مُبدِعٌ أثار الفضول ليُنير العقول
بقلم: نورا الشيمي
كاتبٌ مُبدع ترك إرثًا عظيمًا وأثرًا أعظم في نفوس مُحبِّيه، ربما لم يحظَ بالعديد من الجوائز في حياته، لكنه أحدث ثورةً حقيقية في عالم القراءة.
فقد أشارت إحدى دراسات اليونسكو لعام (2013م) إلى أنَّ المصريين والعرب لا يقرَؤون كثيرًا، وها نحن نَرى ترتيب مصر الآن الأول عربيًّا في القراءة، كما تتربَّع في المركز الـ 38 عالميًّا؛ وأظُن أن الفضل يعود إليه بنسبةٍ كبيرة، فكان سببًا في اتِّساع رُقعة القراءة في مصر والوطن العربي بأكمله.
بدأ كاتبُنا مسيرتَه المِهنية بدراسة الطبِّ وعلومِه، وفي تلك المرحلة من حياته لم يكن كاتبًا مشهورًا بعد، لكنه أحبَّ الكتابة منذ صغره وكان يكتب لنفسه، وتنوَّعت كتاباته ما بين قصصٍ قصيرة وخواطرَ وأشعار؛ باحثًا عن غايته وشغفه كي يختار لونًا أدبيًّا يَميل إليه عن غيره، وبينما كان طالبًا، شارك ببعض المقالات في مجلَّة الجامعة ودائرتِه الصغيرة، وتُعَد هذه أولى محاولاتِه، ليقرِّر بعدها أن يعرض كتاباته ويشاركها مع الجميع.
ظاهرة فريدة جمعت بين العلم والأدب
وقبل أن نبدأ حديثَنا عنه، علينا أن نعلم جيدًا أن تجربة "الطبيب الأديب" لم تكن الأولى ولا الأخيرة، بل إنَّها ظاهرةٌ فريدة تربط العلوم الطبيعية بالفنِّ والأدب ليَظهر الإبداع؛ فمِهنة الطب تجعل صاحبها يتعمَّق في دراسة النفس البشرية، ويرى جوانب أُخرى لا يراها البعض بسهولة.
ومِن أشهر التجارب المصرية المُماثلة التي سبقت تجربته:
• د. يوسف إدريس: المُلقَّب بـ "أمير القصة القصيرة"، والذي كان طبيبًا متخصصًا في الطب النفسي والعقلي.
• د. مصطفى محمود: الذي تفرَّغ للكتابة والفلسفة وقدَّم برنامجه الشهير "العلم والإيمان"، وكان طبيبًا متخصصًا في الأمراض الصدرية.
• د. إبراهيم ناجي: الشاعر الكبير الذي كتب رائعة "الأطلال"، وكان طبيبًا متخصصًا في الأمراض الباطنية.
وحتى يومِنا الحاضر، هناك العديد من الكُتَّاب المعاصرين الذين جمعوا بين مِهنة الطب والإبداع الروائي، ومن أبرزهم:
• د. عَمرو عبد الحميد: صاحب ثُلاثية "قواعد جارتين"، وهو طبيب متخصص في جراحة الأنف والأذن والحنجرة.
• د. محمد صادق: مؤلف رواية "هِيبتا"، وهو مُهتم بدراسات الطب النفسي.
• د. أُسامة عبد الرؤوف الشاذلي: مؤلف رواية "أوراق شمعون المصري"، وهو أستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس.
وهناك أيضا غيرهم الكثيرون...
والآن، هيا لنتحَّدث عن كاتبِنا الدكتور "أحمد خالد توفيق"؛ فقد كان طبيبًا، وكاتبًا، ومترجمًا. كان طبيبًا متخصصًا في أمراض المناطق الحارَّة (طِب المناطق الحارَّة) وعضو هيئة التدريس بكلية الطب جامعة طنطا، وهو التخصص الذي ألهَمه لاحقًا لكتابة سلسلتِه الطبِّية الشهيرة "سافاري".
شقَّ العرَّاب طريقًا مختلفًا في كتاباته بنَهج صنعه بنفسه، جمع فيه بين الأَصالة والحَداثة، وبين فصاحة اللغة وثرائها والحفاظ على سلاستِها ووضوحها.
وبذلك رسَم دربًا لغيره كي يقتَفوا أثره ويسهُل عليهم إكمال الطريق من بعده؛ فقد قدَّم شكلًا آخر للكتابة، وعبَّر عن العديد من المشاعر الإنسانية المختلفة التي عجز القُرَّاء عن صياغتها.. ومن أشهر جُمَلِه المعبِّرة عن قوة الكلمة وتأثيرها، والتي قيلَت بلسان "رفعت سماعيل" في إحدى كتاباته: ”مَن قال إن الكلمات لا تفعل شيئًا؟ إنها تَلمس وتُغرِق وتُنقِذ وتُدفئ، تجعلُك تطير وتتَّسِع، وأحيانًا تُلصِقك في الأرض لتتمزَّق..“
ونرى أنه أول كاتب عربي تخصَّص في مجال أدب الرعب بشكلٍ صريح، حيث دمَجَ الخيال العلمي بخبرته المعرفية ليقدِّم لنا تجربةً جديدةً وفريدة عن عالَم ما وراء الطبيعة، رابطًا بين العديد من الظواهر الغريبة وعُلوم الطبيعة وما درَسه من معلوماتٍ طبية دقيقة.
ورغم أن بداية الكتابات البوليسية والتشويقية كانت على يَد الكاتب "محمود سالم" عَبر سلسلةٍ من الألغاز وحلقات "المغامرون الخمسة" وغيرها، وأتَى من بعده الدكتور "نبيل فاروق" (الذي كان طبيبًا في الطب العام أيضًا) ليقدِّم "رجل المستحيل"، و"ملف المستقبل"، وشخصية "أدهم صبري" والعديد من الكتابات، إلا أن كاتبنا قرَّر أن يأخذنا بقلمِه إلى بُعدٍ جديد من أبعاد الغموض التي لم نتخيَّلها أو نعتَد عليها من قبل. حتى أنه فاجأ الكثيرين بجَعل أبطال كتاباته شخصياتٍ بسيطة، حياتُها عادية تُشبه الجميع، محطِّمًا الصورة النمطية السائدة عن الأبطال الخارقين الذين يملكون الوسامة والجاذبية والشباب، فمثلًا:
• رِفعت إسماعيل (بطل سلسلة ما وراء الطبيعة): طبيب أمراض دم عجوز، نَحيل، متقاعد، عمره 66 عامًا، يدخِّن ويعاني من عِلَل صحية لا حصر لها.
• عبير (بطلة سلسلة فانتازيا): فتاة بسيطة بملامح عادية، تُعَدُّ قليلة الجمال، لكنها على قدرٍ هائل من العلم والثقافة.
وأظنُّه قد تعمَّد الأمر كي يجعل البطل قريبًا من القلوب في مؤلَّفاته، ويجعل الجميع ينظرون إلى جمال الشخص الداخلي وصِفاته ورَجاحة عقله، وأظنه بذلك لَفَت الانتباه إلى جمال الرُّوح والجوهر وأهميته.
كما أضاف كاتبُنا في مؤلفاته العديدَ من المعلومات المختلفة في شتَّى المجالات العلمية، والطبية، والأدبية، والسياسية... إلخ، ليُقدم رسالةً حقيقية تهدف إلى نشر الوعي والثقافة وتحُثُّ على المعرفة والبحث.
كلٌّ منا يستحق أن يُمنح فرصة ثانية
نُشرت أولى كتابات د. أحمد خالد توفيق عام (1993م)، وهي سلسلة "ما وراء الطبيعة". والجدير بالذِّكر هنا أنه قد تم رفضُها أثناء عرضِها على دار النشر واللجنة المُختصة أول مرة عام (1992م)، مما أصابه ببعض الإحباط، لكن مع تمسُّك مدير المؤسسة ومحاولته تم قبولُها من قِبَل اللجنة الثانية، والتي كان د. نبيل فاروق واحدًا من أعضائها؛ حيث أُعجب بفكرته وأثنَى على كتابته وأيَّدها لتُنشر.
ومِن ثَمَّ توالت أعماله التي بلغ عددُها لاحقًا أكثر من مائتي كتاب ورواية.
وتُعدُّ سلسلة "ما وراء الطبيعة" أشهرها (حيث صدر منها ثمانون عددًا تقريبًا)، وأيضًا سلسلة "سافاري"، و"فانتازيا"، وبعض الروايات العالمية المترجَمة.
وعلى جانبٍ آخر، قدَّم بعض الروايات الطويلة، وتُعَد أشهرُها رواية "يوتوبيا" التي اعتبرها النُّقاد أحد أبرز أعمال "الديستوبيا" وهو أدب المدينة الفاسدة، كما تُرجِمت للعديد من اللغات كالإنجليزية والفرنسية والألمانية، وغيرِها من اللغات الأوروبية، وأيضا هناك "السِّنجة"، و"في ممر الفئران"، و"مثَل إيكاروس"... إلخ، فضلًا عن المجموعات القصصية، والمقالات، والمذكِّرات الساخرة.
مُبدِع.. ولكن!
انتَقد البعضُ أسلوبه في الكتابة قائلينَ إنه يكتب بلُغةٍ بسيطة سهلة الفَهم، لكنه لم يبالِ، فقد كان هذا غرضه الأساسي: أن يحُثَّ الشباب على القراءة وتصبح من عاداتهم اليومية. وقد نجح تمامًا في تحقيق غايتِه، بل فتح طريقًا لظهور جيلٍ جديد من الكُتَّاب الشباب الذين اتَّبعوا أسلوبه سائرين على خُطاه.
ونرى أنه قد بثَّ شغف القراءة في قلوب الشباب بَعد أن كانت عِبئًا عليهم لصعوبة الكتب الأدبية الكلاسيكية ولغتها الفُصحى القويةِ المعقَّدة. كما أنه استَخدم أسلوبًا ساخرًا في كتاباته أيضًا، مما جعلها مَحطَّ أنظار الجميع. فطبيعة الرعب أن يُخيفنا لا أن يُضحكنا، لكنه الدكتور أحمد خالد توفيق الذي يُبهرنا دومًا بخروجِه عن المألوف كعادته. وربما لأنه شخصيًّا كان يسخر من مخاوفِه ويكتبها ليواجهَها بالتهكُّم والتحليل العقلاني، فقد صرَّح بنفسه أنه اعتاد منذ صِغره على أن يكتب مخاوفه وهواجسه التي تُراوده، فكان يرى أنَّ "من يُخيف الناس لا يخاف عادةً"، فبِكتابتها يصنعُها ويتخلصُ منها.
حُلم يتحقق بعد الرحيل
تحوَّلَت بعض رواياتِه إلى أعمالٍ درامية بعد وفاته – رحِمَه الله – وقد تمنَّى ذلك من قبل، لكن لم يسَعْه الحظ أن يَراه بنفسه، رغم لقائه بالمخرج "عَمرو سلامة" أكثر من مرة ومحاولتِهما لإنتاج "ما وراء الطبيعة"، لكن قُوبِل الأمر بالرفض حينها بسبب تكلفة الإنتاج الكبيرة وغيرها من الأسباب.
فلم يتسنَّ له رؤية أحلامه تتحقق في حياته، ولكن بعد رحيله، تحوَّلت ثلاثة من كتاباته إلى أعمالٍ درامية لاقَت استحسانًا ونجاحًا كبيرًا، وهي:
• مسلسل "ما وراء الطبيعة" (2020م): وهو المشروعُ الحلم، الذي أَبصر النور عبر منصة نتفليكس العالمية، وجسَّد فيه الفنان "أحمد أمين" شخصية "د. رفعت إسماعيل" الشهيرة، وأخرجه عمرو سلامة.
• مسلسل "زودياك" (2019م): عمل درامي مُشوِّق مقتبَس عن المجموعة القصصية "حظَّك اليوم"، ودارَت أحداثه حول لعنة تُطارد مجموعة من الشباب بناءً على أبراجِهم الفلَكية.
• مسلسل "الغرفة 207" (2022م): مقتبَس عن رواية "سر الغرفة 207"، وقام ببطولته الفنان "محمد فرَّاج"، وحقق نجاحًا جماهيريًّا واسعًا وأجواءً مميزة من الرعب والغموض.
مابين سِحر السطور وزوايا الكاميرا
الفرق بين الكتابة الروائية والتناوُل الدرامي كبيرٌ للغاية؛ فتحويل النص الأدبي إلى عملٍ درامي مَرئي أشبهُ بالسَّير على حبلٍ مشدود، حيث تتأرجح الآراء بين مؤيدٍ يرى فيه بعثًا جديدًا للشخصيات، ومعارضٍ يراه تشويهًا لخياله الخاص.
وفي إحدى ندوات د. أحمد خالد توفيق، عندما عبَّر عن رغبته في تحويل "ما وراء الطبيعة" إلى عمل درامي، طُرح عليه هذا السؤال الشائك حول مدى تأثير الدراما سلبًا على الرواية وتغيير مجرى أحداثِها. فجاءت إجابة الدكتور لتعكِس رؤيةً فلسفية عميقة، حيث قال: ”لا أظُن الأمر سيختلف كثيرًا، فأنا أثق في المُخرج عمرو سلامة وأظنُّه سيحافظ على بطل روايتكم، لكنني سأجيبكم كما أجاب أستاذُنا نجيب محفوظ: إنني مسؤولٌ عن العمل المكتوب، أَمَّا العمل الدرامي فليفعَلوا به ما يشاؤون“.
ومن هذا المُنطلَق، وفي الخامس من نوفمبر عام (2020م)، انطلق العرض الأول لمسلسل "ما وراء الطبيعة"، ليضعَنا أمام مقارنةٍ حتميَّة بين سلسلة الروايات الأيقونية للراحل د. أحمد خالد توفيق، والتناول الدرامي على الشاشة الذى رأيناه جميعًا.
وكي نكونَ مُنصفين، يجب أولًا إدراك الفارق الجوهري بين الكتابة الروائية والتناول السينمائي أو التلفزيوني؛ فالعمل الدرامي هنا هو عملٌ مستوحَى من الروايات وأحداثِها، وليس تفريغًا حرفيًّا لها، ومن الطبيعي أن يخضع النص لتغييراتٍ تتناسب مع طبيعة الصورة والسيناريو.
ولعل أبرز هذه التحديات وأساسها هو "اللغة"؛ فاللغة في الرواية هي المِحور والرُّوح، وتحويلُها من الفصحى الثرية إلى العامِّية المصرية لتُناسب الحوار الدرامي لم يكن أمرًا سهلًا بالمرة. وكان التحدي الأكبر يكمُن في الحفاظ على أسلوب د. رفعت إسماعيل الساخر التهكُّمي، وطُرُق تعبيره التي تظهر جليَّةً بين السطور، جنبًا إلى جَنب مع تجسيد "قوانين ميرفي" الشهيرة التي كان يُردِّدها دائمًا.
إنَّ هذا التحويل يُشبه الترجمة إلى حدٍّ كبير؛ فأنت لا تنقل بِضع كلماتٍ فقط، بل تنقل إحساسًا ومشاعرَ عميقة تؤثِّر في حَبكة القصة. والجدير بالذِّكر أن العمل نجح في تخطِّي حاجز المحلِّية، حيث تُرجم إلى العديد من اللغات، بل ودُبلج أيضًا إلى ما يقرُب من تِسع لغاتٍ عالمية.
ولم تقتصر التغييرات على اللغة فحسب، بل امتدَّت للبناء الدرامي وهَيكلة الأساطير؛ فالمسلسل جاء في حلقات اختَزلت عالمًا روائيًّا شاسعًا يمتدُّ لعشرات الأعداد، واختار صُناع العمل دمج بعض الأساطير وربطها بخيطٍ واحد. فنرى مثلًا "بيت الخضراوي" قد تحوَّل إلى العمود الفقري والمُحرك الأساسي لكافة الأحداث عبر شبح الطفلة "شيراز"، مستمرًّا بوجودٍ مُكثف في أكثر من حلقة، على الرغم من أن الرواية الأصلية لم تَفرد له هذه المساحة ولم يظهر فيها إلا مرَّة واحدة فقط.
كما استَدعى المسلسل أساطير شهيرة تعلَّق بها الجمهور مثل أسطورة "الندَّاهة" وأسطورة "حارس الكهف"، ولكنَّ الدراما غيَّرت مساراتها لتتقاطع معًا وتخدم أزمة رِفعت النفسية ورحلة شكِّه الشخصية، بدلًا من كونها مغامرات منفصلة تمامًا كما عهدناها في الكتب.
أما المُعضلة الكبرى فكانت الصورة الذهنية للبطولة، حيث حدث اختلاف كبير بين الجمهور حَول الممثل "أحمد أمين"، بَين من تقبَّله ومن استغربه وكان يريد ممثلًا آخَر للبطولة. وهذا أمر طبيعي تمامًا؛ فكُل قارئ طوال سنوات رسَمَ في مُخيلته صورةً خاصة لـ "رِفعت إسماعيل" بملامحَ محدَّدة، ومن الصعب بل من المستحيل أن تتطابَق الصورة الدرامية مع ملايين الخيالات البشرية المتنوعة. ولكن بالنظَر إلى الأداء، فقد استطاع أحمد أمين أن يتقمَّص الدَّور بشكلٍ كبير، وأتقن لغة الجسد ونَبرة الصوت المنهَكة وجسد الشخصية بحِرَفية عالية جعلَت من اختياره توفيقًا كبيرًا فاجأ الجميع.
وقد دَعم هذا الأداء تميُّز بصري وسمعي هائل؛ فجاءت عناصر الإخراج، والإضاءة، والتصوير، والموسيقى التصويرية معبِّرةً جدًا، ونجحت في نَقل الطابع السوداوي والغموض وأجواء الرعب التي تميَّزت بها الرواية، مما أضفى على العمل هالة "ما وراء الطبيعة" المطلوبة.
وفي النهاية، يبقى المسلسل عملًا مميزًا وفريدًا وضَع الدراما المصرية على منصاتٍ عالمية، ولكن مهما أبدع صُنَّاعه، لن يَحل محل الرواية وأحداثها وتفاصيلها. فالرواية تمنح القارئ تلك المساحة الأدبية الحرَّة التي تجعلُه يسافر بخياله الخاص دون قيود بين السطور، ويعيش تفاصيل كل أسطورة ويتخيل نفسه بطلًا بداخلها. أمَّا المسلسل، فيظَلُّ محكومًا بإطار بصري وزمني معين؛ فهو تجربة بصرية ممتازة تُضاف إلى رصيد السلسلة، لكنه يظلُّ دائمًا ابنًا للرواية وليس بديلًا عنها.
وكما ذكَرنا، تمَّ تحويل رواية "سر الغرفة 207" إلى عملٍ درامي عام (2022م) أيضًا. وأرى أنَّ الأمر لم يكن مجرَّد اقتباسٍ عابر، بل كان بمثابة تحدٍّ بصري لترجمة أدب الرعب النفسي الذي تميَّز به العرَّاب لينقل لنا بعضاً من أفكاره وخيالاته.
وعند عَقد المقارنة بين سِحر السطور المكتوبة وقوة الصورة المَرئية لهذه الدراما، نجِد أن صُنَّاع العمل نجحوا حقًّا في خلق تجربةٍ درامية مستقلة ومميزة، قادرةٍ على إثارة الرعب والتشويق في آنٍ واحد، لكنهم في الوقت ذاته أعادوا تشكيل ملامح الرواية الأصلية لتُناسب الشاشة.
ولكي نكون مُنصفين، فإن الفارق بين الرواية والمسلسل يكمُن في طريقة البناء الدرامي؛ فالرواية الأصلية عبارة عن حكاياتٍ منفصلة تدور حول الغرفة الملعونة في الفندق، يرويها د. أحمد خالد توفيق بلسان بطل القصة "جمال الصوَّاف" بصيغة ذكرَيات وتجارب مرعبة عاشها أو شهِدها، ويُعَد هو بطلها الأول والأخير بشكلٍ كبير. أمَّا في المسلسل، فقد كان من الضروري خَلق خيطٍ دراميٍّ وبعضَ الشخصيات المؤثِّرة التي تناسب الحبكة الدرامية والأحداث؛ لتجعلها أكثر ترابطاً، ولكي تُبقي المشاهد مشدودًا لمعرفة النهاية.
ومن هنا، تم تحوير الأحداث وإضافة شخصيات جديدة تمامًا لم تكن موجودة في الرواية الأصلية (مثل شخصية "سارة" وشخصيات أُخرى من العاملِين في الفندق)؛ وذلك لخَلق علاقات إنسانية وصراعات جانبية تُثري السيناريو وتمنح المسلسل عمقًا دراميًّا يمتدُّ على مدار الحلقات، بدلًا من مجرد الانتقال من قصة رعب إلى أخرى دون رابطٍ قوي.
فمِن الغموض المكتوب إلى الرعب البصري، نرى الفلسفة الفنية وراء جدران الفندق؛ حيث لعبت اللغة البصرية وعناصر الإخراج والديكور الدورَ الأكبر في نَقل رُوح الرواية. فالفندق الذي تدور فيه الأحداث (فندق لُونا في مَرسى مطروح خلال فترة الستينيات والسبعينيات) تم تصميمه ببراعة ليصبح هو نفسه "الشخصية الرئيسية" في العمل.
كما ساهمَت الإضاءة الخافتة، والألوان الدافئة المائلة للكآبة، وحركة الكاميرا في حَبس أنفاس المشاهدين داخل الغرفة (207). وتكاملت هذه العناصر مع الأداء التمثيلي المتميز، وتحديدًا للفنان "محمد فرَّاج" الذي جسَّد شخصية "جمال الصوَّاف"؛ فرغم أن ملامحه وطريقته قد تختلفان عن الصورة الذهنية التي رسمها كل قارئ في خياله أثناء قراءة الرواية، إلا أنه استطاع تقمُّص الصراع النفسي، وعلامات الخوف والفضول التي تملَّكت الشخصية، مما جعل المشاهد يتفاعل مع رحلته ومقاومته لجاذبية الغرفة المرعبة.
وفي النهاية، يظل مسلسل "الغرفة 207" نموذجًا ناجحًا وممتعًا جدًّا لكيفية تحويل الأدب إلى دراما، حيث استطاع المُخرج والسيناريست تقديم رؤيةٍ مُستوحاة بحُرية ذكية دون الالتزام الحرفي بالسطور، حتى إنه جعل العديد من الشخصيات الثانوية في الرواية أدوارًا رئيسية، وقام بإضافة بعض الأحداث بشكلٍ آخرَ جديد؛ لتُلائم طبيعة العمل، رغم عدم ذكرِها في الرواية الأصلية. ورغم أنَّ الرواية ستظَل دائمًا تحتفظ بميزتها الفريدة وهي منح القارئ مساحة مطلَقة من الخيال لتَصوُّر أشكال الرعب النفسي وتفاصيل الغرفة كما يرسُمها في خياله، فالمسلسل أيضًا أصبح ذا مكانة مميزة في تاريخ دراما الرعب العربية.
وكما شهدنا هذا النجاح الباهر في تجسيد روائع العرَّاب أحمد خالد توفيق دراميًّا عبر "ما وراء الطبيعة" و"الغرفة 207"، ومسلسل "زودياك" أيضًا الذي لم يتسنَّ لنا الحديث عن تفاصيله، فإننا نتمنَّى من كل قلوبِنا أن تتحول بقية أعماله وسلاسله الساحرة إلى الشاشة في المستقبل، خاصةً رواية "يوتوبيا" التي نالت إعجاب الكثيرين وأصبحت لها مكانةٌ خاصة عند القُراء والنقَّاد.
نعلم جيدًا أنَّ الدكتور أحمد خالد توفيق لم يحظَ في حياته بالتكريمات الرسمية الكافية، وربما تجاهله بعض نُقاد الأدب واعتبره البعض الآخَر من الكُتاب الناشئين، وقد تغير الأمر كثيرًا بعد رحيله خاصةً مع انتشار رواية "يوتوبيا" التي تُرجمت للعديد من اللغات كما قُلنا، ورُشِّحت لجائزة أدب الخيال العلمي المترجَم في بريطانيا.
وقد أثارت الرواية جدلًا واسعًا بين النقَّاد، وأجبرتهم على التعامل معه كروائيٍّ صاحب رؤيةٍ سياسية واجتماعية عميقة؛ وبرغم كل ذلك، فقد نالَ الجائزة الأرفع من قبل، وهي حُبُّ الناس الخالص.
لقد فتح بأسلوبه بابًا جديدًا للإبداع والتغيير، محطِّمًا النمطية السائدة ليثبت أن لكل عصرٍ وزمان أدواته الخاصة، وأن على الكاتب أن يتطور ويكسر قيود الواقع دُون أن يسقط في فخ التعقيد الذي يُعيق القراءة ويجعلها ثقيلة، أو أن يتدنَّى إلى أساليبَ ركيكة ومبتذَلة تخلو من الرسالة والهدف.
وكثيرًا ما سُئل العرَّاب هذا السؤال: "ماذا أفعل لأُصبح كاتباً؟"، وكان يجيب دومًا بتواضع جَمٍّ بأنه لا يعرف حقًّا، مؤكدًا أنه من الحماقة أن يظُنَّ المرءُ نفسَه حاملًا لأسرار النصيحة.
وأرى أنه ربما لم يُجِب عن السؤال بلسانه، لكنه أَجاب بأفعاله وكتاباته وثقافته ومسيرته كلِّها. فقد أثبت بقلمه أن الكاتب الحقيقي يولَد عندما يحمل رسالةً وعلمًا نافعًا، وعندما يتعمَّق في المعرفة ويبذل الجهد الصادق لنشرها، وأيضًا حين يملك التواضع الذي يجعله يشعر باحتياجات مَن حوله وينقل مشاعرهم ليشرحها ويُسهم في تَوعيتهم، أو يطرح مشكلاتهم ليساعدهم على فهمها وإيجاد حلولٍ لها.
حين يكونُ صاحبَ قلمٍ حُر، لا ينافق ولا يجامل، وإنْ قدَّم نقدًا كان بنَّاءً وهادفًا للإصلاح والتغيير، لا الهَدم والتقليل. وقد حقَّق بذلك أمنيته التي عاش من أجلها حين قال:
”ليتَني أكونُ ذلك الخطَّ الصغير الذي يربط بين جيلين، ليتَني أكونُ الشرارةَ التي تُشعل في القلوب حُب المعرفة“.
أولًا: المراجع الذاتية
١. رواية "يوتوبيا" – د. أحمد خالد توفيق.
٢. كتاب "اللغز وراء السطور" – د. أحمد خالد توفيق.
٣. كتاب "قُصاصات قابلة للحرق" – د. أحمد خالد توفيق.
٤. رواية "سر الغرفة 207" – د. أحمد خالد توفيق - القاهرة: دار كَيان للنشر.
ثانيًا: الكتب النقدية والرسائل العلمية
١. كتاب "أحمد خالد توفيق.. الغريب والعرَّاب" – مجموعة من النقَّاد والكُتَّاب.
٢. رسالة دكتوراه "التناصُّ في السخرية الأدبية عند أحمد خالد توفيق" – الباحث: إسلام عبد اللطيف
٣. رسالة ماجستير"المَناحي الفنية في رواية يوتوبيا" – جامعة النجاح الوطنية – الباحثة: آيات شفيق سعيد.
٤. بحث "تجلِّيات الخيال العلمي في رواية في ممر الفئران لأحمد خالد توفيق" – د. هناء عبد المقصود خير الله.
فقد أشارت إحدى دراسات اليونسكو لعام (2013م) إلى أنَّ المصريين والعرب لا يقرَؤون كثيرًا، وها نحن نَرى ترتيب مصر الآن الأول عربيًّا في القراءة، كما تتربَّع في المركز الـ 38 عالميًّا؛ وأظُن أن الفضل يعود إليه بنسبةٍ كبيرة، فكان سببًا في اتِّساع رُقعة القراءة في مصر والوطن العربي بأكمله.
بدأ كاتبُنا مسيرتَه المِهنية بدراسة الطبِّ وعلومِه، وفي تلك المرحلة من حياته لم يكن كاتبًا مشهورًا بعد، لكنه أحبَّ الكتابة منذ صغره وكان يكتب لنفسه، وتنوَّعت كتاباته ما بين قصصٍ قصيرة وخواطرَ وأشعار؛ باحثًا عن غايته وشغفه كي يختار لونًا أدبيًّا يَميل إليه عن غيره، وبينما كان طالبًا، شارك ببعض المقالات في مجلَّة الجامعة ودائرتِه الصغيرة، وتُعَد هذه أولى محاولاتِه، ليقرِّر بعدها أن يعرض كتاباته ويشاركها مع الجميع.
ظاهرة فريدة جمعت بين العلم والأدب
وقبل أن نبدأ حديثَنا عنه، علينا أن نعلم جيدًا أن تجربة "الطبيب الأديب" لم تكن الأولى ولا الأخيرة، بل إنَّها ظاهرةٌ فريدة تربط العلوم الطبيعية بالفنِّ والأدب ليَظهر الإبداع؛ فمِهنة الطب تجعل صاحبها يتعمَّق في دراسة النفس البشرية، ويرى جوانب أُخرى لا يراها البعض بسهولة.
ومِن أشهر التجارب المصرية المُماثلة التي سبقت تجربته:
• د. يوسف إدريس: المُلقَّب بـ "أمير القصة القصيرة"، والذي كان طبيبًا متخصصًا في الطب النفسي والعقلي.
• د. مصطفى محمود: الذي تفرَّغ للكتابة والفلسفة وقدَّم برنامجه الشهير "العلم والإيمان"، وكان طبيبًا متخصصًا في الأمراض الصدرية.
• د. إبراهيم ناجي: الشاعر الكبير الذي كتب رائعة "الأطلال"، وكان طبيبًا متخصصًا في الأمراض الباطنية.
وحتى يومِنا الحاضر، هناك العديد من الكُتَّاب المعاصرين الذين جمعوا بين مِهنة الطب والإبداع الروائي، ومن أبرزهم:
• د. عَمرو عبد الحميد: صاحب ثُلاثية "قواعد جارتين"، وهو طبيب متخصص في جراحة الأنف والأذن والحنجرة.
• د. محمد صادق: مؤلف رواية "هِيبتا"، وهو مُهتم بدراسات الطب النفسي.
• د. أُسامة عبد الرؤوف الشاذلي: مؤلف رواية "أوراق شمعون المصري"، وهو أستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس.
وهناك أيضا غيرهم الكثيرون...
والآن، هيا لنتحَّدث عن كاتبِنا الدكتور "أحمد خالد توفيق"؛ فقد كان طبيبًا، وكاتبًا، ومترجمًا. كان طبيبًا متخصصًا في أمراض المناطق الحارَّة (طِب المناطق الحارَّة) وعضو هيئة التدريس بكلية الطب جامعة طنطا، وهو التخصص الذي ألهَمه لاحقًا لكتابة سلسلتِه الطبِّية الشهيرة "سافاري".
شقَّ العرَّاب طريقًا مختلفًا في كتاباته بنَهج صنعه بنفسه، جمع فيه بين الأَصالة والحَداثة، وبين فصاحة اللغة وثرائها والحفاظ على سلاستِها ووضوحها.
وبذلك رسَم دربًا لغيره كي يقتَفوا أثره ويسهُل عليهم إكمال الطريق من بعده؛ فقد قدَّم شكلًا آخر للكتابة، وعبَّر عن العديد من المشاعر الإنسانية المختلفة التي عجز القُرَّاء عن صياغتها.. ومن أشهر جُمَلِه المعبِّرة عن قوة الكلمة وتأثيرها، والتي قيلَت بلسان "رفعت سماعيل" في إحدى كتاباته: ”مَن قال إن الكلمات لا تفعل شيئًا؟ إنها تَلمس وتُغرِق وتُنقِذ وتُدفئ، تجعلُك تطير وتتَّسِع، وأحيانًا تُلصِقك في الأرض لتتمزَّق..“
ونرى أنه أول كاتب عربي تخصَّص في مجال أدب الرعب بشكلٍ صريح، حيث دمَجَ الخيال العلمي بخبرته المعرفية ليقدِّم لنا تجربةً جديدةً وفريدة عن عالَم ما وراء الطبيعة، رابطًا بين العديد من الظواهر الغريبة وعُلوم الطبيعة وما درَسه من معلوماتٍ طبية دقيقة.
ورغم أن بداية الكتابات البوليسية والتشويقية كانت على يَد الكاتب "محمود سالم" عَبر سلسلةٍ من الألغاز وحلقات "المغامرون الخمسة" وغيرها، وأتَى من بعده الدكتور "نبيل فاروق" (الذي كان طبيبًا في الطب العام أيضًا) ليقدِّم "رجل المستحيل"، و"ملف المستقبل"، وشخصية "أدهم صبري" والعديد من الكتابات، إلا أن كاتبنا قرَّر أن يأخذنا بقلمِه إلى بُعدٍ جديد من أبعاد الغموض التي لم نتخيَّلها أو نعتَد عليها من قبل. حتى أنه فاجأ الكثيرين بجَعل أبطال كتاباته شخصياتٍ بسيطة، حياتُها عادية تُشبه الجميع، محطِّمًا الصورة النمطية السائدة عن الأبطال الخارقين الذين يملكون الوسامة والجاذبية والشباب، فمثلًا:
• رِفعت إسماعيل (بطل سلسلة ما وراء الطبيعة): طبيب أمراض دم عجوز، نَحيل، متقاعد، عمره 66 عامًا، يدخِّن ويعاني من عِلَل صحية لا حصر لها.
• عبير (بطلة سلسلة فانتازيا): فتاة بسيطة بملامح عادية، تُعَدُّ قليلة الجمال، لكنها على قدرٍ هائل من العلم والثقافة.
وأظنُّه قد تعمَّد الأمر كي يجعل البطل قريبًا من القلوب في مؤلَّفاته، ويجعل الجميع ينظرون إلى جمال الشخص الداخلي وصِفاته ورَجاحة عقله، وأظنه بذلك لَفَت الانتباه إلى جمال الرُّوح والجوهر وأهميته.
كما أضاف كاتبُنا في مؤلفاته العديدَ من المعلومات المختلفة في شتَّى المجالات العلمية، والطبية، والأدبية، والسياسية... إلخ، ليُقدم رسالةً حقيقية تهدف إلى نشر الوعي والثقافة وتحُثُّ على المعرفة والبحث.
كلٌّ منا يستحق أن يُمنح فرصة ثانية
نُشرت أولى كتابات د. أحمد خالد توفيق عام (1993م)، وهي سلسلة "ما وراء الطبيعة". والجدير بالذِّكر هنا أنه قد تم رفضُها أثناء عرضِها على دار النشر واللجنة المُختصة أول مرة عام (1992م)، مما أصابه ببعض الإحباط، لكن مع تمسُّك مدير المؤسسة ومحاولته تم قبولُها من قِبَل اللجنة الثانية، والتي كان د. نبيل فاروق واحدًا من أعضائها؛ حيث أُعجب بفكرته وأثنَى على كتابته وأيَّدها لتُنشر.
ومِن ثَمَّ توالت أعماله التي بلغ عددُها لاحقًا أكثر من مائتي كتاب ورواية.
وتُعدُّ سلسلة "ما وراء الطبيعة" أشهرها (حيث صدر منها ثمانون عددًا تقريبًا)، وأيضًا سلسلة "سافاري"، و"فانتازيا"، وبعض الروايات العالمية المترجَمة.
وعلى جانبٍ آخر، قدَّم بعض الروايات الطويلة، وتُعَد أشهرُها رواية "يوتوبيا" التي اعتبرها النُّقاد أحد أبرز أعمال "الديستوبيا" وهو أدب المدينة الفاسدة، كما تُرجِمت للعديد من اللغات كالإنجليزية والفرنسية والألمانية، وغيرِها من اللغات الأوروبية، وأيضا هناك "السِّنجة"، و"في ممر الفئران"، و"مثَل إيكاروس"... إلخ، فضلًا عن المجموعات القصصية، والمقالات، والمذكِّرات الساخرة.
مُبدِع.. ولكن!
انتَقد البعضُ أسلوبه في الكتابة قائلينَ إنه يكتب بلُغةٍ بسيطة سهلة الفَهم، لكنه لم يبالِ، فقد كان هذا غرضه الأساسي: أن يحُثَّ الشباب على القراءة وتصبح من عاداتهم اليومية. وقد نجح تمامًا في تحقيق غايتِه، بل فتح طريقًا لظهور جيلٍ جديد من الكُتَّاب الشباب الذين اتَّبعوا أسلوبه سائرين على خُطاه.
ونرى أنه قد بثَّ شغف القراءة في قلوب الشباب بَعد أن كانت عِبئًا عليهم لصعوبة الكتب الأدبية الكلاسيكية ولغتها الفُصحى القويةِ المعقَّدة. كما أنه استَخدم أسلوبًا ساخرًا في كتاباته أيضًا، مما جعلها مَحطَّ أنظار الجميع. فطبيعة الرعب أن يُخيفنا لا أن يُضحكنا، لكنه الدكتور أحمد خالد توفيق الذي يُبهرنا دومًا بخروجِه عن المألوف كعادته. وربما لأنه شخصيًّا كان يسخر من مخاوفِه ويكتبها ليواجهَها بالتهكُّم والتحليل العقلاني، فقد صرَّح بنفسه أنه اعتاد منذ صِغره على أن يكتب مخاوفه وهواجسه التي تُراوده، فكان يرى أنَّ "من يُخيف الناس لا يخاف عادةً"، فبِكتابتها يصنعُها ويتخلصُ منها.
حُلم يتحقق بعد الرحيل
تحوَّلَت بعض رواياتِه إلى أعمالٍ درامية بعد وفاته – رحِمَه الله – وقد تمنَّى ذلك من قبل، لكن لم يسَعْه الحظ أن يَراه بنفسه، رغم لقائه بالمخرج "عَمرو سلامة" أكثر من مرة ومحاولتِهما لإنتاج "ما وراء الطبيعة"، لكن قُوبِل الأمر بالرفض حينها بسبب تكلفة الإنتاج الكبيرة وغيرها من الأسباب.
فلم يتسنَّ له رؤية أحلامه تتحقق في حياته، ولكن بعد رحيله، تحوَّلت ثلاثة من كتاباته إلى أعمالٍ درامية لاقَت استحسانًا ونجاحًا كبيرًا، وهي:
• مسلسل "ما وراء الطبيعة" (2020م): وهو المشروعُ الحلم، الذي أَبصر النور عبر منصة نتفليكس العالمية، وجسَّد فيه الفنان "أحمد أمين" شخصية "د. رفعت إسماعيل" الشهيرة، وأخرجه عمرو سلامة.
• مسلسل "زودياك" (2019م): عمل درامي مُشوِّق مقتبَس عن المجموعة القصصية "حظَّك اليوم"، ودارَت أحداثه حول لعنة تُطارد مجموعة من الشباب بناءً على أبراجِهم الفلَكية.
• مسلسل "الغرفة 207" (2022م): مقتبَس عن رواية "سر الغرفة 207"، وقام ببطولته الفنان "محمد فرَّاج"، وحقق نجاحًا جماهيريًّا واسعًا وأجواءً مميزة من الرعب والغموض.
مابين سِحر السطور وزوايا الكاميرا
الفرق بين الكتابة الروائية والتناوُل الدرامي كبيرٌ للغاية؛ فتحويل النص الأدبي إلى عملٍ درامي مَرئي أشبهُ بالسَّير على حبلٍ مشدود، حيث تتأرجح الآراء بين مؤيدٍ يرى فيه بعثًا جديدًا للشخصيات، ومعارضٍ يراه تشويهًا لخياله الخاص.
وفي إحدى ندوات د. أحمد خالد توفيق، عندما عبَّر عن رغبته في تحويل "ما وراء الطبيعة" إلى عمل درامي، طُرح عليه هذا السؤال الشائك حول مدى تأثير الدراما سلبًا على الرواية وتغيير مجرى أحداثِها. فجاءت إجابة الدكتور لتعكِس رؤيةً فلسفية عميقة، حيث قال: ”لا أظُن الأمر سيختلف كثيرًا، فأنا أثق في المُخرج عمرو سلامة وأظنُّه سيحافظ على بطل روايتكم، لكنني سأجيبكم كما أجاب أستاذُنا نجيب محفوظ: إنني مسؤولٌ عن العمل المكتوب، أَمَّا العمل الدرامي فليفعَلوا به ما يشاؤون“.
ومن هذا المُنطلَق، وفي الخامس من نوفمبر عام (2020م)، انطلق العرض الأول لمسلسل "ما وراء الطبيعة"، ليضعَنا أمام مقارنةٍ حتميَّة بين سلسلة الروايات الأيقونية للراحل د. أحمد خالد توفيق، والتناول الدرامي على الشاشة الذى رأيناه جميعًا.
وكي نكونَ مُنصفين، يجب أولًا إدراك الفارق الجوهري بين الكتابة الروائية والتناول السينمائي أو التلفزيوني؛ فالعمل الدرامي هنا هو عملٌ مستوحَى من الروايات وأحداثِها، وليس تفريغًا حرفيًّا لها، ومن الطبيعي أن يخضع النص لتغييراتٍ تتناسب مع طبيعة الصورة والسيناريو.
ولعل أبرز هذه التحديات وأساسها هو "اللغة"؛ فاللغة في الرواية هي المِحور والرُّوح، وتحويلُها من الفصحى الثرية إلى العامِّية المصرية لتُناسب الحوار الدرامي لم يكن أمرًا سهلًا بالمرة. وكان التحدي الأكبر يكمُن في الحفاظ على أسلوب د. رفعت إسماعيل الساخر التهكُّمي، وطُرُق تعبيره التي تظهر جليَّةً بين السطور، جنبًا إلى جَنب مع تجسيد "قوانين ميرفي" الشهيرة التي كان يُردِّدها دائمًا.
إنَّ هذا التحويل يُشبه الترجمة إلى حدٍّ كبير؛ فأنت لا تنقل بِضع كلماتٍ فقط، بل تنقل إحساسًا ومشاعرَ عميقة تؤثِّر في حَبكة القصة. والجدير بالذِّكر أن العمل نجح في تخطِّي حاجز المحلِّية، حيث تُرجم إلى العديد من اللغات، بل ودُبلج أيضًا إلى ما يقرُب من تِسع لغاتٍ عالمية.
ولم تقتصر التغييرات على اللغة فحسب، بل امتدَّت للبناء الدرامي وهَيكلة الأساطير؛ فالمسلسل جاء في حلقات اختَزلت عالمًا روائيًّا شاسعًا يمتدُّ لعشرات الأعداد، واختار صُناع العمل دمج بعض الأساطير وربطها بخيطٍ واحد. فنرى مثلًا "بيت الخضراوي" قد تحوَّل إلى العمود الفقري والمُحرك الأساسي لكافة الأحداث عبر شبح الطفلة "شيراز"، مستمرًّا بوجودٍ مُكثف في أكثر من حلقة، على الرغم من أن الرواية الأصلية لم تَفرد له هذه المساحة ولم يظهر فيها إلا مرَّة واحدة فقط.
كما استَدعى المسلسل أساطير شهيرة تعلَّق بها الجمهور مثل أسطورة "الندَّاهة" وأسطورة "حارس الكهف"، ولكنَّ الدراما غيَّرت مساراتها لتتقاطع معًا وتخدم أزمة رِفعت النفسية ورحلة شكِّه الشخصية، بدلًا من كونها مغامرات منفصلة تمامًا كما عهدناها في الكتب.
أما المُعضلة الكبرى فكانت الصورة الذهنية للبطولة، حيث حدث اختلاف كبير بين الجمهور حَول الممثل "أحمد أمين"، بَين من تقبَّله ومن استغربه وكان يريد ممثلًا آخَر للبطولة. وهذا أمر طبيعي تمامًا؛ فكُل قارئ طوال سنوات رسَمَ في مُخيلته صورةً خاصة لـ "رِفعت إسماعيل" بملامحَ محدَّدة، ومن الصعب بل من المستحيل أن تتطابَق الصورة الدرامية مع ملايين الخيالات البشرية المتنوعة. ولكن بالنظَر إلى الأداء، فقد استطاع أحمد أمين أن يتقمَّص الدَّور بشكلٍ كبير، وأتقن لغة الجسد ونَبرة الصوت المنهَكة وجسد الشخصية بحِرَفية عالية جعلَت من اختياره توفيقًا كبيرًا فاجأ الجميع.
وقد دَعم هذا الأداء تميُّز بصري وسمعي هائل؛ فجاءت عناصر الإخراج، والإضاءة، والتصوير، والموسيقى التصويرية معبِّرةً جدًا، ونجحت في نَقل الطابع السوداوي والغموض وأجواء الرعب التي تميَّزت بها الرواية، مما أضفى على العمل هالة "ما وراء الطبيعة" المطلوبة.
وفي النهاية، يبقى المسلسل عملًا مميزًا وفريدًا وضَع الدراما المصرية على منصاتٍ عالمية، ولكن مهما أبدع صُنَّاعه، لن يَحل محل الرواية وأحداثها وتفاصيلها. فالرواية تمنح القارئ تلك المساحة الأدبية الحرَّة التي تجعلُه يسافر بخياله الخاص دون قيود بين السطور، ويعيش تفاصيل كل أسطورة ويتخيل نفسه بطلًا بداخلها. أمَّا المسلسل، فيظَلُّ محكومًا بإطار بصري وزمني معين؛ فهو تجربة بصرية ممتازة تُضاف إلى رصيد السلسلة، لكنه يظلُّ دائمًا ابنًا للرواية وليس بديلًا عنها.
وكما ذكَرنا، تمَّ تحويل رواية "سر الغرفة 207" إلى عملٍ درامي عام (2022م) أيضًا. وأرى أنَّ الأمر لم يكن مجرَّد اقتباسٍ عابر، بل كان بمثابة تحدٍّ بصري لترجمة أدب الرعب النفسي الذي تميَّز به العرَّاب لينقل لنا بعضاً من أفكاره وخيالاته.
وعند عَقد المقارنة بين سِحر السطور المكتوبة وقوة الصورة المَرئية لهذه الدراما، نجِد أن صُنَّاع العمل نجحوا حقًّا في خلق تجربةٍ درامية مستقلة ومميزة، قادرةٍ على إثارة الرعب والتشويق في آنٍ واحد، لكنهم في الوقت ذاته أعادوا تشكيل ملامح الرواية الأصلية لتُناسب الشاشة.
ولكي نكون مُنصفين، فإن الفارق بين الرواية والمسلسل يكمُن في طريقة البناء الدرامي؛ فالرواية الأصلية عبارة عن حكاياتٍ منفصلة تدور حول الغرفة الملعونة في الفندق، يرويها د. أحمد خالد توفيق بلسان بطل القصة "جمال الصوَّاف" بصيغة ذكرَيات وتجارب مرعبة عاشها أو شهِدها، ويُعَد هو بطلها الأول والأخير بشكلٍ كبير. أمَّا في المسلسل، فقد كان من الضروري خَلق خيطٍ دراميٍّ وبعضَ الشخصيات المؤثِّرة التي تناسب الحبكة الدرامية والأحداث؛ لتجعلها أكثر ترابطاً، ولكي تُبقي المشاهد مشدودًا لمعرفة النهاية.
ومن هنا، تم تحوير الأحداث وإضافة شخصيات جديدة تمامًا لم تكن موجودة في الرواية الأصلية (مثل شخصية "سارة" وشخصيات أُخرى من العاملِين في الفندق)؛ وذلك لخَلق علاقات إنسانية وصراعات جانبية تُثري السيناريو وتمنح المسلسل عمقًا دراميًّا يمتدُّ على مدار الحلقات، بدلًا من مجرد الانتقال من قصة رعب إلى أخرى دون رابطٍ قوي.
فمِن الغموض المكتوب إلى الرعب البصري، نرى الفلسفة الفنية وراء جدران الفندق؛ حيث لعبت اللغة البصرية وعناصر الإخراج والديكور الدورَ الأكبر في نَقل رُوح الرواية. فالفندق الذي تدور فيه الأحداث (فندق لُونا في مَرسى مطروح خلال فترة الستينيات والسبعينيات) تم تصميمه ببراعة ليصبح هو نفسه "الشخصية الرئيسية" في العمل.
كما ساهمَت الإضاءة الخافتة، والألوان الدافئة المائلة للكآبة، وحركة الكاميرا في حَبس أنفاس المشاهدين داخل الغرفة (207). وتكاملت هذه العناصر مع الأداء التمثيلي المتميز، وتحديدًا للفنان "محمد فرَّاج" الذي جسَّد شخصية "جمال الصوَّاف"؛ فرغم أن ملامحه وطريقته قد تختلفان عن الصورة الذهنية التي رسمها كل قارئ في خياله أثناء قراءة الرواية، إلا أنه استطاع تقمُّص الصراع النفسي، وعلامات الخوف والفضول التي تملَّكت الشخصية، مما جعل المشاهد يتفاعل مع رحلته ومقاومته لجاذبية الغرفة المرعبة.
وفي النهاية، يظل مسلسل "الغرفة 207" نموذجًا ناجحًا وممتعًا جدًّا لكيفية تحويل الأدب إلى دراما، حيث استطاع المُخرج والسيناريست تقديم رؤيةٍ مُستوحاة بحُرية ذكية دون الالتزام الحرفي بالسطور، حتى إنه جعل العديد من الشخصيات الثانوية في الرواية أدوارًا رئيسية، وقام بإضافة بعض الأحداث بشكلٍ آخرَ جديد؛ لتُلائم طبيعة العمل، رغم عدم ذكرِها في الرواية الأصلية. ورغم أنَّ الرواية ستظَل دائمًا تحتفظ بميزتها الفريدة وهي منح القارئ مساحة مطلَقة من الخيال لتَصوُّر أشكال الرعب النفسي وتفاصيل الغرفة كما يرسُمها في خياله، فالمسلسل أيضًا أصبح ذا مكانة مميزة في تاريخ دراما الرعب العربية.
وكما شهدنا هذا النجاح الباهر في تجسيد روائع العرَّاب أحمد خالد توفيق دراميًّا عبر "ما وراء الطبيعة" و"الغرفة 207"، ومسلسل "زودياك" أيضًا الذي لم يتسنَّ لنا الحديث عن تفاصيله، فإننا نتمنَّى من كل قلوبِنا أن تتحول بقية أعماله وسلاسله الساحرة إلى الشاشة في المستقبل، خاصةً رواية "يوتوبيا" التي نالت إعجاب الكثيرين وأصبحت لها مكانةٌ خاصة عند القُراء والنقَّاد.
نعلم جيدًا أنَّ الدكتور أحمد خالد توفيق لم يحظَ في حياته بالتكريمات الرسمية الكافية، وربما تجاهله بعض نُقاد الأدب واعتبره البعض الآخَر من الكُتاب الناشئين، وقد تغير الأمر كثيرًا بعد رحيله خاصةً مع انتشار رواية "يوتوبيا" التي تُرجمت للعديد من اللغات كما قُلنا، ورُشِّحت لجائزة أدب الخيال العلمي المترجَم في بريطانيا.
وقد أثارت الرواية جدلًا واسعًا بين النقَّاد، وأجبرتهم على التعامل معه كروائيٍّ صاحب رؤيةٍ سياسية واجتماعية عميقة؛ وبرغم كل ذلك، فقد نالَ الجائزة الأرفع من قبل، وهي حُبُّ الناس الخالص.
لقد فتح بأسلوبه بابًا جديدًا للإبداع والتغيير، محطِّمًا النمطية السائدة ليثبت أن لكل عصرٍ وزمان أدواته الخاصة، وأن على الكاتب أن يتطور ويكسر قيود الواقع دُون أن يسقط في فخ التعقيد الذي يُعيق القراءة ويجعلها ثقيلة، أو أن يتدنَّى إلى أساليبَ ركيكة ومبتذَلة تخلو من الرسالة والهدف.
وكثيرًا ما سُئل العرَّاب هذا السؤال: "ماذا أفعل لأُصبح كاتباً؟"، وكان يجيب دومًا بتواضع جَمٍّ بأنه لا يعرف حقًّا، مؤكدًا أنه من الحماقة أن يظُنَّ المرءُ نفسَه حاملًا لأسرار النصيحة.
وأرى أنه ربما لم يُجِب عن السؤال بلسانه، لكنه أَجاب بأفعاله وكتاباته وثقافته ومسيرته كلِّها. فقد أثبت بقلمه أن الكاتب الحقيقي يولَد عندما يحمل رسالةً وعلمًا نافعًا، وعندما يتعمَّق في المعرفة ويبذل الجهد الصادق لنشرها، وأيضًا حين يملك التواضع الذي يجعله يشعر باحتياجات مَن حوله وينقل مشاعرهم ليشرحها ويُسهم في تَوعيتهم، أو يطرح مشكلاتهم ليساعدهم على فهمها وإيجاد حلولٍ لها.
حين يكونُ صاحبَ قلمٍ حُر، لا ينافق ولا يجامل، وإنْ قدَّم نقدًا كان بنَّاءً وهادفًا للإصلاح والتغيير، لا الهَدم والتقليل. وقد حقَّق بذلك أمنيته التي عاش من أجلها حين قال:
”ليتَني أكونُ ذلك الخطَّ الصغير الذي يربط بين جيلين، ليتَني أكونُ الشرارةَ التي تُشعل في القلوب حُب المعرفة“.
أولًا: المراجع الذاتية
١. رواية "يوتوبيا" – د. أحمد خالد توفيق.
٢. كتاب "اللغز وراء السطور" – د. أحمد خالد توفيق.
٣. كتاب "قُصاصات قابلة للحرق" – د. أحمد خالد توفيق.
٤. رواية "سر الغرفة 207" – د. أحمد خالد توفيق - القاهرة: دار كَيان للنشر.
ثانيًا: الكتب النقدية والرسائل العلمية
١. كتاب "أحمد خالد توفيق.. الغريب والعرَّاب" – مجموعة من النقَّاد والكُتَّاب.
٢. رسالة دكتوراه "التناصُّ في السخرية الأدبية عند أحمد خالد توفيق" – الباحث: إسلام عبد اللطيف
٣. رسالة ماجستير"المَناحي الفنية في رواية يوتوبيا" – جامعة النجاح الوطنية – الباحثة: آيات شفيق سعيد.
٤. بحث "تجلِّيات الخيال العلمي في رواية في ممر الفئران لأحمد خالد توفيق" – د. هناء عبد المقصود خير الله.