة أكثر شبهًا بالحياة التي يعيشها القارئ بالفعل؛ وحين يكبر ذلك القارئ، وتتغير ذائقته، وتصبح رفوفه أكثر ازدحامًا، قد يبتعد عن النوع الأدبيّ الذي بدأ منه، وقد يذهب إلى دوستويفسكي، أو كافكا، أو كامو، أو نجيب محفوظ، وقد يقرأ الشعر، والفلسفة، والتاريخ، وقد تتبدل علاقته تمامًا بما كان يحبه في بداياته؛ ومع ذلك يظل هناك اسم يعرفه منذ زمن أبعد، اسم ارتبط باللحظة التي اكتشف فيها أنَّ الكتاب يمكن أن يكون رفيقًا، وهذه منزلة لا تُمنح لكاتب بسهولة؛ فالكاتب يستطيع أن يملأ ذاكرة قارئه بشخصية، أو مشهد، أو جملة، أمَّا أن يملأ له رفوفًا كاملة من الكتب التي سيقرأها بعد ذلك، فذلك أثر يمتد بعيدًا عن حدود عمله؛ فعندها لا يعود الكاتب محطة في حياة القارئ، وإنَّما يصبح جزءًا من الطريق الذي سلكه القارئ؛ ليصير ما هو عليه، ولعل هذا من أثمن ما بقي من أحمد خالد توفيق، أنَّه لم يترك وراءه قرّاءً يحفظون أسماء أعماله فحسب، وإنَّما ترك أناسًا ارتبطت بداياتهم مع الكتاب باسمه، وكل واحد منهم حمل من تلك البداية شيئًا إلى الأمام، ثم فتح كتابًا آخر وتبعه بآخر؛ حتى صار ذلك الطفل الذي كان يخاف من «أسطورة» في غرفة صغيرة قارئًا يعرف أنَّ وراء كل بابٍ بابًا، وأنَّ العالم أوسع بكثير من الحكاية التي بدأت منها الرحلة؛ وهنا يصبح أثر الكاتب أكثر اتساعًا من حياته، وأعماله معًا، فقد ينتهي الكتاب عند الصفحة الأخيرة، وقد تنتهي السلسلة، وقد يغيب الكاتب نفسه، لكن القارئ الذي تعلّم أن يمد يده إلى كتاب جديد لا يعرف نهايةً سهلة، وربَّما هذه كانت إحدى أعمق الهدايا التي تركها أحمد خالد توفيق لجمهوره، أنَّه جعل كثير من الناس يعرفون الطريق إلى الكتاب، ثم تركهم يمضون فيه وحدهم، وعند هذه النقطة، يتجاوز أثر أحمد خالد توفيق حدود الحكايات التي أحبّها القرّاء، والذكريات التي ارتبطت بها سنواتهم الأولى؛ ليصل إلى السؤال الأصعب:
ماذا يبقى من الكاتب حين تُنحّى عنه شعبيّة أعماله، وحين نضع كتبه إلى جوار ما أنتجته الآداب الكبرى في العالم؟
اعتقد أنَّ الإجابة تبدأ من الاعتراف بأنَّ الأدب لا يُقاس دائمًا بالمقاييس التي اعتدنا استخدامها للحكم عليه؛ فهناك أعمالٌ تُقرأ بوصفها انجازًا فنيًّا خالصًا، وأعمالٌ أخرى تتجاوز صفحاتها؛ لتصنع علاقة جديدة بين الإنسان، والكتاب، وتغيّر ذائقة جيل كامل، وتمنح أعدادًا هائلة من القرّاء مفرداتٍ للتفكير في الخوف، والموت، والوحدة، والمرض، والاختيار، وفي هذا الميدان تحديدًا تكتسب تجربة أحمد خالد توفيق وزنها الحقيقيّ.
لقد عالج، بلغته الساخرة وخياله الرحب، أسئلةً شغلت كبار كتّاب العالم قبل أن تصل إلى صفحاته، أسئلة مثل: ماذا يفعل الإنسان أمام الموت؟ أين تنتهي قدرة العقل على تفسير العالم؟ كيف يعيش المرء مع هشاشته؟ ماذا يبقى من الإنسان حين تسقط عنه الأقنعة التي يصنعها لنفسه؟ وما الذي يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش رغم فقدها، وخيباتها؟ وهي أسئلة يمكن أن نجد أصداءها عند دوستويفسكي، وكامو، وسارتر، وبورخيس، وإدغار آلان بو، وغيرهم، ممن جعلوا الأدب مساحةً لمواجهة الوجود، كلٌّ بلغته وأدواته، وعصره، ولا يعني ذلك أنَّ أحمد خالد توفيق يكتب بالطريقة نفسها، أو أنَّ أعماله ينبغي أن تُقرأ باعتبارها امتدادًا مباشرًا لهؤلاء، قيمته تكمن في أنَّه حمل بعض الأسئلة الإنسانيَّة الكبرى إلى منطقة أخرى، أقرب إلى القارئ العربيّ الشاب، وأشد اتصالًا بتفاصيل حياته اليوميَّة، ومخاوفه، وخياله؛ فأخذ الرعب إلى الفلسفة، والسخريّة إلى التأمل، والمغامرة إلى المعرفة، والطب إلى سؤال الجسم، والموت، والأسطورة إلى اختبار حدود العقل. وكان يستطيع أن يجعل فكرة فلسفيّة معقدة تمرّ في ثوب حكاية مشوّقة، ثم يتركها في ذهن القارئ تعمل طويلًا بعد أن تنتهي الحكاية، وهنا تحديدًا تصبح المقارنة بالآداب الغربيَّة أكثر إنصافًا؛ فالفلسفة الأدبيّة لا تتحدد بثقل المصطلحات، ولا بعدد الإحالات الفكريّة، وإنما بقدرة النص على أن يضع الإنسان أمام نفسه، وقد فعل أحمد خالد توفيق ذلك مرارًا، وإن اختار لذلك لغةً تبدو في ظاهرها بسيطة، ومساحات سرديّة تبدو في ظاهرها أبعد عن الفلسفة الأكاديميّة، فكان يكتب للقارئ الذي يريد أن يعرف ماذا سيحدث في الصفحة التالية، ثم يفاجئه أحيانًا بأنه صار يسأل" ماذا سيحدث لي أنا؟ ولماذا أخاف؟ ولماذا أموت؟ وهل يستطيع الإنسان أن يعيش وهو يعرف نهايته؟" ومن هنا تأتي أهمية تجربته في الأدب العربيّ الحديث؛ فمكانته لا تحتاج إلى أن تُنتزع من كتّاب كبار آخرين، ولا إلى أن نضعه في مرتبة مصطنعة فوق الجميع حتى نثبت قيمته، بل يكفي أن نقرأه داخل سياقه، وأن نرى ما فعله بما كان متاحًا له من أدوات، وما فتحه من أبواب أمام أجيال من القرّاء، وكيف استطاع أن يجعل أدب الرعب، والفانتازيا، والخيال، والمغامرة، حاملًا لأسئلة إنسانيّة، وفكريّة تتجاوز حدود النوع نفسه.
قد لا تكون كل أعماله في المستوى الفنيّ ذاته، وهذه حقيقة لا تنتقص من تجربته، وإنَّما تجعلها أكثر إنسانيّة، وأقرب إلى القراءة النقديّة الموضوعيّة. فالمشروع الأدبيّ الكبير لا يُختزل في نصٍ واحد، ولا تُقاس أهميته بغياب العثرات عنه، بل قيمته الأعمق تظهر في مجمل المسار، وفي غزارة الإنتاج، واتساع الخيال، وتكوين الشخصيّات، وبناء الصوت السرديّ، والقدرة على مخاطبة أجيال متعاقبة، والأهم في ذلك كله قدرته النادرة على جعل الكتاب جزءًا من حياة قارئه؛ ولهذا حين نتحدث عن أثر أحمد خالد توفيق، فنحن لا نتحدث عن كاتبٍ أحبّه جيلٌ ثم مضى، بل نحن أمام تجربة تركت في الأدب العربيّ الحديث علامةً يَصعُب تجاوزها؛ لأنَّها لم تترك لنا كتبًا فحسب، وإنَّما خلقت قرّاء، وذائقة، وأسئلة، وشخصيات عاشت خارج صفحاتها، وخلدت ذاكرةً أدبيّةً كاملةً ارتبط فيها الكتاب بسنوات التكوين الأولى لدى ملايين القرّاء، وربما كان هذا هو المقياس الأصدق؛ لبقاء الكاتب، حتى بعد وفاته تظل أفكاره قادرةً على بدء حياة جديدة داخل عقول لم يراها، ولم يعرف أصحابها، ولم يكن يعلم أنَّ بعضهم سيحمل كلماته إلى عمرٍ أبعد من عمره، عندها فقط نفهم معنى الأثر، معنى أن يرحل صاحبه، وتظل يده ممدودةً من بين الصفحات، وأن يمضي الكاتب من العالم، بينما تواصل كتبه مهمتها في العالم.
وفي النهاية، لعلّ أجمل ما يمكن أن يُقال عن أحمد خالد توفيق أن الموت استطاع أن يأخذ الرجل، ولم يستطع أن يأخذ العرّاب، فالعرّاب لم يكن لقبًا التصق باسمه ثم انقضى بانقضاء صاحبه، بل كان الاسم الذي اختصر علاقةً كاملة بين كاتبٍ، وقرّائه، فكان صوتًا يأتي من بين الصفحات، فيؤنس الخائف، ويشاكس الساخر، ويوقظ الفضوليّ، ويدفع الفتى الذي ظنّ أنه جاء إلى الكتاب بحثًا عن حكاية، إلى أن يكتشف أنه جاء يبحث عن نفسه؛ ولهذا ظلّ العرّاب حيًّا في المكان الذي لا تبلغ إليه يد الموت -في ذاكرة قرّائه-.
وما أغرب شأن الكلمة حين تُكتب بصدق، يضعها صاحبها على الورق، ثُمَّ يرحل، فإذا بها تبدأ حياةً لا سلطان له عليها، وتتناقلها الأجيال، وتُستعاد في غرفٍ لم يدخلها، وفي أعمارٍ لم يشهدها، وعلى ألسنة قرّاء لم يعرف أسماءهم قط، وربما كان هذا هو المجد الحقيقيّ للكاتب، أن يتحول من إنسانٍ له عمرٌ محدود إلى أثرٍ لا يعرف عمرًا.
رحل أحمد خالد توفيق، وبقيت الحكايات التي جعلت أجيالًا كاملة تخاف، وتضحك، وتتساءل، وتقرأ، وبقي رفعت إسماعيل في الذاكرة، وبقيت«فانتازيا» تفتح أبوابها على المعرفة، وبقي «سافاري» يذكّر القارئ بأنَّ العالم أوسع من الصفحة التي بين يديه، وبقيت عباراته، وسخريّته، وقلقه، وأسئلته، والأهم بقاء أولئك القرّاء الذين كان لهم يومًا عرّابًا إلى عالَم الكتب.
وهكذا لا يعود السؤال ماذا ترك أحمد خالد توفيق بعد رحيله؟
لقد ترك ما هو أبقى من الكتب،
ترك قارئًا، ترك جيلًا يعرف أنَّ وراء الصفحة عالَمًا، وأن وراء الحكاية سؤالًا، وأنَّ الكتاب قد يكون أحيانًا بابًا لا نعرف إلى أين يفضي بنا، لكنَّنا نمضي فيه؛ لأنَّ أحدًا سبقنا إليه، وترك الباب مفتوحًا!
لهذا أحمد خالد توفيق، مهما ابتعدت السنوات سيظل أكثر من اسمٍ في سجل الأدب العربيّ الحديث، وأكثر من مجرد كاتبٍ رحل، وترك مؤلفاته خلفه، سيظل العرّاب، الرجل الذي اخترق الورق إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الوجدان، ثُمَّ استقر في ذلك الموضع الغامض الذي لا يصل إليه النسيان؛
فالكاتب يموت مرةً حين تخرج روحه، ومرةً أخرى حين تنطفئ كلماته في قلوب الناس،
وأحمد خالد توفيق؟
لقد مات الأولى، أمَّا الثانيّة، فلا تزال بعيدة.
قد تمرّ يدك على كتابٍ قديم بعد سنوات فتتوقف فجأة، لا لأنَّك تذكرت الحكاية كاملة، ولا لأنَّك ما زلت تحفظ ما حدث في صفحاتها؛ وإنَّما لأنَّ اسمًا واحدًا على الغلاف استطاع في لحظة خاطفة أن يعيد إليك عمرًا كاملًا! غرفة قديمة، ضوء خافت، ليل طويل، وجهك كما كان قبل سنوات، ذلك الشعور الغريب الذي صاحبك وأنت تقرأه للمرة الأولى، حين كنت تظن أنَّك تفتح كتابًا، بينما كنت في الحقيقة تفتح بابًا إلى نسخة قديمة منك.
هناك أشخاص نعرفهم، ثم تنتهي حكاياتهم معنا حين يغيبون، وهناك أشخاص يرحلون؛ فتبدأ حكاياتهم بداخلنا، أحمد خالد توفيق من هؤلاء! يكفي أن يُذكر اسمه أمام قارئ عاصره في سنواته الأولى، حتى تتحرك في الذاكرة أشياء لا علاقة لها بالكتب! يستيقظ ذلك الفتى الذي كان يقرأ تحت ضوءٍ ضعيفٍ، أو تلك الفتاة التي كانت تحمل رواية إلى فراشها، وتؤجل النوم صفحة بعد صفحة، أو ذلك القارئ الذي اكتشف للمرة الأولى أنَّ الكتاب يمكن أن يخيفه، ويضحكه، ويؤنس وحدته في الليلة نفسها؛ فجأة، يصبح الكاتب أكبر من مجموع ما كتب، يصبح جزءًا من زمنٍ شخصي لا يستطيع صاحبه أن يستعيده إلا باستعادته! وهنا تكمن المفارقة الجميلة، فالكاتب الذي قضى عمره في استكشاف العوالم صار بعد رحيله حاضرًا في عالَم لم يستكشفه، وهو عالم قرائه؛
فرفعت إسماعيل لم يعد حبيس الصفحات التي ظهر فيها، وعبير، وعلاء عبد العظيم ليسوا مجرد أسماء تتحرك في سلاسل روائيّة؛ ثَمَّة شيء من هؤلاء بقيَ في الذاكرة، وشيء من صاحبهم بقي معهم! وربّما لهذا السبب تحديدًا؛ تبدو بعض الكتب رافضة للشيخوخة؛ لأنّها لا تسكن رفوف المكتبات وحدها، وإنّما تسكن عقول أصحابها.
كان أحمد خالد توفيق يكتب عن الخوف، وعن الموت، وعن المرض، وعن الوحدة، وعن ذلك الجانب القَلِق من الإنسان الذي يحاول أن يبدو أكثر شجاعة مما هو عليه، لكن قارئه الصغير لم يكن يدري -في البداية- أنّه كان يكتب أيضًا عن الحياة التي سيكبر فيها ذلك القارئ، ويعرف ثقلها بنفسه، وحين يكبر القارئ؛ لن يعود إلى كتبه بالطريقة نفسها؛ فبعض الأشياء التي بدت له يومًا مجرد حكايات مرعبة تصير أكثر قربًا من الحقيقة، وبعض النكات التي ضحك منها في مراهقته قد تكتسب مذاقًا آخر، وبعض الجمل التي مرّ عليها سريعًا قد تبدو بعد سنوات كأنَّها كانت تعرف عنه شيئًا لم يكن يعرفه هو، وهذا هو الأثر حين يبلغ مداه الحقيقيّ؛ أن تتغير أنت، بينما يظل الكتاب في مكانه، ثم تعود إليه فتجده قد تغيّر معك؛ ولذلك لا تبدو وفاة أحمد خالد توفيق نهاية مناسبة للحديث عنه، فالنهاية تخص الإنسان، أمّا الأثر فله قوانين أخرى، فقد يتوقف القلم، وقد يُغلق الباب الذي خرجت منه تلك الحكايات، لكن الكلمات التي وَجدت طريقها إلى قلوب قرائها لا تعرف هذا النوع من النهايات؛ إنها تستمر في الانتقال، هادئةً، وخفيّة، من قارئٍ إلى قارئٍ؛ حتى يصبح الكاتب الذي ظن أنَّه يروي حكايةً لشخصٍ يجلس وحده في غرفته جزءًا من حكايات آلاف الأشخاص أنفسهم، ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي عن أحمد خالد توفيق، ما الذي جعل أثره أبقى من كتبه؟ وكيف استطاع كاتبٌ اختار في بداياته طريق الأدب الجماهيريّ، والرعب، والفانتازيا، أن يصبح مع مرور السنوات واحدًا من أكثر الأسماء التصاقًا بذاكرة جيل كامل؟
ربَّما لأن بعض الكتّاب يمنحونك حكاية تنساها، وبعضهم يمنحك حكاية تكبر معك، وأحمد خالد توفيق كان يترك شيئًا من حكاياته بداخلك، ربَّما كان سرّ القرب الذي نشأ بين أحمد خالد توفيق وقرّائه؛ أنَّه لم يتحدث إليهم من مكان مرتفع، بل كان يعرف المسافة التي تفصل الكاتب عن قارئه، ثم عرف كيف يلغيها؛ فتقرأ له فتشعر أنَّ ثَمَّة شخصًا يجلس على الطرف الآخر من الصفحة؛ ليشرح لك الحياة، أو يعرض أمامك ما يعرفه عنها، تشعر-على نحو أكثر حميميّة- أنّك تجلس إلى جوار شخص يعرف هذا العالم كما تعرفه أنت، ويرى سخافته، ومآسيه، وتناقضاته بعينٍ مفتوحة، ثُم يضحك!
كان في كتاباته شيء من الصحبة، وهذه كلمة تبدو بسيطة؛ لكنّها تفسر جانبًا كبيرًا من علاقته بجمهوره؛ فالكاتب قد يُثير إعجابك، وقد يدهشك، وقد يجعلك تفكر طويلًا في فكرة قالها، لكن أن تشعر أنَّك تعرفه، وأنَّ صوته صار مألوفًا في أذنك، وأنَّك تستطيع أن تتخيل تعليقاته الساخرة على مشهد تراه في حياتك اليوميّة، فهذه منزلة أخرى تمامًا، ولعل أحمد خالد توفيق بلغها؛ لأنَّه كان شديد الانتباه إلى الإنسان العادي، إلى تفاصيله الصغيرة التي تمرّ عادةً من دون أن يلتفت إليها أحد، الخوف الذي نخفيه خلف المزاح، الملل الذي نتظاهر بأنّه لا يعنينا، الرغبة في أن نبدو أكثر ثباتًا مما نحن عليه، ذاك السؤال الذي يزورنا في منتصف الليل ثم ندفعه بعيدًا في الصباح، كان يكتب عن هذه الأشياء التي يعرفها الناس جميعًا، لكن قليلًا منهم مَن يعرف كيف يسميها،
حتى سخريته كانت جزءًا من هذه الصحبة، فلم تكن السخرية عنده؛ لتزيين النص كي يبدو أكثر خفة؛ وإنَّما كانت طريقة كاملة في النظر، كان يستطيع أن يرى الجانب المضحك في أكثر المواقف قتامة، وأن يترك خلف الضحكة مسحةً من المرارة لا ينتبه إليها القارئ إلا بعد أن يهدأ؛ فتضحك من جملة، ثم تكتشف أنّك ضحكت؛ لأنَّك تعرفها من حياتك، تعرف هذا النوع من البشر، وهذه الحماقة، وهذا الخوف، وهذه الطريقة التي نحاول بها أن نحتال على قلقنا اليوميّ؛ فكان لا يحتاج أن يتكلف القرب من الشباب الذين قرأوا له؛ لأنّه كان قريبًا منهم في اللغة، والإيقاع، وطريقة التفكير، وفي قدرته على أخذ أسئلتهم على محمل الجد حتى حين يصيغها في ثوبٍ ساخر، كان مُدرك أنَّ المراهق الذي يمسك كتابًا في يده ليس قارئًا ناقصًا ينتظر أن يكبر؛ كي يصبح جديرًا بالأدب، فوراء ذلك القارئ عقل يتشكل، وخيال يتسع، وأسئلة تتكاثر، وخوف حقيقيّ من عالم لا يزال غامضًا أمامه؛ وهنا تظهر قيمة أخرى في تجربته، أنَّه منح قارئه احترامًا نادرًا؛ فترك له مساحةً للدهشة، ولم يفسد عليه متعة الاستكشاف بشرح كل شيء، بل كان يفتح باب الحكاية ويدع القارئ يدخل، ثم يتركه يواجه ما وراءها بطريقته؛ وربَّما لهذا ظل كثير من قرّائه أوفياء له حتى بعد أن تغيرت أعمارهم، وذائقتهم، واهتماماتهم؛ لأنَّ العلاقة التي بدأت بكتاب رعب، أو سلسلة فانتازيا، تحولت مع الوقت إلى شيء أعمق من النوع الأدبيّ الذي جمعهما في البداية؛ فالذين بدأوا معه صغارًا لم يبقوا صغارًا، بل كبروا، وقرأوا لدوستويفسكي، وكامو، وماركيز، ونجيب محفوظ، وغيرهم، واتسعت مكتباتهم، وتبدلت أسئلتهم، ومع ذلك ظل اسم أحمد خالد توفيق في مكان ما من الذاكرة لا يشبه مكان بقية الأسماء؛ ربَّما لأنّ بعض الكتب تدخل حياتنا في اللحظة التي نكون فيها أكثر استعدادًا لأن نحبها؛ فتلتصق بالمرحلة نفسها؛ ليصبح الكتاب شاهدًا عليها، ويصبح صاحبه شاهدًا عليها أيضًا؛ وهكذا تحولت العلاقة بينه وبين قارئه إلى ما يشبه الرفقة الطويلة التي بدأها القارئ بحثًا عن حكاية مسليّة، أو جرعة من الرعب، أو مغامرة في عالم لا يعرفه، ثم اكتشف بعد سنوات أنّه كان يأخذ معه شيئًا آخر في كل مرة! طريقته في النظر، حسه الساخر، أسئلته عن الموت والحياة، وشعوره الدائم بأنّ خلف الأشياء التي تبدو عادية طبقة أخرى تستحق أن تُكتشف؛ لهذا يصعب اختزال أحمد خالد توفيق في كونه كاتبًا جماهيريًّا واسع الانتشار، فهذه العبارة تصف حجم الجمهور، لكنها لا تفسر طبيعة العلاقة الشعبيّة؛ لتخبرنا كم من شخصٍ تأثر به؟فالأثر يخبرنا كم من شخصٍ ظل يحمل شيئًا منك بعد أن أغلق كتابك؟! وهنا، تحديدًا، يبدأ أحمد خالد توفيق في تجاوز حدود الكتب التي كتبها إلى مساحة أكثر رحابة، المساحة التي يصنع فيها الكاتب جزءًا من وجدان قارئه، وهذه الطريقة في النظر كانت أوضح ما تكون في علاقته بالخوف، فمن السهل أن نضع أحمد خالد توفيق في خانة كتَّاب الرعب، ثم نمضي، لكن هذه الخانة تضيق كثيرًا عن المساحة التي تحركت فيها كتاباته، فالخوف عنده لم يكن مجرد باب يدخل منه القارئ إلى الحكاية، بل كان أقرب إلى مرآة يرى فيها الإنسان نفسه حين تسقط عنه قدرته في التظاهر بالشجاعة! ولهذا كانت حكاياته المُخيفة تترك في النفس أثرًا يتجاوز لحظة الفزع، فقد تنتهي الحكاية، وينجو أبطالها، أو يموتون، ويغلق القارئ الكتاب، ثُم يبقى شيء آخر يلاحقه، لماذا يخاف الإنسان الموت إلى هذا الحد؟ لماذا يخيفنا المجهول أكثر مما يؤذينا؟ ماذا يحدث لنا حين نفقد السيطرة على الأشياء التي اعتدنا أن نراها مفهومة؟ وأين تنتهي حدود العقل؟ وأين يبدأ الوهم؟
فكان يعرف أن الرعب الحقيقيّ لا يحتاج دائمًا إلى مخلوق غريب يخرج من الظلام، بل يكفي أحيانًا أن يجعل المألوف نفسه موضع شك، بيت نعرفه، شارع مررنا به، إنسان نثق به، ذاكرة نظنها صادقة، أو إنسان نطمئن إليه، ثم يأتي تفصيل صغير يخلخل هذه الطمأنينة كلها فجأة؛ ليصبح العالم الذي اعتدناه أقل أمانًا، ويبدأ القارئ في النظر حوله بعينٍ أخرى! وهنا كانت براعة الحكاية عنده، كان يأخذ القارئ من يده إلى الخوف من دون أن يخبره مسبقًا إلى أين يمضي، ويتركه يستمتع بالحكاية، يضحك من تعليق عابر، يتابع مغامرةً، أو لغزًا، ثم يضع أمامه سؤالًا أثقل مما توقع، وحين يظهر السؤال، يكون القارئ قد صار داخل الحكاية بالفعل، فلم يعد يشاهد الخوف من الخارج، وإنَّما صار يختبره من موقعه هو! وربَّما لهذا بقيت بعض شخصياته أكثر حضورًا في كثيرٍ من الأحداث التي مررت بها فمثلًا: رفعت إسماعيل لم يكن بطلًا خارقًا يواجه الرعب بثبات أبطال القصص التقليديّة، بل كان رجلًا يعرف الخوف جيدًا، ويعترف به، ويسخر منه، ويمضي رغم وجوده، وفي هذه المسافة بين الخوف، والشجاعة وجد القرّاء أنفسهم؛ فالشجاعة التي لا تعرف الخوف صورة سهلة، أمّا الإنسان الذي يخاف ثم يكمل طريقه، فذلك أقرب إلى الحقيقة، حتى الموت الذي حضر في عالمه كثيرًا، لم يكن مجرد خاتمة للحكايات، بل كان سؤالًا قائمًا خلفها، يظهر مرةً في صورة رعب، ومرةً في صورة مرض، ومرةً في هيئة فقد، ومرةً في فكرة لا يستطيع الإنسان أن يطردها من رأسه؛ ولذلك استطاع أن يتحدث عن الموت مع قرّاء صغار من غير أن يحوّل الأمر إلى درس ثقيل، فأدخلهم إليه من باب الحكاية، ثم تركهم يستكشفون بأنفسهم أنَّ الخوف منه جزء من خوف أوسع، الخوف من أن تنتهي الأشياء التي نحبها، وأن ينتهي معها شيء منا، وهنا تتصل السخرية بالخوف اتصالًا عميقًا؛ فكان يضحك لأنَّ الإنسان، حين يعجز عن احتمال جديّة العالم، يبحث عن منفذ آخر؛ فنضحك على الأشباح لأنَّ فكرة أن نخاف منها وحدها تبدو سخيفة، ونضحك على الموت لأنَّ الاعتراف بأنَّه ينتظرنا جميعًا ثقيل، ونضحك على أنفسنا؛ لأنَّنا نعرف في قرارة أنفسنا إنَّنا أكثر هشاشة مما نحب أن نظهر! ولذلك كانت خفة أحمد خالد توفيق جزءًا من ثقله الأدبيّ، لا نقيضًا له؛ فالجملة الساخرة عنده تستطيع أن تفتح الطريق إلى فكرة قاتمة، والدعابة قد تأتي في اللحظة التي يكون فيها النص على وشك أن يغرق في العتمة، كان يعرف أنَّ القارئ لا يعيش بالحزن وحده، وأنَّ أكثر الأفكار قسوة التي تجد طريقها إلى القلب في ثوب الحكاية، والضَحكة! وهكذا، كلما ظن القارئ أنه جاء إلى كتبه بحثًا عن الخوف، وجد نفسه أمام شيء أوسع، وهو بحث عن الإنسان وهو يواجه خوفه؛ وهذه النقلة هي التي منحت كثيرًا من حكاياته عمرًا أطول من عمر الرعب نفسه؛ فالخوف يهدأ بانتهاء القصة، أمَّا السؤال الذي يوقظه في داخلنا فقد يظل مستيقظًا لسنوات! ومن هذا الخوف الذي كان يوقظ الأسئلة؛ وُلدت علاقة أخرى أكثر رسوخًا بين أحمد خالد توفيق وقرّائه، علاقة الشخصيات التي لم تبقَ داخل حدود الورق، فرفعت إسماعيل في «ما وراء الطبيعة»، رجل يعيش الحكايات المرعبة، وهو: رجل نحيل، مدخن، ساخر، مثقّل بأمراضه، ومخاوفه، يقف أمام ظواهر يستعصى تفسيرها ثم يواصل النظر إليها بعين الطبيب الذي يبحث عن تفسيرٍ منطقيّ، وعين الإنسان الذي يعرف في داخله أن العالم أوسع من أن تحيط به أدواته كلها، ولم يكن بطلاً مصقولًا على الصورة التي اعتدناها في الحكايات، بل كان مليئًا بالعيوب، كثير الشكوى، سريع السخريّة، وأحيانًا شديد الجبن، ومع ذلك استطاع أن يصبح واحدًا من أكثر الشخصيات التصاقًا بذاكرة جيل كامل!
/////////////
ولعل سرّه يكمن هنا تحديدًا، في القارئ الذي لم يجد نفسه أمام شخصية بعيدة عنه، مكتملة الشجاعة، والقدرة، وإنَّما أمام إنسان يستطيع أن يتعرف إليه.
كان رفعت إسماعيل يخاف، ويتردد، ويمرض، ويسخر، ويضيق بالناس، ويضيقون به، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى مواجهة ما يخشاه، وفي كل مرة كان يمضي إلى المجهول، كان يأخذ معه قارئًا يشبهه في ضعفه، وفضوله، وقلقه.
مع امتداد السلسلة، تحولت مغامرات «ما وراء الطبيعة» إلى شيء يشبه الذاكرة المشتركة، عناوين مثل أسطورة مصاص الدماء، وأسطورة رجل الثلج وأسطورة النبات، وغيرها، لم تعد مجرد حكايات متجاورة في سلسلة طويلة، بل صارت محطات يعرفها القرّاء كما يعرفون مراحل من أعمارهم! فهناك من التقى برفعت إسماعيل وهو طفلًا، ثُمَّ كبر، وهو يعود إليه بين حين وآخر، فيجد أنَّ الرجل نفسه ما زال جالسًا في مكانه، وأن العالم الذي كان يخيفه في الصغر صار يحمل له بعد سنوات معاني أخرى، وهذه واحدة من أجمل ما تمنحه الشخصيات الأدبيّة حين تنجح في العيش طويلًا، إنَّها تتغير في عين القارئ مع تغيّر القارئ نفسه!
في المرة الأولى قد يبدو رفعت إسماعيل مضحكًا، وبعد سنوات يصبح أكثر مرارة. قد نقرأ خوفه بوصفه جزءًا من متعة الحكاية، ثم نعود إليه ونحن أكثر معرفةً بوهن الإنسان، فنرى خلف سخريّته رجلًا يحاول أن يحافظ على تماسكه أمام عالَم لا يضمن له شيئًا، وقد تبدو تعليقاته العابرة مجرد خفة محببة، ثُمَّ نكتشف أنَّها كانت طريقته في احتمال أشياء أثقل من أن تُقال بجديّة كاملة.
ولم يتوقف الأمر عند «ما وراء الطبيعة»، في «فانتازيا» أخذ القارئ معه إلى فضاءات أخرى، وجعل الأدب، والتاريخ، والفكر، والمعرفة جزءًا من المغامرة، وفي «سافاري» منح القارئ فرصة للنظر إلى الجسد، والمرض، والموت من خلال عالم مختلف، يحمل فيه المكان، والثقافة، والتجربة الإنسانيّة وزنًا خاصًا. ومع كل عمل كانت تتسع المسافة بين أحمد خالد توفيق وبين فكرة الكاتب الذي يقدم حكاية وينتهي الأمر، كانت الكتب تفتح أبوابًا إلى عوالم أخرى، وفي كل عالم شخصية، أو صوت، أو فكرة، يمكن أن تظل عالقة في الذهن، وهنا تظهر قيمة السلاسل نفسها في تجربته، فكأنَّ القارئ يعود إلى العالَم ذاته مرة أخرى؛ فينشأ نوع من الأُلفة لا تصنعه الرواية المنفردة بسهولة؛ فيعرف الشخصيات، يعرف نبرة الحكاية، يعرف ذلك الإيقاع الذي ينتظره، ثم يدخل الكتاب الجديد وفي داخله شعور يشبه العودة إلى مكان قديم، ومع كل عودة كانت العلاقة تزداد رسوخًا.
لقد استطاع أحمد خالد توفيق أن يجعل القارئ ينتظر الشخصيّة كما ينتظر صديقًا قديمًا، وهذه منزلة شديدة الخصوصيّة في الأدب؛ لأنَّ الشخصية تخرج من كونها أداة في يد الكاتب؛ لتصبح كائنًا له مكانه في ذاكرة من قرأه، وربَّما لهذا السبب أيضًا ارتبطت أسماء شخصياته بأسماء قرّائها أنفسهم، فصار هناك جيل كامل يستطيع أن يقول: «رفعت إسماعيل كان جزءًا من طفولتي»، أو«بدأت القراءة مع أحمد خالد توفيق»، وكأنَّ الحديث عن الكاتب يستدعي تلقائيًّا الحديث عن مرحلة شخصيّة من العمر، عندها يتجاوز الكتاب وظيفته الأولى، ويصير شاهدًا على حياة قارئه!
وهنا يعود الأثر إلى مكانه الأول، فالكاتب يترك أثره حين تصبح كلماته جزءًا من ذاكرة الآخرين، والشخصية تبلغ ذروة حياتها حين يجد فيها القارئ شيئًا من نفسه، وأحمد خالد توفيق جمع بين الأمرين معًا، ترك وراءه شخصيات يعرفها القرّاء، وترك معها نسخًا قديمة من أنفسهم، محفوظة بين صفحات الكتب، تنتظر عودتهم إليها؛ لتفتح لهم الباب من جديد.
من تلك النسخ القديمة التي حفظتها كتبه، تبدأ حكاية أخرى أكثر اتساعًا، فالقارئ الذي وجد شيئًا من نفسه في رفعت إسماعيل، أو صحب عبير في عوالم «فانتازيا»، أو دخل «سافاري» باحثًا عن مغامرة، لم يكن يخرج من الكتاب بالشعور نفسه الذي دخل به؛ فالحكاية تترك وراءها فضولًا جديدًا، والفضول يقود إلى كتاب آخر، والكتاب الآخر يفتح نافذة على عالَم لم يكن في الخيال من قبل.
هكذا صار أحمد خالد توفيق، بالنسبة إلى كثير من القرّاء، بداية الطريق إلى القراءة، والبدايات التي تصنعها الكتب لا تُنسى، فقد لا يتذكر الإنسان أول كتاب قرأه قراءةً كاملة، وقد تتداخل العناوين في ذاكرته مع السنوات؛ لكنه يتذكر غالبًا ذلك الإحساس الأول، دهشة أن يختلي بعالَم كامل بين يديه، وأن تستطيع بضعة أوراق، وحِبر أسود أن يسرقاه ساعات من الواقع، وهذه الدهشة هي التي تجعل الطفل قارئًا، ثُمَّ تجعل القارئ يبحث عن دهشة أخرى بعد أن يغلق كتابه، وأحمد خالد توفيق عرف كيف يصنع هذه الدهشة؛ فدخل إلى القارئ من أكثر الأبواب قربًا إلى قلبه، ألا وهي الحكاية، فلم يطلب منه في البداية أن يكون مثقفًا كي يستمتع، ولم يضع المعرفة في هيئة امتحان، ولم يجعل الكتاب مكانًا ثقيلًا يحتاج إلى استعداد خاص، بل كانت المتعة هي الدعوة الأولى، ثم أخذت المعرفة مكانها في الطريق، وبين صفحة، وأخرى كان القارئ يلتقط اسم كاتب، أو يمر على أسطورة قديمة، أو يسمع عن بلد لم يعرفه، أو يتوقف عند فكرة فلسفيّة، أو يخرج من الحكاية في ذهنه سؤال جديد، ثم يكفي أن يظل السؤال حيًا حتى تبدأ رحلة أخرى.
وهنا تظهر قيمة لا تمنحها كثرة المبيعات وحدها، وهي أن تجعل إنسانًا يريد أن يقرأ أكثر؛ فالكاتب الذي يترك القارئ عند آخر صفحة أمام رغبة في البحث عن كتاب آخر، أو اسم آخر، أو عالَم آخر، يكون قد وسّع حدود تجربته إلى ما يتجاوز النص الذي كتبه؛ ليصبح الكتاب الأول شرفة تطل على مكتبة كاملة، وهذا ما حدث مع أعداد كبيرة من قرّائه، بدأ بعضهم بـ«ما وراء الطبيعة»، ثم أخذ يبحث عن الأدب الذي كان رفعت إسماعيل يحبه، أو يسخر منه، ثُمَّ انتقل بعضهم من الرعب إلى الرواية، ومن الرواية إلى الأدب العالميّ، ومن الأدب العالميّ إلى الفلسفة، والتاريخ؛ فكانت الكتب تتناسل في أيديهم كما تتناسل الأسئلة في عقولهم، وكان أحمد خالد توفيق حاضرًا في مكانٍ ما من بداية هذا الطريق؛ ولذلك يصعب أن ننظر إلى تجربته بوصفها تجربة كاتب يكتب في نوعٍ أدبيّ محدد فحسب؛ لقد كانت له وظيفة ثقافيّة أوسع، وربما أكثر خفاءً، وهي أن يجعل الكتاب مألوفًا في يد القارئ الشاب، وهذه مهمة عظيمة في زمن تتصارع فيه الأشياء لجذب انتباه الإنسان، فالكتاب يحتاج إلى أن يُفتح أولًا؛ كي يستطيع أن يترك أثره، وأحمد خالد توفيق امتلك قدرة استثنائيّة على جذب القارئ لفتح الكتاب؛ لأنَّه كان يعرف كيف يضعه في يد من لم يعتد القراءة، وكيف يمنحه من المتعة ما يجعله يعود إليه مرة أخرى؛ حتى يصبح الرجوع إلى الكتاب عادة، ثم يصبح البحث عن كتاب جديد جزءًا من تكوينه اليوميّ.
ومن هنا يمكن فهم ظاهرة أحمد خالد توفيق بعيدًا عن الأرقام والاحتفاء العابر، لقد ارتبط اسمه عند كثير من القرّاء بمرحلة استكشاف القراءة نفسها، كان واحدًا من أولئك الذين جعلوا المكتبة تبدو أقل رهبة، والكتاب أقل بُعدًا، والقراءة أكثر شبهًا بالحياة التي يعيشها القارئ بالفعل؛ وحين يكبر ذلك القارئ، وتتغير ذائقته، وتصبح رفوفه أكثر ازدحامًا، قد يبتعد عن النوع الأدبيّ الذي بدأ منه، وقد يذهب إلى دوستويفسكي، أو كافكا، أو كامو، أو نجيب محفوظ، وقد يقرأ الشعر، والفلسفة، والتاريخ، وقد تتبدل علاقته تمامًا بما كان يحبه في بداياته؛ ومع ذلك يظل هناك اسم يعرفه منذ زمن أبعد، اسم ارتبط باللحظة التي اكتشف فيها أنَّ الكتاب يمكن أن يكون رفيقًا، وهذه منزلة لا تُمنح لكاتب بسهولة؛ فالكاتب يستطيع أن يملأ ذاكرة قارئه بشخصية، أو مشهد، أو جملة، أمَّا أن يملأ له رفوفًا كاملة من الكتب التي سيقرأها بعد ذلك، فذلك أثر يمتد بعيدًا عن حدود عمله؛ فعندها لا يعود الكاتب محطة في حياة القارئ، وإنَّما يصبح جزءًا من الطريق الذي سلكه القارئ؛ ليصير ما هو عليه، ولعل هذا من أثمن ما بقي من أحمد خالد توفيق، أنَّه لم يترك وراءه قرّاءً يحفظون أسماء أعماله فحسب، وإنَّما ترك أناسًا ارتبطت بداياتهم مع الكتاب باسمه، وكل واحد منهم حمل من تلك البداية شيئًا إلى الأمام، ثم فتح كتابًا آخر وتبعه بآخر؛ حتى صار ذلك الطفل الذي كان يخاف من «أسطورة» في غرفة صغيرة قارئًا يعرف أنَّ وراء كل بابٍ بابًا، وأنَّ العالم أوسع بكثير من الحكاية التي بدأت منها الرحلة؛ وهنا يصبح أثر الكاتب أكثر اتساعًا من حياته، وأعماله معًا، فقد ينتهي الكتاب عند الصفحة الأخيرة، وقد تنتهي السلسلة، وقد يغيب الكاتب نفسه، لكن القارئ الذي تعلّم أن يمد يده إلى كتاب جديد لا يعرف نهايةً سهلة، وربَّما هذه كانت إحدى أعمق الهدايا التي تركها أحمد خالد توفيق لجمهوره، أنَّه جعل كثير من الناس يعرفون الطريق إلى الكتاب، ثم تركهم يمضون فيه وحدهم، وعند هذه النقطة، يتجاوز أثر أحمد خالد توفيق حدود الحكايات التي أحبّها القرّاء، والذكريات التي ارتبطت بها سنواتهم الأولى؛ ليصل إلى السؤال الأصعب:
ماذا يبقى من الكاتب حين تُنحّى عنه شعبيّة أعماله، وحين نضع كتبه إلى جوار ما أنتجته الآداب الكبرى في العالم؟
اعتقد أنَّ الإجابة تبدأ من الاعتراف بأنَّ الأدب لا يُقاس دائمًا بالمقاييس التي اعتدنا استخدامها للحكم عليه؛ فهناك أعمالٌ تُقرأ بوصفها انجازًا فنيًّا خالصًا، وأعمالٌ أخرى تتجاوز صفحاتها؛ لتصنع علاقة جديدة بين الإنسان، والكتاب، وتغيّر ذائقة جيل كامل، وتمنح أعدادًا هائلة من القرّاء مفرداتٍ للتفكير في الخوف، والموت، والوحدة، والمرض، والاختيار، وفي هذا الميدان تحديدًا تكتسب تجربة أحمد خالد توفيق وزنها الحقيقيّ.
لقد عالج، بلغته الساخرة وخياله الرحب، أسئلةً شغلت كبار كتّاب العالم قبل أن تصل إلى صفحاته، أسئلة مثل: ماذا يفعل الإنسان أمام الموت؟ أين تنتهي قدرة العقل على تفسير العالم؟ كيف يعيش المرء مع هشاشته؟ ماذا يبقى من الإنسان حين تسقط عنه الأقنعة التي يصنعها لنفسه؟ وما الذي يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش رغم فقدها، وخيباتها؟ وهي أسئلة يمكن أن نجد أصداءها عند دوستويفسكي، وكامو، وسارتر، وبورخيس، وإدغار آلان بو، وغيرهم، ممن جعلوا الأدب مساحةً لمواجهة الوجود، كلٌّ بلغته وأدواته، وعصره، ولا يعني ذلك أنَّ أحمد خالد توفيق يكتب بالطريقة نفسها، أو أنَّ أعماله ينبغي أن تُقرأ باعتبارها امتدادًا مباشرًا لهؤلاء، قيمته تكمن في أنَّه حمل بعض الأسئلة الإنسانيَّة الكبرى إلى منطقة أخرى، أقرب إلى القارئ العربيّ الشاب، وأشد اتصالًا بتفاصيل حياته اليوميَّة، ومخاوفه، وخياله؛ فأخذ الرعب إلى الفلسفة، والسخريّة إلى التأمل، والمغامرة إلى المعرفة، والطب إلى سؤال الجسم، والموت، والأسطورة إلى اختبار حدود العقل. وكان يستطيع أن يجعل فكرة فلسفيّة معقدة تمرّ في ثوب حكاية مشوّقة، ثم يتركها في ذهن القارئ تعمل طويلًا بعد أن تنتهي الحكاية، وهنا تحديدًا تصبح المقارنة بالآداب الغربيَّة أكثر إنصافًا؛ فالفلسفة الأدبيّة لا تتحدد بثقل المصطلحات، ولا بعدد الإحالات الفكريّة، وإنما بقدرة النص على أن يضع الإنسان أمام نفسه، وقد فعل أحمد خالد توفيق ذلك مرارًا، وإن اختار لذلك لغةً تبدو في ظاهرها بسيطة، ومساحات سرديّة تبدو في ظاهرها أبعد عن الفلسفة الأكاديميّة، فكان يكتب للقارئ الذي يريد أن يعرف ماذا سيحدث في الصفحة التالية، ثم يفاجئه أحيانًا بأنه صار يسأل" ماذا سيحدث لي أنا؟ ولماذا أخاف؟ ولماذا أموت؟ وهل يستطيع الإنسان أن يعيش وهو يعرف نهايته؟" ومن هنا تأتي أهمية تجربته في الأدب العربيّ الحديث؛ فمكانته لا تحتاج إلى أن تُنتزع من كتّاب كبار آخرين، ولا إلى أن نضعه في مرتبة مصطنعة فوق الجميع حتى نثبت قيمته، بل يكفي أن نقرأه داخل سياقه، وأن نرى ما فعله بما كان متاحًا له من أدوات، وما فتحه من أبواب أمام أجيال من القرّاء، وكيف استطاع أن يجعل أدب الرعب، والفانتازيا، والخيال، والمغامرة، حاملًا لأسئلة إنسانيّة، وفكريّة تتجاوز حدود النوع نفسه.
قد لا تكون كل أعماله في المستوى الفنيّ ذاته، وهذه حقيقة لا تنتقص من تجربته، وإنَّما تجعلها أكثر إنسانيّة، وأقرب إلى القراءة النقديّة الموضوعيّة. فالمشروع الأدبيّ الكبير لا يُختزل في نصٍ واحد، ولا تُقاس أهميته بغياب العثرات عنه، بل قيمته الأعمق تظهر في مجمل المسار، وفي غزارة الإنتاج، واتساع الخيال، وتكوين الشخصيّات، وبناء الصوت السرديّ، والقدرة على مخاطبة أجيال متعاقبة، والأهم في ذلك كله قدرته النادرة على جعل الكتاب جزءًا من حياة قارئه؛ ولهذا حين نتحدث عن أثر أحمد خالد توفيق، فنحن لا نتحدث عن كاتبٍ أحبّه جيلٌ ثم مضى، بل نحن أمام تجربة تركت في الأدب العربيّ الحديث علامةً يَصعُب تجاوزها؛ لأنَّها لم تترك لنا كتبًا فحسب، وإنَّما خلقت قرّاء، وذائقة، وأسئلة، وشخصيات عاشت خارج صفحاتها، وخلدت ذاكرةً أدبيّةً كاملةً ارتبط فيها الكتاب بسنوات التكوين الأولى لدى ملايين القرّاء، وربما كان هذا هو المقياس الأصدق؛ لبقاء الكاتب، حتى بعد وفاته تظل أفكاره قادرةً على بدء حياة جديدة داخل عقول لم يراها، ولم يعرف أصحابها، ولم يكن يعلم أنَّ بعضهم سيحمل كلماته إلى عمرٍ أبعد من عمره، عندها فقط نفهم معنى الأثر، معنى أن يرحل صاحبه، وتظل يده ممدودةً من بين الصفحات، وأن يمضي الكاتب من العالم، بينما تواصل كتبه مهمتها في العالم.
وفي النهاية، لعلّ أجمل ما يمكن أن يُقال عن أحمد خالد توفيق أن الموت استطاع أن يأخذ الرجل، ولم يستطع أن يأخذ العرّاب، فالعرّاب لم يكن لقبًا التصق باسمه ثم انقضى بانقضاء صاحبه، بل كان الاسم الذي اختصر علاقةً كاملة بين كاتبٍ، وقرّائه، فكان صوتًا يأتي من بين الصفحات، فيؤنس الخائف، ويشاكس الساخر، ويوقظ الفضوليّ، ويدفع الفتى الذي ظنّ أنه جاء إلى الكتاب بحثًا عن حكاية، إلى أن يكتشف أنه جاء يبحث عن نفسه؛ ولهذا ظلّ العرّاب حيًّا في المكان الذي لا تبلغ إليه يد الموت -في ذاكرة قرّائه-.
وما أغرب شأن الكلمة حين تُكتب بصدق، يضعها صاحبها على الورق، ثُمَّ يرحل، فإذا بها تبدأ حياةً لا سلطان له عليها، وتتناقلها الأجيال، وتُستعاد في غرفٍ لم يدخلها، وفي أعمارٍ لم يشهدها، وعلى ألسنة قرّاء لم يعرف أسماءهم قط، وربما كان هذا هو المجد الحقيقيّ للكاتب، أن يتحول من إنسانٍ له عمرٌ محدود إلى أثرٍ لا يعرف عمرًا.
رحل أحمد خالد توفيق، وبقيت الحكايات التي جعلت أجيالًا كاملة تخاف، وتضحك، وتتساءل، وتقرأ، وبقي رفعت إسماعيل في الذاكرة، وبقيت«فانتازيا» تفتح أبوابها على المعرفة، وبقي «سافاري» يذكّر القارئ بأنَّ العالم أوسع من الصفحة التي بين يديه، وبقيت عباراته، وسخريّته، وقلقه، وأسئلته، والأهم بقاء أولئك القرّاء الذين كان لهم يومًا عرّابًا إلى عالَم الكتب.
وهكذا لا يعود السؤال ماذا ترك أحمد خالد توفيق بعد رحيله؟
لقد ترك ما هو أبقى من الكتب،
ترك قارئًا، ترك جيلًا يعرف أنَّ وراء الصفحة عالَمًا، وأن وراء الحكاية سؤالًا، وأنَّ الكتاب قد يكون أحيانًا بابًا لا نعرف إلى أين يفضي بنا، لكنَّنا نمضي فيه؛ لأنَّ أحدًا سبقنا إليه، وترك الباب مفتوحًا!
لهذا أحمد خالد توفيق، مهما ابتعدت السنوات سيظل أكثر من اسمٍ في سجل الأدب العربيّ الحديث، وأكثر من مجرد كاتبٍ رحل، وترك مؤلفاته خلفه، سيظل العرّاب، الرجل الذي اخترق الورق إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الوجدان، ثُمَّ استقر في ذلك الموضع الغامض الذي لا يصل إليه النسيان؛
فالكاتب يموت مرةً حين تخرج روحه، ومرةً أخرى حين تنطفئ كلماته في قلوب الناس،
وأحمد خالد توفيق؟
لقد مات الأولى، أمَّا الثانيّة، فلا تزال بعيدة.