ما بين السبابة والزناد
عبد الله ناصر يفتح خزائن النفس في «هذه ليست رصاصة»
بقلم: ياسمين عبدالقدوس
حين يصل كتابٌ إلى القائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ، فلا تتوقع عند قراءته أنك تفتح مجرد قصة، بل تجد نفسك قد تورّطت في تحليل نفسي لإحدى الشخصيات.
الجمل في هذه القصص لا تكتفي برواية الأحداث، بل تُفنِّد مجتمعات وتفكّك سيكولوجيات إنسانية معقّدة. ومُختارنا اليوم هو "هذه ليست رصاصة" للكاتب عبد الله ناصر، فمع الأسطر الأولى نجد أنفسنا أمام نص لا يطلق النار ليقتل، بل يوجّه السلاح تلقاء الثقب الذي يعتري الفكر المجتمعي ويروي القصة من أولها، لنعرف كيف انطلقت هذه الرصاصة؟
افتتاحية الكتاب: « نحن محاطون بالستائر » اقتباس من رينيه ماغريت، لربما هو دليل على ما ستختبره بين دفتي الكتاب، وهو ما تفسّره السطور الأخيرة، لتكتشف أن الأدب هنا لا ينزع السلاح، بل ينزع الساتر عن السلاح.
ما بين "السبابة" والزناد
ثلاثة مسدسات، وبندقية صيد تستند إلى الجدار، وترخيص قديم؛ كانت هذه هي تفاصيل المنزل الذي نشأ فيه الراوي، الأسلحة فيه ليست مجرد أدوات عنف في قبو مظلم، بل هي جزء من التفاصيل المختبئة بين السترات الصوفية وفي رفوف الخزانات العليا.
يضعنا الكاتب أمام مفارقة سيكولوجية: هل نملك السلاح لنحمي أنفسنا، أم أن وجود السلاح هو الذي يغوي صاحب السلاح باستخدامه؟
"يعرف أبي أن السلاح لا يخلو بيد إلا وتنجذب السبابة من تلقاء نفسها إلى الزناد".
كان هذا أول إدراك للراوي للغريزة البشرية، قفل الأمان لم يُصمَّم لمنع الحوادث بقدر ما صُمِّم تحسّبًا لـ«سبابة طائشة» تحركها رغبة الممارسة أو الخوف المكبوت.
الذخيرة والرماد النفسي
تتجلّى عبقرية عبد الله ناصر في قدرته على سرد المشاهد العابرة ليصنع منها صدمات طويلة المدى:
الرصاصة الأولى ومحو الأثر: في الشقة الأولى بالدمام، تنطلق رصاصة عفوية تخرق جدار الصالة وترتد، ينتهي الخطر الفعلي في لحظة، لكن "الطنين" يستمر في أذن الأم لسنوات طويلة. يُخفي الأب الأثر الأول خلف التلفزيون، ويتوارى الثاني خلف صورته الشخصية المعلقة؛ وكأن الأب مهما حاول رسم صورة لنفسه أمام العالم يبقى الشق موجوداً ينتظر الظهور لعقود.
سعود ناجي والعين الزجاجية: صديق الأب الذي فقد عينه في رحلة صيد إثر وثبة غزال جريح؛ وهذه العين الزجاجية لا تبدو عاهة بقدر ما تتحوّل إلى رمزيّة استبصار؛ عين تملك قدرة "المنظار" على رؤية الأشياء عن بُعد؛ الصيد في القصة ليس رياضة، بل هو مواجهة ناعمة مع الموت والرغبة في السيطرة.
تفكيك صورة الأب والأبعاد الاجتماعية
الأب في القصة ليس شخصية أسطورية ولا مجرمًا، بل هو نموذج للإنسان المتصالح مع تناقضاته، رجل يحمل ترخيص سلاح استوفى كل الشروط الشكلية: لا مرض نفسي ظاهر، ولا قيود أمنية واضحة... لكن الدراما الحقيقية تنكشف في السطر الأخير: الأب الذي يُشهد له بالوقار والرزانة كان قد أطلق في يوم بعيد خمس رصاصات على رجل ما!
هنا يصفعنا النص بالصدمة الوجودية: من منا يخلو من رصاصة مكتومة؟
المؤسسات والقوانين تمنح التراخيص بناءً على الورق، لكن البيروقراطية تعجز عن فحص الطبقات المظلمة في النفس البشرية. نحن جميعًا نعيش في بيوت تفصلنا فيها الستائر عن خطايانا، ونحمل أمراضنا النفسية المكتومة ونتعايش معها دون أن يدري بنا موظف التراخيص.
بناء النص وجدية الطرح
من الناحية الفنية، يعتمد عبد الله ناصر على تكثيف سردي شديد الذكاء؛ ينتقل بين ذكريات الطفولة، ومشاهد الصيد، ولغة الدليل الإرشادي لوزارة الداخلية، والمقارنة الحديثة بين أسعار مسدسات "غلوك" والهواتف الذكية، ليجعل من "السلاح" هوسًا معاصرًا يختفي خلف الحداثة والرفاهية.
رصاصة عبد الله ناصر في هذه المجموعة ليست تلك التي تخرج من الماسورة لتقبض روحًا، بل هي تلك الكلمة أو الذكرى أو الفكرة المخبَّأة التي تظل ترتطم بجدران أرواحنا، تاركة طنينًا لا يبرأ.
هل تعتقدون أن الأسلحة التي نحتفظ بها في أعماقنا (سواء كانت ذكريات قاسية، أم رغبات انتقام، أم خيبات قديمة) تنتظر لحظة طيش من "سبابة" الخوف لتنطلق؟ أم أن قفل الأمان النفسي كافٍ لحمايتنا؟
شاركونا آراءكم وانطباعاتكم عن المجموعة في التعليقات!
الجمل في هذه القصص لا تكتفي برواية الأحداث، بل تُفنِّد مجتمعات وتفكّك سيكولوجيات إنسانية معقّدة. ومُختارنا اليوم هو "هذه ليست رصاصة" للكاتب عبد الله ناصر، فمع الأسطر الأولى نجد أنفسنا أمام نص لا يطلق النار ليقتل، بل يوجّه السلاح تلقاء الثقب الذي يعتري الفكر المجتمعي ويروي القصة من أولها، لنعرف كيف انطلقت هذه الرصاصة؟
افتتاحية الكتاب: « نحن محاطون بالستائر » اقتباس من رينيه ماغريت، لربما هو دليل على ما ستختبره بين دفتي الكتاب، وهو ما تفسّره السطور الأخيرة، لتكتشف أن الأدب هنا لا ينزع السلاح، بل ينزع الساتر عن السلاح.
ما بين "السبابة" والزناد
ثلاثة مسدسات، وبندقية صيد تستند إلى الجدار، وترخيص قديم؛ كانت هذه هي تفاصيل المنزل الذي نشأ فيه الراوي، الأسلحة فيه ليست مجرد أدوات عنف في قبو مظلم، بل هي جزء من التفاصيل المختبئة بين السترات الصوفية وفي رفوف الخزانات العليا.
يضعنا الكاتب أمام مفارقة سيكولوجية: هل نملك السلاح لنحمي أنفسنا، أم أن وجود السلاح هو الذي يغوي صاحب السلاح باستخدامه؟
"يعرف أبي أن السلاح لا يخلو بيد إلا وتنجذب السبابة من تلقاء نفسها إلى الزناد".
كان هذا أول إدراك للراوي للغريزة البشرية، قفل الأمان لم يُصمَّم لمنع الحوادث بقدر ما صُمِّم تحسّبًا لـ«سبابة طائشة» تحركها رغبة الممارسة أو الخوف المكبوت.
الذخيرة والرماد النفسي
تتجلّى عبقرية عبد الله ناصر في قدرته على سرد المشاهد العابرة ليصنع منها صدمات طويلة المدى:
الرصاصة الأولى ومحو الأثر: في الشقة الأولى بالدمام، تنطلق رصاصة عفوية تخرق جدار الصالة وترتد، ينتهي الخطر الفعلي في لحظة، لكن "الطنين" يستمر في أذن الأم لسنوات طويلة. يُخفي الأب الأثر الأول خلف التلفزيون، ويتوارى الثاني خلف صورته الشخصية المعلقة؛ وكأن الأب مهما حاول رسم صورة لنفسه أمام العالم يبقى الشق موجوداً ينتظر الظهور لعقود.
سعود ناجي والعين الزجاجية: صديق الأب الذي فقد عينه في رحلة صيد إثر وثبة غزال جريح؛ وهذه العين الزجاجية لا تبدو عاهة بقدر ما تتحوّل إلى رمزيّة استبصار؛ عين تملك قدرة "المنظار" على رؤية الأشياء عن بُعد؛ الصيد في القصة ليس رياضة، بل هو مواجهة ناعمة مع الموت والرغبة في السيطرة.
تفكيك صورة الأب والأبعاد الاجتماعية
الأب في القصة ليس شخصية أسطورية ولا مجرمًا، بل هو نموذج للإنسان المتصالح مع تناقضاته، رجل يحمل ترخيص سلاح استوفى كل الشروط الشكلية: لا مرض نفسي ظاهر، ولا قيود أمنية واضحة... لكن الدراما الحقيقية تنكشف في السطر الأخير: الأب الذي يُشهد له بالوقار والرزانة كان قد أطلق في يوم بعيد خمس رصاصات على رجل ما!
هنا يصفعنا النص بالصدمة الوجودية: من منا يخلو من رصاصة مكتومة؟
المؤسسات والقوانين تمنح التراخيص بناءً على الورق، لكن البيروقراطية تعجز عن فحص الطبقات المظلمة في النفس البشرية. نحن جميعًا نعيش في بيوت تفصلنا فيها الستائر عن خطايانا، ونحمل أمراضنا النفسية المكتومة ونتعايش معها دون أن يدري بنا موظف التراخيص.
بناء النص وجدية الطرح
من الناحية الفنية، يعتمد عبد الله ناصر على تكثيف سردي شديد الذكاء؛ ينتقل بين ذكريات الطفولة، ومشاهد الصيد، ولغة الدليل الإرشادي لوزارة الداخلية، والمقارنة الحديثة بين أسعار مسدسات "غلوك" والهواتف الذكية، ليجعل من "السلاح" هوسًا معاصرًا يختفي خلف الحداثة والرفاهية.
رصاصة عبد الله ناصر في هذه المجموعة ليست تلك التي تخرج من الماسورة لتقبض روحًا، بل هي تلك الكلمة أو الذكرى أو الفكرة المخبَّأة التي تظل ترتطم بجدران أرواحنا، تاركة طنينًا لا يبرأ.
هل تعتقدون أن الأسلحة التي نحتفظ بها في أعماقنا (سواء كانت ذكريات قاسية، أم رغبات انتقام، أم خيبات قديمة) تنتظر لحظة طيش من "سبابة" الخوف لتنطلق؟ أم أن قفل الأمان النفسي كافٍ لحمايتنا؟
شاركونا آراءكم وانطباعاتكم عن المجموعة في التعليقات!