العلاج بالقراءة

الدواء لعصر التشتُّت والقلق

بقلم: ورد طارق

العلاج بالقراءة
في ظِل هذا العصر الذي نعيش فيه الآن، يعاني الكثير منا بشكلٍ ملحوظ من الأَرَق الناتج عن التفكير المفرط؛ مما ينتج عنه الشعور بالقلق الدائم، والاكتئاب، وفقدان الشغف. وعلى الجانب الآخر، انتشر مؤخرًا المصطلح الشهير «الببليوثيرابي» (Bibliotherapy)، أو ما يُسمَّى بـ«العلاج بالقراءة»، وهنا يَكمن الرابط بينهما؛ فالببليوثيرابي يعالج هذه المشكلة. فهل القراءة بالفعل تساعد على حل مُعضلة هذا العصر؟

العلاج بالقراءة هو أحد أشكال العلاج بالفنون الإبداعية، ومن أهم أدوات تحسين الصحة النفسية، وقد بدأ استخدامه في القرن العشرين. واشتُقَّ هذا المصطلح من دمج كلمتين يونانيتين: هما: «بِبليون» (أي كتاب)، و«ثِيرابيا» (أي علاج). صاغَه "صاموئيل مَكورد كروثرز"، القِس الموحِّد وكاتب المقالات، عام ١٩١٦م.

أَثبتت دراسات من جامعة مينيسوتا توين سيتيز (Minnesota Twin Cities) أن القراءة تساعد على تقليل هرمون «الكورتيزول» المسؤول عن التوتر. فعندما تتعمَّق في الكتاب الذي تقرؤه، يتوجه كامل تركيزك نحو محتوى الكتاب، وهذه العملية العقلية من شأنها أن تُقلِّل من التفكير المفرط، وبخاصة عندما يتعلق هذا الكتاب بأمر يشغَل عقلك.

"العديد من الكتب تشبه مفتاحًا لغرف مجهولة داخل قصر الذات".

– فرانتس كافكا


وعلى أرض الواقع، ومن خلال تجربة حياتية لامرأة تعاني من اكتئابٍ شديد، نُشِرت حالتها في مجلة «Reading Therapy Research» عام ٢٠١٨م، حيث خضعَت لبرنامج للعلاج بالقراءة، اعتمد على العلاج المعرفي السلوكي (CBT) لمدة ٨ جلسات، مدة كل جلسة ٩٠ دقيقة. وفي كل جلسة، كانت تقرأ تصنيفاتٍ لكتب مُختارة ثم تناقشها مع المعالِج، مما جعلها تبدأ في إدراك بعض الأفكار والمعتقدات السلبية التي كانت تستَولي على عقلها، وبالتالي، ومع الوعي والنقاش، بدأ الإدراك يتشكَّل بفِكر آخر. وبعد انتهاء البرنامج، أظهر اختبار الاكتئاب انخفاضًا ملحوظًا في معدَّله.

وتُثبت لنا تلك التجربة الحية أن دواء النفس يمكن أن يكون بالمعرفة والوعي.

​"إذا غيَّرت الطريقة التي تنظر بها إلى الأشياء، تغيرت الأشياء التي تنظر إليها".

– واين داير

وهنا يأتي السؤال الأهم: هل العلاج بالقراءة يمكن اعتباره بديلًا للعلاج النفسي؟
الإجابة، منطقيًا وواقعيًّا، أنه بالطبع لا يمكننا الاعتماد على القراءة كبديل للطب النفسي، لكن القراءة هي وسيلة من وسائل تحسين الحالة المزاجية والصحة النفسية وتكثيف الوعي. فمهما تطورت التكنولوجيا والمعرفة، سيظَل الطب النفسي لا بديل له على الإطلاق.

والحقيقة التي لا يختلف عليها أحد أنه لا يوجد إنسان لا يحتاج إلى العلاج النفسي من آنٍ لآخر؛ لذلك، إذا واجهْت مشكلة نفسية، فالأفضل متابعة الطبيب النفسي ليَتمَّ تشخيص ما تمر به بالضبط، ولتكن القراءة وسيلتك لتعزيز وعيك، مما يساهِم في جعل علاجك النفسي أيسر وأفضل.

​"الوعي في حد ذاته يحمل قوة الشفاء".

– فريتز بيرلز


يكمُن تحدي هذا العصر في ظهور مصطلح «التعفُّن الذِّهني» (Brain Rot) في عام ٢٠٢٤م من قِبَل جامعة أوكسفورد (Oxford)، التي تُطلق مصطلحًا كل عام بالتصويت على أقرب مصطلح يعبِّر عن العصر الحالي، وقد وقع الاختيار على ذلك المصطلح. حيث تأثرت عقولنا بالسلب نتيجة التصفح المستمر بلا توقف، مما أدى إلى انخفاض الكفاءة العقلية، فأصبحنا ننسى كثيرًا، ونفكر بصعوبة ونستصعب أي عملية عقلية بسيطة، وأصبح مجرد التفكير شيئًا مرهقًا للغاية، وقد أثبتت الدراسات ذلك بالفعل.

ومن هنا يأتي دور العلاج بالقراءة لإنقاذنا من تلك الكارثة!

فالقراءة في هذا العصر بالذات هي سلاح العقل لحمايته وتقوية جذوره. فحين نذهب في جولة داخل العقل أثناء عملية القراءة، سنجد أن العقل كأنه يقوم بتمارين تقوي عضلة الفكر؛ فحاسة العين تلتقط كلمةً كلمة، ثم تُترجِمها إلى العقل، فتتحول الكلمات إلى جملة، وتصبح الجملة معاني، ثم يسترجع العقل الذاكرة فيربطها بالمعلومة، وهكذا تتكون عملية الفَهم داخل عقلك: دائرة كاملة تعمل بإتقان وتقوِّي عضلة عقلك. وكأنك تمارس التمارين الرياضية لعضلات جسدك، فكذلك عقلك بحاجة إلى التمارين.

"العقل يشبه العضلة؛ عندما نستخدمه نشعر بحالة جيدة، فالفَهم في حد ذاته متعة".

– كارل ساجان


حين تنطق الكتب بما عجزنا عن قوله..

قد لا تمنحنا القراءة حلولًا مباشرة، ولكنك في أَحايِين كثيرة ستجد بين السطور كلمات تعبر عما تشعر به بداخلك ولكن ليست لديك القدرة على وصفه. وقد تنغَمس في قراءة رواية أحداثها تشبهك، أو حتى تشعر أنك ذهبت إلى عالم آخر ممتع، وكأنها رحلة شيِّقة تبعث السرور في قلبك.

وأجملُ وصف عن القوة الشافية للقراءة يكمن في مقُولة الطبيبة والكاتبة "بِيجال شاه" في كتابها «العلاج بالقراءة»، ترجمة إيمان السعودي:

"أؤمن أن القراءة سبيلُنا للإلمام بأنفسنا، وبالإنسانية والعالم الأوسع. القراءة تُدَاوِينَا وتساعدنا في آنٍ واحد؛ تُثَبِّت أقدامنا في الواقع، وتُلْقِي بنا في عوالم الخيال. تُفْسِح لنا المجال لارتياد قمم مخيلتنا، وسبر غور أحزاننا ومصائبنا. كالمِرْآة، تعكس صورتنا ومناطق عَمَانَا، ولكن حين نحتاج إليها لترعانا أو تُخَلِّصَنَا من أنفسنا، تُرْشِدُنَا أيضًا إلى مسالك خفية تتحول إلى توق نجاتنا حين تعصف بنا تحديات الحياة. تمدنا بجسور التواصل الإنساني من خلال شخصيات ثرية ومتنوعة في أشد لحظاتنا عَوْزًا، ولكنها أيضًا تمنحنا ركنًا هادئًا حين نكون بحاجة إلى ربوع أكثر انزواءً".


كيف نُنَمِّي عادة القراءة في إيقاع الحياة المحموم؟

ذكرت أيضًا "بيجال شاه" في كتابها «العلاج بالقراءة» بعض الإرشادات التي تساعدك على تنمية عادة القراءة في يومك المليء، وهي كالآتي:

• خصِّص خمس عشرة دقيقة يوميًا للقراءة، سواءً في المواصلات أو قُبَيل الخلود إلى النوم. وأثبتت البحوث المتعلقة بالعادات أن الأمر يستغرق ما بين ١٨ إلى ٢٨٤ يومًا حتى تَترسَّخ العادة في حياتنا.

• اجعله فعلًا معتمَدًا؛ أغلق منصَّات التواصل وركز على القراءة فقط.

• تُعَدُّ الكتب الصوتية خيارًا ممتازًا في المواصلات.

• ابحث عن رفيق قراءة وليكن كل منكما رقيبًا على الآخر.

• ضَع لنفسك تحديًا في القراءة.

• استحضر في ذهنك المكاسب الفورية التي يمكن للقراءة أن تمنحك إياها فيما يتصل بسلامتك النفسية ومستويات الضغط النفسي لديك.

"وجدتُ عزائي وتعويضي عن هذا التِّيه بالقراءة المبكرة؛ التهمت كثيرًا من الكتب وأنا في سنٍّ مبكرة جدًّا دون أن أستوعب ماذا أقرأ. كانت القراءة تنقلني إلى عالمٍ آخر، إلى عالم مضاد للعالم الذي أعيش فيه، وتعطيني تعويضًا عن الخسائر الكبرى التي لحِقت بي".

– محمود درويش