تاريخ بين زمنَين
السابع من أكتوبر
بقلم: ضحى أبو ندى
لا يغيب عن عقلي شروقُ السابع من أكتوبر في تلك السنة؛ كان شروقًا أخَّاذًا لا تملك أن تُزيح ناظِرَيك عنه، حتى إنَّني التقطتُ له بعض الصور التي لا أزال أحتفظ بها في هاتفي. كان كذلك قبل أن أفهم ما يجري حولي؛ لم أدرك حينها أنَّه آخر شروقٍ ستشهده مدينتي وهي لا تزال بخير.
ثلاثة أعوامٍ قد مرَّت منذ ذلك اليوم؛ تارةً كنتُ أشعر بها بطيئةً جدًّا وكأن تلك الأيام كانت تمرُّ فوق كل خليةٍ من جسدي، وفي أُخرى شعرتُ أنَّها مرَّت كلَمح البصر فلم أعِشها. أحمل في داخلي الكثيرَ من المشاعر المتضارِبة نحو ذلك اليوم الذي صار– دون وعيٍ منَّا – تاريخًا مِفصليًّا، وخطًّا يفصل بين زمنَين مختلفَين جدًّا؛ فكُل ما بعده لا يشبه شيئاً مما كان قبله.
يومٌ حزين أم سعيد؟ تاريخُ بطولةٍ أم هزيمة؟ لا أشعر أنَّ للحديث في ذلك أهميةً بعد الآن. وربما كل ما يهمُّ هو ما وصَلنا إليه وما آلت إليه حياتنا؛ فبشكلٍ أو بآخر، تغيرت حياة كل شخصٍ هنا إلى الأبد، سواءٌ أكان ذلك التغيير جليًّا أم خفيًّا تتَّضح ملامحه بين الفَينة والأخرى. لم تقتصر الخسارات على أشخاصٍ بعَينهم بل طالت الجميع؛ فكل من في هذه المدينة قد ذاق شكلًا من أشكال الخسارة؛ سواءٌ من خسر بيتًا، أو فردًا من عائلته، أو عائلته بأكملها فبقي وحيدًا يُجابِه الأيام، ومن فقد صديقًا أو حتى حبيبًا لا يحِق له أن يُبدي عليه حزنًا، فبكى خساراتِ بلدٍ بأكمله ولم يبكِ نفسه. قد لا يكون الفَقد ماديًّا فقط، ولا يمكن للفقد المعنوي أن يكون أقلَّ ألمًا؛ أن تجد كل ذكرياتك في البلاد قد باتَت رماداً، أنَّ كل ما كبرت عليه لم يعُد له وجود، وأنَّ كل شيءٍ اعتدت عليه قد مُسح ولم يبقَ منه أيُّ أثر، وأنَّ الشوارع التي حفظتها عن ظهر قلب بِتَّ تَتُوه فيها اليوم وتسأل مَن حولك عن الطريق!
تفرَّقت الكثير من العائلات بعد ذلك اليوم، داخل الوطن وخارجَه. تفرَّق الأصدقاء ولم يجدوا لِلُّقيا أيَّ طريق. ثلاثة أعوامٍ دون لقاء، أشعر معها وكأن العمر قد سُرق ولا يزال يُسرق، وأنَّ كل تلك الأيام التي كان وجودهم فيها أمرًا مسلَّمًا به لم تعُد كذلك. ربما كان الفراق أمرًا حتميًّا ذات يومٍ حتى وإن لم يحدث كل ما حدث، ولكنَّه جاء مبكرًا جدًّا وعلى غفلةٍ منَّا ودون استعداد. ظنَّ الجميع أنَّها مجرد أيامٍ أو حتى شهور، لكنهم لم يدركوا أنَّ سنينَ ستمرُّ دون أن يلتقوا مجددًا. ثقيلةٌ هي الذكريات دون وجودِهم، وثقيلةٌ هي الحياة دون أن يكونوا فيها. في هذه البلاد، ستتعلَّم كيف تمشي مُغَمض العينين خوفًا من أن تتعثَّر بالذكرى.
فقدَ كلُّ شيءٍ معناهُ هنا حين فُقد الأمان، وتغيرت معاني الأماكن والأشياء من حولنا؛ ففي حين كان البحر هو المَلاذ والمُتنفَّس الوحيد، صار وحشًا يبتلع خيام من لم يجدوا غيرَه، وفي حين كان المطر مدعاةً للفرح والخير، أصبح ضيفًا ثقيلًا حين يأتي، وصار الدعاء ألَّا تُمطر السماء يومًا. اختلط الطحين والخبزُ الأبيض بدَمِ كل من ذهب يركُض خلف شاحنة مساعداتٍ فعاد لوالدته مُكفَّنًا بالأبيض، فصار الخبز حرامًا على بطونهم بعد ذلك المساء.
ستَجد بين الأحاديث سؤالًا قد يبدو عاديًّا، لكنه يحمل بين طيَّاته تنهيدةً طويلة وشوقًا لِما كان: "ماذا كان آخر شيءٍ فعلتَه في السادس من أكتوبر؟". كنتُ ضِمن مجموعةٍ حين طُرح هذا السؤال، فأجاب شابٌّ من الموجودين بأنَّه كان قد خرج مع صديقه في السيارة وتجوَّلا حتى وقتٍ متأخر بين شمال المدينة وجنوبها؛ يقول: "لم أكن أعرف أنَّها ستكون المَرة الأخيرة، وأنِّي بهذه الجولة كنت أُودِّع غزة التي كانت". لو كان اليوم التالي يومًا عاديًّا لَمَا تذكَّر تلك الجولة، لكنها صارت أشبه بقصةٍ تراجيدية ووداعٍ لم يكن بالحُسبان.
تغيَّرَت الصورة من الخارج، والمدينة التي كانت تعجُّ بالألوان صار الرمادي لونَها الوحيد، وكأنَّ كل ما في هذه المدينة في حدادٍ غيرِ مُعلَن وإلى أجلٍ غير معلوم. لم يتجاوز أحدٌ خساراته، ولكنَّه استمر بطريقةٍ ما في العيش مجبرًا لا بطلًا، وربما ستمرُّ سنونٌ كثيرة قبل أن يستطيع أحدهم أن يتجاوز الأمر، وربما لن يفعل ذلك أبدًا.
كم أودُّ لو يعود كل شيءٍ كما كان، ولو يعود هذا التاريخ ليكون يومًا عاديًّا يمرُّ كغيره من الأيام؛ كالحادي عشر من أيلول دون ذكرى، ودون ألم! لو يعود البحر والسماء أزرقَين، فيعكِسان على المدينة لونًا كانت قد فقدَته، ويُعيدان لها وهَجها الذي أطفأتْه الحرب. لكن ما أعلمه جيدًا هو أن تلك الأيام قد ولَّت؛ فلا هي تعود، ولا نحن نعود.
ثلاثة أعوامٍ قد مرَّت منذ ذلك اليوم؛ تارةً كنتُ أشعر بها بطيئةً جدًّا وكأن تلك الأيام كانت تمرُّ فوق كل خليةٍ من جسدي، وفي أُخرى شعرتُ أنَّها مرَّت كلَمح البصر فلم أعِشها. أحمل في داخلي الكثيرَ من المشاعر المتضارِبة نحو ذلك اليوم الذي صار– دون وعيٍ منَّا – تاريخًا مِفصليًّا، وخطًّا يفصل بين زمنَين مختلفَين جدًّا؛ فكُل ما بعده لا يشبه شيئاً مما كان قبله.
يومٌ حزين أم سعيد؟ تاريخُ بطولةٍ أم هزيمة؟ لا أشعر أنَّ للحديث في ذلك أهميةً بعد الآن. وربما كل ما يهمُّ هو ما وصَلنا إليه وما آلت إليه حياتنا؛ فبشكلٍ أو بآخر، تغيرت حياة كل شخصٍ هنا إلى الأبد، سواءٌ أكان ذلك التغيير جليًّا أم خفيًّا تتَّضح ملامحه بين الفَينة والأخرى. لم تقتصر الخسارات على أشخاصٍ بعَينهم بل طالت الجميع؛ فكل من في هذه المدينة قد ذاق شكلًا من أشكال الخسارة؛ سواءٌ من خسر بيتًا، أو فردًا من عائلته، أو عائلته بأكملها فبقي وحيدًا يُجابِه الأيام، ومن فقد صديقًا أو حتى حبيبًا لا يحِق له أن يُبدي عليه حزنًا، فبكى خساراتِ بلدٍ بأكمله ولم يبكِ نفسه. قد لا يكون الفَقد ماديًّا فقط، ولا يمكن للفقد المعنوي أن يكون أقلَّ ألمًا؛ أن تجد كل ذكرياتك في البلاد قد باتَت رماداً، أنَّ كل ما كبرت عليه لم يعُد له وجود، وأنَّ كل شيءٍ اعتدت عليه قد مُسح ولم يبقَ منه أيُّ أثر، وأنَّ الشوارع التي حفظتها عن ظهر قلب بِتَّ تَتُوه فيها اليوم وتسأل مَن حولك عن الطريق!
تفرَّقت الكثير من العائلات بعد ذلك اليوم، داخل الوطن وخارجَه. تفرَّق الأصدقاء ولم يجدوا لِلُّقيا أيَّ طريق. ثلاثة أعوامٍ دون لقاء، أشعر معها وكأن العمر قد سُرق ولا يزال يُسرق، وأنَّ كل تلك الأيام التي كان وجودهم فيها أمرًا مسلَّمًا به لم تعُد كذلك. ربما كان الفراق أمرًا حتميًّا ذات يومٍ حتى وإن لم يحدث كل ما حدث، ولكنَّه جاء مبكرًا جدًّا وعلى غفلةٍ منَّا ودون استعداد. ظنَّ الجميع أنَّها مجرد أيامٍ أو حتى شهور، لكنهم لم يدركوا أنَّ سنينَ ستمرُّ دون أن يلتقوا مجددًا. ثقيلةٌ هي الذكريات دون وجودِهم، وثقيلةٌ هي الحياة دون أن يكونوا فيها. في هذه البلاد، ستتعلَّم كيف تمشي مُغَمض العينين خوفًا من أن تتعثَّر بالذكرى.
فقدَ كلُّ شيءٍ معناهُ هنا حين فُقد الأمان، وتغيرت معاني الأماكن والأشياء من حولنا؛ ففي حين كان البحر هو المَلاذ والمُتنفَّس الوحيد، صار وحشًا يبتلع خيام من لم يجدوا غيرَه، وفي حين كان المطر مدعاةً للفرح والخير، أصبح ضيفًا ثقيلًا حين يأتي، وصار الدعاء ألَّا تُمطر السماء يومًا. اختلط الطحين والخبزُ الأبيض بدَمِ كل من ذهب يركُض خلف شاحنة مساعداتٍ فعاد لوالدته مُكفَّنًا بالأبيض، فصار الخبز حرامًا على بطونهم بعد ذلك المساء.
ستَجد بين الأحاديث سؤالًا قد يبدو عاديًّا، لكنه يحمل بين طيَّاته تنهيدةً طويلة وشوقًا لِما كان: "ماذا كان آخر شيءٍ فعلتَه في السادس من أكتوبر؟". كنتُ ضِمن مجموعةٍ حين طُرح هذا السؤال، فأجاب شابٌّ من الموجودين بأنَّه كان قد خرج مع صديقه في السيارة وتجوَّلا حتى وقتٍ متأخر بين شمال المدينة وجنوبها؛ يقول: "لم أكن أعرف أنَّها ستكون المَرة الأخيرة، وأنِّي بهذه الجولة كنت أُودِّع غزة التي كانت". لو كان اليوم التالي يومًا عاديًّا لَمَا تذكَّر تلك الجولة، لكنها صارت أشبه بقصةٍ تراجيدية ووداعٍ لم يكن بالحُسبان.
تغيَّرَت الصورة من الخارج، والمدينة التي كانت تعجُّ بالألوان صار الرمادي لونَها الوحيد، وكأنَّ كل ما في هذه المدينة في حدادٍ غيرِ مُعلَن وإلى أجلٍ غير معلوم. لم يتجاوز أحدٌ خساراته، ولكنَّه استمر بطريقةٍ ما في العيش مجبرًا لا بطلًا، وربما ستمرُّ سنونٌ كثيرة قبل أن يستطيع أحدهم أن يتجاوز الأمر، وربما لن يفعل ذلك أبدًا.
كم أودُّ لو يعود كل شيءٍ كما كان، ولو يعود هذا التاريخ ليكون يومًا عاديًّا يمرُّ كغيره من الأيام؛ كالحادي عشر من أيلول دون ذكرى، ودون ألم! لو يعود البحر والسماء أزرقَين، فيعكِسان على المدينة لونًا كانت قد فقدَته، ويُعيدان لها وهَجها الذي أطفأتْه الحرب. لكن ما أعلمه جيدًا هو أن تلك الأيام قد ولَّت؛ فلا هي تعود، ولا نحن نعود.