أيام النصر من 6 إلى 28 أكتوبر
مأخوذ عن مذكرات المشير أحمد إسماعيل ومصادر أخرى
بقلم: مرام علاء
"كانت أكبر مفاجأة لنا في هذه الحرب، كفاءة الجندي المصري..وإصراره..واستعداده للتضحية بروحه لتحقيق أهدافه" - دافيد إليعازر، رئيس الأركان من جيش العدو
تندهش لبداية هذه المقالة بمقولة من فم العدو أليس كذلك؟
لكن ما قيل كان لا شيء أمام ما عاشه جنودنا خلف كواليس تلك الحرب..لقد فضّلنا أن تعرف كم كان العدو خائفًا قبل بداية الحكاية حتى تتلذذ بنصر جمهورية مصر العربية أكثر.
اندلعت العاصفة، واشتعل بركان الغضب، وانفجر دوّي الصمت؛ هذا ما حدث بعد سكون طويل وشعور بالانكسار والحيرة، حين كان الضباط يتساءلون في مرارة: ماذا فعلنا لتعاقبونا بنظراتكم؟
انتظر المصريون طويلًا حتى أضحى الصمت قيدًا لا بد أن يكسره أحد ويخطو الخطوة الأولى؛ وكان هؤلاء أفرادًا، وجنودًا، وصحفًا، ولغةً تضافرت جميعها ليصنع المصريون النصر لبلادهم في السادس من أكتوبر عام 1973، في حرب استمرت نحو تسعة عشر إلى عشرين يومًا من العمليات العسكرية المباشرة.
فما رأيك أن تعيش وقائع تلك الأيام في هذه السطور؟
ما حدث قبل الحرب
"اقرأ الحادثة!" كانت هذه النداءات الشهيرة كافية لتدفعك إلى شراء صحيفة من يد طفل صغير يسعى لإخبارك بما يدور في وطنك. لكن في ذلك الوقت، لم تكن الحوادث العابرة تشغل بال المصريين بقدر ما شغلتهم قضية الحرب؛ كان المواطن يعيش صراعًا بين الحزن على أرض سيناء المسلوبة، والغضب المكتوم الذي لم يكن ليثمر شيئًا آنذاك دون عمل.
أما جنودنا البواسل، فكانوا يعكفون على تطبيق أسلوبٍ صار يُدرّس لاحقًا ضمن أرقى فنون القتال: خطة الخداع الاستراتيجي والتمويه.
قبل الحرب بأيام، أُعلن عن فتح باب التسجيل لرحلات عُمرة مخصصة لأفراد القوات المسلحة، وتزامن ذلك مع تسريح جزء من قوات الاحتياط وإعادتهم إلى بيوتهم؛ لترسيخ انطباع كامل بأنه لا نية لخوض أي معركة قريبة.
اعتادت أعين استطلاع العدو رؤية تحركات ومناورات عسكرية لا تكتمل، فاقتنع بأنها تدريبات روتينية لا طائل منها، واستبعد فكرة الهجوم المباغت تمامًا.
ولأن تأمين الجبهة السياسية والعسكرية يتطلب إرسال الإشارات المناسبة حتى للحلفاء، نقل اللواء فؤاد نصار مدير المخابرات الحربية إلى ضابط الاتصال السوفيتي مخاوف من احتمال شن العدو هجومًا على مصر؛ لترسيخ صورة تفيد بأن القاهرة لا تشغل تفكيرها إلا بالدفاع والتحصن لا المبادأة بالهجوم.
امتد الخداع إلى القطاع المدني؛ فبينما كانت الدولة تؤمن مستشفيات ميدانية وتكدس احتياطيات ضخمة من القمح، نشرت الصحف أن المستشفيات تواجه انتشارًا لبكتيريا "التيتانوس" وتخضع للتطهير لتبرير إخلائها، وأن سوء التخزين أدى إلى تلف صوامع القمح لتفسير ضخ كميات جديدة في المخازن دون لفت الانتباه.
دور اللغة النوبية في المعركة
لم تكن الشفرة غريبة على سجية المصريين الذين اعتادوا صياغة مصطلحات خاصة بهم؛ فقد كان الجيش في حاجة ماسة لوسيلة تنقل الرسائل بأمان تام وتتجاوز أجهزة التنصت والتجسس المعادية. وبحسب رواية الصول أحمد إدريس، فإنه استمع صدفة لقادته وهم يناقشون هذه المعضلة، فبادر بطرح فكرة كان لها أثر حاسم: استخدام اللغة النوبية شفرةً منطوقة وميدانية تعذّر على مخابرات العدو حل أسرارها.
*
خطة الحرب بقيادة المشير أحمد إسماعيل
"إننا نقف أمام حرب تحاول أن تنهك قوات سلاح المشاة، وتدمر التحصينات، وتصيب خطوط المواصلات الخاصة بنا... والحصول على نصر في معركة تلو الأخرى حتى لا نصل إلى معركة حقيقية... وبلغ عدد إصاباتنا منذ حرب الأيام الستة على الجبهة المصرية 1365 مصابًا و323 شهيدًا".
كتبها المشير أحمد إسماعيل، وزير الحربية في حرب أكتوبر 1973، ضمن مذكراته. أحداث كثيرة توالت عليه في فترة "حرب الاستنزاف"، جعلته يرى الأيام كلها في سواد حالك؛ خسائر كثيرة ومصابون، وكان جيشنا يفقد عزيمته بعد فوز العدو في هذه المعارك الصغيرة.
نحن أمام رجل خاض مراحل مختلفة قبل الوصول إلى حرب أكتوبر الشهيرة؛ فقد بدأ مشوارًا طويلًا مع الفريق عبد المنعم رياض إلى أن سقط الأخير شهيدًا يوم 9 مارس 1969 جراء إصابته بشظايا قذيفة مدفعية العدو أثناء وجوده بين جنوده في الخطوط الأمامية على جبهة القتال بالإسماعيلية.
ثم عاش مرحلة حرب الاستنزاف التي انتهت بإحالته إلى التقاعد للمرة الثانية - والتي أوضح في مذكراته أنها ربما كانت بسبب معلومات خاطئة - لكنه كان شجاعًا باسلًا يُستمد منه العزم. انعزل مؤقتًا حتى بدأ في كتابة أوراقه التي مثّلت خطة عسكرية محكمة!
اختار صياغتها في شكل خطاب إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، قُسّم إلى: "أهداف العدو"، و"قواتنا"، و"فكرة العملية" التي كانت تركز على خطة دفاعية محكمة على الجانبين الشرقي والغربي لقناة السويس، حتى نتمكن من مفاجأة العدو مفاجأة تامة وغير متوقعة، على أن تجري المواجهة ليلًا، فضلًا عن سرد "صعوبات العملية ومزاياها".
خسارة قائدين
من أكثر المواقف التي لم ينسها المشير أحمد إسماعيل وأثرت فيه بعمق: استشهاد الفريق عبد المنعم رياض، ثم رحيل الرئيس جمال عبد الناصر؛ أخبارٌ أرّقته وجعلته يتساءل: كيف سنعوضهما؟
لم تكن عودة المشير أحمد إسماعيل رحلة هيّنة، ويكفي القول إنه لم يسعَ إليها، حتى عُيّن رئيسًا لجهاز المخابرات العامة. وبعد انقضاء ستة أشهر، دار حوارٌ بينه وبين الرئيس محمد أنور السادات حول الموقف الراهن آنذاك. لم يتكرر ذلك الحوار لفترة من الزمن؛ نظرًا لانشغاله بقضايا مصيرية عديدة كان الكشف عنها والتعامل معها ركيزة حاسمة في ترجيح كفة الحرب لاحقًا، ولا سيما قضايا مكافحة التجسس وتجنيد عملاء لصالح مصر دون علم العدو، على غرار ملحمة "رأفت الهجان".
وقد تطرق المشير أحمد إسماعيل في مذكراته -التي أُعيد نشرها بقلم الكاتب الصحفي مجدي الجلاد- إلى عددٍ من أبرز تلك العمليات، مثل قضية "هبة سليم" وقضية "راندوبولو" اللتين عُدّتا من أخطر وأهم ملفات المخابرات المصرية.
كان المشير يستشعر عزم الرئيس السادات ونيّته خوض الحرب لاسترداد الأرض، فقرر أن يعرض عليه تصوره لتحرير سيناء على مراحل عبر اقتحام مانع القناة وتأمين رؤوس جسور على الضفة الشرقية، وسلّمه نص الخطاب والتحليل الاستراتيجي اللذين كان قد أعدّهما للرئيس الراحل جمال عبد الناصر من قبل؛ فشاء القدر أن يكون ذلك الحين هو التوقيت الأنسب لتبنّيهما.
وبعد انقضاء أسبوع، طلب منه الرئيس السادات ترشيح خمسة من كبار قادة القوات المسلحة لتولي قيادة المعركة، قبل أن يستقر قرار السادات على اختيار المشير أحمد إسماعيل نفسه وزيرًا للحربية وقائدًا عامًا للقوات المسلحة، لتؤول إليه قيادة الجيش وإدارة خطة العبور والتحرير.
الجبهة السورية
بعد اكتمال استعدادات المرحلتين الأولى والثانية، والمتمثلتين في التأكد من جاهزية القادة والقوات واستعدادهم، بدأ التجهيز للمرحلة الثالثة وهي إعداد قوات الهجوم؛ وكان للشقيقة سوريا دورٌ مهم. ففي إطار التنسيق السياسي بين الرئيسين أنور السادات وحافظ الأسد، اتُّفق على توحيد جهود القوات المسلحة في البلدين لخوض عمل عسكري مشترك متزامن. وتمثلت مهمة المشير أحمد إسماعيل الأولى في التنسيق العسكري مع سوريا في سرية تامة لتحديد ساعة الصفر وخطة الهجوم المزدوج، بينما كانت مهمته الثانية إبرام صفقات التسليح مع الاتحاد السوفيتي، والتي عُدّت من أشد المهام تعقيدًا وصعوبة بعد قرار طرد الخبراء الروس من مصر عام 1972.
تحديات الطبيعة والميدان
لم تكن العقبات عسكرية فحسب؛ إذ شكّلت ظاهرة المد والجزر في مياه قناة السويس تحديًا طبيعيًا لا يقل شراسة عن خط بارليف وساتره الترابي، حيث يتغير منسوب المياه أربع مرات يوميًا في المجرى الملاحي، مما فرض معضلة حقيقية في تحديد التوقيت الدقيق لبدء العبور.
لكن بالتدريب والمحاكاة المستمرة، استطاع الجيش حل هذه الإشكالية، ثم اتجه إلى تطوير أسلوب مد الجسور والكباري في زمن قياسي لتمكين الدبابات والأسلحة الثقيلة من العبور نحو الضفة الشرقية فور فتح الثغرات والممرات في الساتر الترابي. ولما تبيّن أن استخدام المفرقعات والأساليب التقليدية لهدم الساتر الترابي سيتطلب وقتًا أطول مما تسمح به مباغتة المعركة، استقر الرأي على استخدام مضخات المياه الألمانية، القادرة على ضخ 200 متر مكعب من المياه في الساعة؛ وتلك كانت الوسيلة الحاسمة، حيث استغرقت إزالة نحو 1500 متر مكعب من الرمال وفتح الثغرة الواحدة زمنًا لم يتجاوز خمس ساعات.
أما خط بارليف الحصين، فكان يتألف من نحو 30 نقطة قوية وحصنًا شُيّدت بطول القناة من بورسعيد شمالًا حتى بور توفيق جنوبًا، وشُيّد كل حصن على مساحة تقارب 500 متر في 500 متر، محاطة بحقول ألغام وأسلاك شائكة؛ وهو ما منح العدو قدرة على المراقبة والسيطرة النارية الكاملة على طول المجرى المائي والضفة الغربية، مدعومة بخط دفاعي ثانٍ في عمق سيناء؛ مما جعل عبور القناة مغامرة عسكرية بالغة التعقيد والخطورة.
ولمواجهة دبابات العدو التي قد تتدخل مبكرًا قبل اكتمال نصب الجسور، صُنعت عربات جر خفيفة ذات عجلات صامتة لحمل ذخائر الأسلحة المضادة للدبابات ومرافقة جنود المشاة فور نزولهم إلى الشاطئ الشرقي لتثبيت رؤوس الجسور في الساعات الأولى للمعركة.
ساع آوي..أوسكو..أوشريا
كانت هذه كلمات اللغة التي يمكنك نطقها وسماعها لكن لن تتمكن من كتابتها، لم يفهمها العدو رغم مراقبة جيشنا طوال الوقت وتعني "بدأت ساعة الصفر" "اضرب".
في العاشر من رمضان 1393هـ والسادس من أكتوبر 1973م
بدأت بهجمات جوية وضربات مركزة بأكثر من 200 طائرة مقاتلة ومشاركة أكثر من 2000 مدفع ليدك حصون خط بارليف.
تمكّن جيشنا الباسل من اقتحام قناة السويس والاستيلاء على خط بارليف بالكامل وإنشاء خمسة "رءوس كباري" بخمس فرق.
نتذكّر بعض الوثائقيات التي سجلت كلمات جيش العدو، "أنا لا أستطيع رفع رأسي"، "الرصاص يتطاير علينا في كل مكان".
معركة جبل المُر - 9 أكتوبر
مع بزوغ فجر التاسع من أكتوبر، كان الجيش المصري يخوض ملحمة تثبيت رؤوس الجسور في عمق سيناء. برز "جبل المُرّ" كنقطة حاكمة ومرتفعة تُشرف على القطاع الأوسط والمحاور المؤدية إلى المضائق. استمات العدو في شن هجمات مضادة متتالية بقوات مدرعة ضخمة لاستعادة السيطرة على هذا الموقع الاستراتيجي وفصل القوات المصرية المتقدمة.
لكن المفاجأة كانت في انتظارهم؛ حيث نصبت عناصر المشاة والمدفعية المصرية، مدعومة بصائدي الدبابات والصواريخ، كمائن محكمة استدرجت أرتال العدو إلى مناطق قتل مفتوحة. تحولت سفوح الجبل إلى مقبرة للدبابات من تشكيلات الاحتياط لجيش العدو؛ إذ دُمّرت عشرات الدبابات والمجنزرات وأُجبر من تبقى على الانسحاب مذعورًا، ليتحول جبل المُرّ إلى رمز لصمود المقاتل الفرد في مواجهة التفوق المدرع، معلنًا إحكام القوات المصرية قبضتها على مسرح العمليات الأوسط.
معركة بورتوفيق - 12 أكتوبر
في أقصى الجنوب، عند المدخل الجنوبي لقناة السويس، كان حصن بور توفيق (المعروف للعدو باسم كود "ميزح") يُعد من أعتى وأحصن نقاط خط بارليف على الإطلاق. فرضت قوات اللواء 130 مشاة أسطول وقوات الصاعقة حصارًا خانقًا ومطبقًا على الحصن منذ اللحظات الأولى لبدء العمليات، وقطعت عنه كل خطوط الإمداد والإخلاء.
على مدار أيام، دكّت القوات المصرية تحصينات الموقع بالنيران المباشرة، وتصدت ببسالة لكل محاولات دبابات العدو لفك الحصار عن الحامية المحاصرة. وبحلول الثاني عشر من أكتوبر، ومع نفاد الذخيرة والماء وانقطاع الأمل في أي نجدة، أدركت قيادة الحصن استحالة الصمود.
وتم الاستسلام بطريقة عسكرية مشهودة تحت إشراف الصليب الأحمر الدولي؛ حيث وقف قائد موقع العدو ليؤدي التحية العسكرية لقائد القوة المصرية ويُسلّمه علم الحصن، وخرج 37 ضابطًا وجنديًا من جيش العدو أسرى في مشهد تاريخي جسّد الانهيار الكامل لأسطورة خط بارليف الدفاعية.
معركة المنصورة الجوية - 14 أكتوبر
صراع الـ 53 دقيقة
حين قررت قيادة العدو رد الصفعة ومحاولة شل القواعد الجوية في الدلتا المصرية، أطلق العدو في ظهر 14 أكتوبر هجومًا جويًا واسع النطاق بأكثر من 120 إلى 160 طائرة حربية متطورة من طرازي "فانتوم" و"سكاي هوك"، بهدف تدمير قاعدة المنصورة الجوية (شاش) وتأمين تفوق جوي يسمح بضرب القوات في سيناء من الخلف.
هناك دارت أطول وأضخم معركة جوية في التاريخ العسكري الحديث منذ الحرب العالمية الثانية. على مدار نحو 53 دقيقة متواصلة من الاشتباك العنيف، تصدت نسور القوات الجوية المصرية بطائرات "الميج 21" -رغم فارق التكنولوجيا وسعة الوقود وحمولة التسليح- لأسراب العدو المغيرة، مدعومة بتنسيق عبقري وتوجيه دقيق من رادارات الدفاع الجوي.
تحولت سماء الدلتا إلى غابة من ألسنة اللهب والنيران؛ وأظهر الطيارون المصريون كفاءة ومناورات قتالية أذهلت مراكز الدراسات العسكرية الدولية. انتهت المعركة بفشل الهجوم التام من العدو، وإسقاط ما يقارب 17 إلى 18 طائرة معادية، واضطرار ما تبقى من طائرات العدو إلى إلقاء حمولتها والفرار نحو البحر، ليصبح هذا اليوم المجيد لاحقًا عيدًا رسميًا للقوات الجوية المصرية.
الدفرسوار - 15/16 أكتوبر
**
قام العدو ليلة 15/16 من أكتوبر باستغلال هجومه المركز على الجانب الأيسر للفرقة 16 من الجيش الثاني وعبر منطقة الدفرسوار بقوة من المظلات وسبع دبابات زادت إلى 30 دبابة استغلالًا لطبيعة الأرض؛ حيث دارت معركة طاحنة في شرق الدفرسوار وغربها وتكبد فيها الجيشان خسائر عديدة.
بنهاية 22 أكتوبر 1973، كان من المقرر تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 338 بوقف إطلاق النار، رغم عدم التزام العدو كاملًا بتنفيذه، إلا أنه تم وقف إطلاق النار الفعلي في تمام الساعة 11 ظهر يوم 28 أكتوبر 1973.
استمرت حرب الاستنزاف من 31 أكتوبر 1973 إلى 18 يناير 1974، أي يوم توقيع اتفاقية فصل القوات.
لقد نفذ جيشنا الباسل 439 عملية، منها 93 في شهر نوفمبر 1973 و213 عملية في شهر ديسمبر 1973 و133 عملية في شهر يناير 1974.
لم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية خاضها جيش لاستعادة رقعة جغرافية، بل كانت زلزالًا أطاح بأوهام "الجيش الذي لا يقهر" وأعاد صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط. تلك الأيام الممتدة بين عبور السادس من أكتوبر ومعارك الاستنزاف الثانية التي تلت وقف إطلاق النار، برهنت على أن التخطيط العلمي الرصين، والخداع الاستراتيجي المحكم، وتلاحم القيادة مع صلابة المقاتل، قادرة على قهر المستحيل ونسف أعتى الخطوط الدفاعية.
لقد دون المشير أحمد إسماعيل في أوراقه خلاصة التجربة؛ تجربة أمة رفضت أن تستسلم لصمت الانكسار، واستبدلت به زئير المدافع وحكمة الإدارة العسكرية الفذة. وحين جلس العالم بأسره يرقب مفاوضات الكيلو 101 واتفاقيات فصل القوات، كان الجميع يدرك حقيقة واحدة لا لبس فيها: أن يد مصر لم تعد مغلولة، وأن إرادة الجندي الذي خاض غمار القناة هي التي كتبت كلمة الفصل وأعادت للوطن كبرياءه المسلوب وللأمة كرامتها المستردة بدماء الشهداء.
تندهش لبداية هذه المقالة بمقولة من فم العدو أليس كذلك؟
لكن ما قيل كان لا شيء أمام ما عاشه جنودنا خلف كواليس تلك الحرب..لقد فضّلنا أن تعرف كم كان العدو خائفًا قبل بداية الحكاية حتى تتلذذ بنصر جمهورية مصر العربية أكثر.
اندلعت العاصفة، واشتعل بركان الغضب، وانفجر دوّي الصمت؛ هذا ما حدث بعد سكون طويل وشعور بالانكسار والحيرة، حين كان الضباط يتساءلون في مرارة: ماذا فعلنا لتعاقبونا بنظراتكم؟
انتظر المصريون طويلًا حتى أضحى الصمت قيدًا لا بد أن يكسره أحد ويخطو الخطوة الأولى؛ وكان هؤلاء أفرادًا، وجنودًا، وصحفًا، ولغةً تضافرت جميعها ليصنع المصريون النصر لبلادهم في السادس من أكتوبر عام 1973، في حرب استمرت نحو تسعة عشر إلى عشرين يومًا من العمليات العسكرية المباشرة.
فما رأيك أن تعيش وقائع تلك الأيام في هذه السطور؟
ما حدث قبل الحرب
"اقرأ الحادثة!" كانت هذه النداءات الشهيرة كافية لتدفعك إلى شراء صحيفة من يد طفل صغير يسعى لإخبارك بما يدور في وطنك. لكن في ذلك الوقت، لم تكن الحوادث العابرة تشغل بال المصريين بقدر ما شغلتهم قضية الحرب؛ كان المواطن يعيش صراعًا بين الحزن على أرض سيناء المسلوبة، والغضب المكتوم الذي لم يكن ليثمر شيئًا آنذاك دون عمل.
أما جنودنا البواسل، فكانوا يعكفون على تطبيق أسلوبٍ صار يُدرّس لاحقًا ضمن أرقى فنون القتال: خطة الخداع الاستراتيجي والتمويه.
قبل الحرب بأيام، أُعلن عن فتح باب التسجيل لرحلات عُمرة مخصصة لأفراد القوات المسلحة، وتزامن ذلك مع تسريح جزء من قوات الاحتياط وإعادتهم إلى بيوتهم؛ لترسيخ انطباع كامل بأنه لا نية لخوض أي معركة قريبة.
اعتادت أعين استطلاع العدو رؤية تحركات ومناورات عسكرية لا تكتمل، فاقتنع بأنها تدريبات روتينية لا طائل منها، واستبعد فكرة الهجوم المباغت تمامًا.
ولأن تأمين الجبهة السياسية والعسكرية يتطلب إرسال الإشارات المناسبة حتى للحلفاء، نقل اللواء فؤاد نصار مدير المخابرات الحربية إلى ضابط الاتصال السوفيتي مخاوف من احتمال شن العدو هجومًا على مصر؛ لترسيخ صورة تفيد بأن القاهرة لا تشغل تفكيرها إلا بالدفاع والتحصن لا المبادأة بالهجوم.
امتد الخداع إلى القطاع المدني؛ فبينما كانت الدولة تؤمن مستشفيات ميدانية وتكدس احتياطيات ضخمة من القمح، نشرت الصحف أن المستشفيات تواجه انتشارًا لبكتيريا "التيتانوس" وتخضع للتطهير لتبرير إخلائها، وأن سوء التخزين أدى إلى تلف صوامع القمح لتفسير ضخ كميات جديدة في المخازن دون لفت الانتباه.
دور اللغة النوبية في المعركة
لم تكن الشفرة غريبة على سجية المصريين الذين اعتادوا صياغة مصطلحات خاصة بهم؛ فقد كان الجيش في حاجة ماسة لوسيلة تنقل الرسائل بأمان تام وتتجاوز أجهزة التنصت والتجسس المعادية. وبحسب رواية الصول أحمد إدريس، فإنه استمع صدفة لقادته وهم يناقشون هذه المعضلة، فبادر بطرح فكرة كان لها أثر حاسم: استخدام اللغة النوبية شفرةً منطوقة وميدانية تعذّر على مخابرات العدو حل أسرارها.
*
خطة الحرب بقيادة المشير أحمد إسماعيل
"إننا نقف أمام حرب تحاول أن تنهك قوات سلاح المشاة، وتدمر التحصينات، وتصيب خطوط المواصلات الخاصة بنا... والحصول على نصر في معركة تلو الأخرى حتى لا نصل إلى معركة حقيقية... وبلغ عدد إصاباتنا منذ حرب الأيام الستة على الجبهة المصرية 1365 مصابًا و323 شهيدًا".
كتبها المشير أحمد إسماعيل، وزير الحربية في حرب أكتوبر 1973، ضمن مذكراته. أحداث كثيرة توالت عليه في فترة "حرب الاستنزاف"، جعلته يرى الأيام كلها في سواد حالك؛ خسائر كثيرة ومصابون، وكان جيشنا يفقد عزيمته بعد فوز العدو في هذه المعارك الصغيرة.
نحن أمام رجل خاض مراحل مختلفة قبل الوصول إلى حرب أكتوبر الشهيرة؛ فقد بدأ مشوارًا طويلًا مع الفريق عبد المنعم رياض إلى أن سقط الأخير شهيدًا يوم 9 مارس 1969 جراء إصابته بشظايا قذيفة مدفعية العدو أثناء وجوده بين جنوده في الخطوط الأمامية على جبهة القتال بالإسماعيلية.
ثم عاش مرحلة حرب الاستنزاف التي انتهت بإحالته إلى التقاعد للمرة الثانية - والتي أوضح في مذكراته أنها ربما كانت بسبب معلومات خاطئة - لكنه كان شجاعًا باسلًا يُستمد منه العزم. انعزل مؤقتًا حتى بدأ في كتابة أوراقه التي مثّلت خطة عسكرية محكمة!
اختار صياغتها في شكل خطاب إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، قُسّم إلى: "أهداف العدو"، و"قواتنا"، و"فكرة العملية" التي كانت تركز على خطة دفاعية محكمة على الجانبين الشرقي والغربي لقناة السويس، حتى نتمكن من مفاجأة العدو مفاجأة تامة وغير متوقعة، على أن تجري المواجهة ليلًا، فضلًا عن سرد "صعوبات العملية ومزاياها".
خسارة قائدين
من أكثر المواقف التي لم ينسها المشير أحمد إسماعيل وأثرت فيه بعمق: استشهاد الفريق عبد المنعم رياض، ثم رحيل الرئيس جمال عبد الناصر؛ أخبارٌ أرّقته وجعلته يتساءل: كيف سنعوضهما؟
لم تكن عودة المشير أحمد إسماعيل رحلة هيّنة، ويكفي القول إنه لم يسعَ إليها، حتى عُيّن رئيسًا لجهاز المخابرات العامة. وبعد انقضاء ستة أشهر، دار حوارٌ بينه وبين الرئيس محمد أنور السادات حول الموقف الراهن آنذاك. لم يتكرر ذلك الحوار لفترة من الزمن؛ نظرًا لانشغاله بقضايا مصيرية عديدة كان الكشف عنها والتعامل معها ركيزة حاسمة في ترجيح كفة الحرب لاحقًا، ولا سيما قضايا مكافحة التجسس وتجنيد عملاء لصالح مصر دون علم العدو، على غرار ملحمة "رأفت الهجان".
وقد تطرق المشير أحمد إسماعيل في مذكراته -التي أُعيد نشرها بقلم الكاتب الصحفي مجدي الجلاد- إلى عددٍ من أبرز تلك العمليات، مثل قضية "هبة سليم" وقضية "راندوبولو" اللتين عُدّتا من أخطر وأهم ملفات المخابرات المصرية.
كان المشير يستشعر عزم الرئيس السادات ونيّته خوض الحرب لاسترداد الأرض، فقرر أن يعرض عليه تصوره لتحرير سيناء على مراحل عبر اقتحام مانع القناة وتأمين رؤوس جسور على الضفة الشرقية، وسلّمه نص الخطاب والتحليل الاستراتيجي اللذين كان قد أعدّهما للرئيس الراحل جمال عبد الناصر من قبل؛ فشاء القدر أن يكون ذلك الحين هو التوقيت الأنسب لتبنّيهما.
وبعد انقضاء أسبوع، طلب منه الرئيس السادات ترشيح خمسة من كبار قادة القوات المسلحة لتولي قيادة المعركة، قبل أن يستقر قرار السادات على اختيار المشير أحمد إسماعيل نفسه وزيرًا للحربية وقائدًا عامًا للقوات المسلحة، لتؤول إليه قيادة الجيش وإدارة خطة العبور والتحرير.
الجبهة السورية
بعد اكتمال استعدادات المرحلتين الأولى والثانية، والمتمثلتين في التأكد من جاهزية القادة والقوات واستعدادهم، بدأ التجهيز للمرحلة الثالثة وهي إعداد قوات الهجوم؛ وكان للشقيقة سوريا دورٌ مهم. ففي إطار التنسيق السياسي بين الرئيسين أنور السادات وحافظ الأسد، اتُّفق على توحيد جهود القوات المسلحة في البلدين لخوض عمل عسكري مشترك متزامن. وتمثلت مهمة المشير أحمد إسماعيل الأولى في التنسيق العسكري مع سوريا في سرية تامة لتحديد ساعة الصفر وخطة الهجوم المزدوج، بينما كانت مهمته الثانية إبرام صفقات التسليح مع الاتحاد السوفيتي، والتي عُدّت من أشد المهام تعقيدًا وصعوبة بعد قرار طرد الخبراء الروس من مصر عام 1972.
تحديات الطبيعة والميدان
لم تكن العقبات عسكرية فحسب؛ إذ شكّلت ظاهرة المد والجزر في مياه قناة السويس تحديًا طبيعيًا لا يقل شراسة عن خط بارليف وساتره الترابي، حيث يتغير منسوب المياه أربع مرات يوميًا في المجرى الملاحي، مما فرض معضلة حقيقية في تحديد التوقيت الدقيق لبدء العبور.
لكن بالتدريب والمحاكاة المستمرة، استطاع الجيش حل هذه الإشكالية، ثم اتجه إلى تطوير أسلوب مد الجسور والكباري في زمن قياسي لتمكين الدبابات والأسلحة الثقيلة من العبور نحو الضفة الشرقية فور فتح الثغرات والممرات في الساتر الترابي. ولما تبيّن أن استخدام المفرقعات والأساليب التقليدية لهدم الساتر الترابي سيتطلب وقتًا أطول مما تسمح به مباغتة المعركة، استقر الرأي على استخدام مضخات المياه الألمانية، القادرة على ضخ 200 متر مكعب من المياه في الساعة؛ وتلك كانت الوسيلة الحاسمة، حيث استغرقت إزالة نحو 1500 متر مكعب من الرمال وفتح الثغرة الواحدة زمنًا لم يتجاوز خمس ساعات.
أما خط بارليف الحصين، فكان يتألف من نحو 30 نقطة قوية وحصنًا شُيّدت بطول القناة من بورسعيد شمالًا حتى بور توفيق جنوبًا، وشُيّد كل حصن على مساحة تقارب 500 متر في 500 متر، محاطة بحقول ألغام وأسلاك شائكة؛ وهو ما منح العدو قدرة على المراقبة والسيطرة النارية الكاملة على طول المجرى المائي والضفة الغربية، مدعومة بخط دفاعي ثانٍ في عمق سيناء؛ مما جعل عبور القناة مغامرة عسكرية بالغة التعقيد والخطورة.
ولمواجهة دبابات العدو التي قد تتدخل مبكرًا قبل اكتمال نصب الجسور، صُنعت عربات جر خفيفة ذات عجلات صامتة لحمل ذخائر الأسلحة المضادة للدبابات ومرافقة جنود المشاة فور نزولهم إلى الشاطئ الشرقي لتثبيت رؤوس الجسور في الساعات الأولى للمعركة.
ساع آوي..أوسكو..أوشريا
كانت هذه كلمات اللغة التي يمكنك نطقها وسماعها لكن لن تتمكن من كتابتها، لم يفهمها العدو رغم مراقبة جيشنا طوال الوقت وتعني "بدأت ساعة الصفر" "اضرب".
في العاشر من رمضان 1393هـ والسادس من أكتوبر 1973م
بدأت بهجمات جوية وضربات مركزة بأكثر من 200 طائرة مقاتلة ومشاركة أكثر من 2000 مدفع ليدك حصون خط بارليف.
تمكّن جيشنا الباسل من اقتحام قناة السويس والاستيلاء على خط بارليف بالكامل وإنشاء خمسة "رءوس كباري" بخمس فرق.
نتذكّر بعض الوثائقيات التي سجلت كلمات جيش العدو، "أنا لا أستطيع رفع رأسي"، "الرصاص يتطاير علينا في كل مكان".
معركة جبل المُر - 9 أكتوبر
مع بزوغ فجر التاسع من أكتوبر، كان الجيش المصري يخوض ملحمة تثبيت رؤوس الجسور في عمق سيناء. برز "جبل المُرّ" كنقطة حاكمة ومرتفعة تُشرف على القطاع الأوسط والمحاور المؤدية إلى المضائق. استمات العدو في شن هجمات مضادة متتالية بقوات مدرعة ضخمة لاستعادة السيطرة على هذا الموقع الاستراتيجي وفصل القوات المصرية المتقدمة.
لكن المفاجأة كانت في انتظارهم؛ حيث نصبت عناصر المشاة والمدفعية المصرية، مدعومة بصائدي الدبابات والصواريخ، كمائن محكمة استدرجت أرتال العدو إلى مناطق قتل مفتوحة. تحولت سفوح الجبل إلى مقبرة للدبابات من تشكيلات الاحتياط لجيش العدو؛ إذ دُمّرت عشرات الدبابات والمجنزرات وأُجبر من تبقى على الانسحاب مذعورًا، ليتحول جبل المُرّ إلى رمز لصمود المقاتل الفرد في مواجهة التفوق المدرع، معلنًا إحكام القوات المصرية قبضتها على مسرح العمليات الأوسط.
معركة بورتوفيق - 12 أكتوبر
في أقصى الجنوب، عند المدخل الجنوبي لقناة السويس، كان حصن بور توفيق (المعروف للعدو باسم كود "ميزح") يُعد من أعتى وأحصن نقاط خط بارليف على الإطلاق. فرضت قوات اللواء 130 مشاة أسطول وقوات الصاعقة حصارًا خانقًا ومطبقًا على الحصن منذ اللحظات الأولى لبدء العمليات، وقطعت عنه كل خطوط الإمداد والإخلاء.
على مدار أيام، دكّت القوات المصرية تحصينات الموقع بالنيران المباشرة، وتصدت ببسالة لكل محاولات دبابات العدو لفك الحصار عن الحامية المحاصرة. وبحلول الثاني عشر من أكتوبر، ومع نفاد الذخيرة والماء وانقطاع الأمل في أي نجدة، أدركت قيادة الحصن استحالة الصمود.
وتم الاستسلام بطريقة عسكرية مشهودة تحت إشراف الصليب الأحمر الدولي؛ حيث وقف قائد موقع العدو ليؤدي التحية العسكرية لقائد القوة المصرية ويُسلّمه علم الحصن، وخرج 37 ضابطًا وجنديًا من جيش العدو أسرى في مشهد تاريخي جسّد الانهيار الكامل لأسطورة خط بارليف الدفاعية.
معركة المنصورة الجوية - 14 أكتوبر
صراع الـ 53 دقيقة
حين قررت قيادة العدو رد الصفعة ومحاولة شل القواعد الجوية في الدلتا المصرية، أطلق العدو في ظهر 14 أكتوبر هجومًا جويًا واسع النطاق بأكثر من 120 إلى 160 طائرة حربية متطورة من طرازي "فانتوم" و"سكاي هوك"، بهدف تدمير قاعدة المنصورة الجوية (شاش) وتأمين تفوق جوي يسمح بضرب القوات في سيناء من الخلف.
هناك دارت أطول وأضخم معركة جوية في التاريخ العسكري الحديث منذ الحرب العالمية الثانية. على مدار نحو 53 دقيقة متواصلة من الاشتباك العنيف، تصدت نسور القوات الجوية المصرية بطائرات "الميج 21" -رغم فارق التكنولوجيا وسعة الوقود وحمولة التسليح- لأسراب العدو المغيرة، مدعومة بتنسيق عبقري وتوجيه دقيق من رادارات الدفاع الجوي.
تحولت سماء الدلتا إلى غابة من ألسنة اللهب والنيران؛ وأظهر الطيارون المصريون كفاءة ومناورات قتالية أذهلت مراكز الدراسات العسكرية الدولية. انتهت المعركة بفشل الهجوم التام من العدو، وإسقاط ما يقارب 17 إلى 18 طائرة معادية، واضطرار ما تبقى من طائرات العدو إلى إلقاء حمولتها والفرار نحو البحر، ليصبح هذا اليوم المجيد لاحقًا عيدًا رسميًا للقوات الجوية المصرية.
الدفرسوار - 15/16 أكتوبر
**
قام العدو ليلة 15/16 من أكتوبر باستغلال هجومه المركز على الجانب الأيسر للفرقة 16 من الجيش الثاني وعبر منطقة الدفرسوار بقوة من المظلات وسبع دبابات زادت إلى 30 دبابة استغلالًا لطبيعة الأرض؛ حيث دارت معركة طاحنة في شرق الدفرسوار وغربها وتكبد فيها الجيشان خسائر عديدة.
بنهاية 22 أكتوبر 1973، كان من المقرر تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 338 بوقف إطلاق النار، رغم عدم التزام العدو كاملًا بتنفيذه، إلا أنه تم وقف إطلاق النار الفعلي في تمام الساعة 11 ظهر يوم 28 أكتوبر 1973.
استمرت حرب الاستنزاف من 31 أكتوبر 1973 إلى 18 يناير 1974، أي يوم توقيع اتفاقية فصل القوات.
لقد نفذ جيشنا الباسل 439 عملية، منها 93 في شهر نوفمبر 1973 و213 عملية في شهر ديسمبر 1973 و133 عملية في شهر يناير 1974.
لم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية خاضها جيش لاستعادة رقعة جغرافية، بل كانت زلزالًا أطاح بأوهام "الجيش الذي لا يقهر" وأعاد صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط. تلك الأيام الممتدة بين عبور السادس من أكتوبر ومعارك الاستنزاف الثانية التي تلت وقف إطلاق النار، برهنت على أن التخطيط العلمي الرصين، والخداع الاستراتيجي المحكم، وتلاحم القيادة مع صلابة المقاتل، قادرة على قهر المستحيل ونسف أعتى الخطوط الدفاعية.
لقد دون المشير أحمد إسماعيل في أوراقه خلاصة التجربة؛ تجربة أمة رفضت أن تستسلم لصمت الانكسار، واستبدلت به زئير المدافع وحكمة الإدارة العسكرية الفذة. وحين جلس العالم بأسره يرقب مفاوضات الكيلو 101 واتفاقيات فصل القوات، كان الجميع يدرك حقيقة واحدة لا لبس فيها: أن يد مصر لم تعد مغلولة، وأن إرادة الجندي الذي خاض غمار القناة هي التي كتبت كلمة الفصل وأعادت للوطن كبرياءه المسلوب وللأمة كرامتها المستردة بدماء الشهداء.