حين يصير المنفى حالة
إنعام كجه جي تستعيد وطنًا في الذاكرة في «صيف سويسري»
بقلم: مرام علاء
عندما يتمكّن الكاتب من اقتناص الكلمات التي تترجم وجدانه وإبرازها من خلال كتاباته، حتى تكاد تشعر بكل مقاصده وكأنك عشتها. هذا ما برعت فيه الكاتبة والصحفية العراقية "إنعام كجه جي" وتميزت به في أعمالها الأدبية، فنحن بصدد رحلة تتحدث عن ألم الاغتراب والوَحشة.
يكمُن إبداع إنعام كجه جي في قدرتها على تحويل الشعور بالألم والحنين إلى فن يُقرأ، إذ تأخذ القارئ في رحلة بين طيّات التاريخ والنفس، توثّق الواقع لكنها لا تنسى الخيال. تتميز لغة كجه جي في أعمالها عادةً بالواقعية الشاعرية الممزوجة بالسخرية المبطنة - أو ما يُطلق عليه الكوميديا السوداء - كما تبرع في بناء شخصيات مركبة، تحمل تناقضاتها الداخلية وصراعاتها مع المجتمع، ما يجعلها مرآة لتجارب الإنسان العراقي والعربي.
« الواقع هو ساحة الرواية، لا القصائد - إنعام كجه جي »
وُلدت إنعام كجه جي في بغداد بالعراق عام 1952، وهي صحفية وروائية وتُعتبر إحدى أبرز الأصوات الأدبية العربية المعاصرة، والتي حفرت لنفسها مكانة مميزة في المشهد الروائي والثقافي العربي بأعمالها الروائية التي تحمل في طياتها وجع العراق وحنين المنفى وتأملات عميقة في الهوية والذاكرة. بدأت مسيرتها كصحفية، حيث عملت في الإذاعة العراقية، ثم انتقلت إلى باريس لإكمال دراستها العليا في جامعة السوربون، لتصبح لاحقًا مراسلة لصحيفة "الشرق الأوسط". هذه التجربة المزدوجة بين الصحافة والأدب أكسبتها قدرة فريدة على التقاط التفاصيل الدقيقة للواقع وتحويلها إلى سرديات إبداعية تحمل عمقًا نفسيًا وفلسفيًا.
اشتهرت بالقصص القصيرة على صحيفة العرب الأولى "الشرق الأوسط"، مثل "فتّش عن الإسكافي" و"سياسة الهمبرغر" وغيرها، وعبّرت أكثر من مرة عن أن القصص القصيرة هي حبها الأول. لكن يظل الحضور الكثيف للمنفى والحنين يشغل كتابتها ورواياتها، وتبقى موضوعة العلاقة بالوطن هي الخيط الذي ينظم خرز السرد بكل ألوانه، رغم أنها اختارت بنفسها العيش في الخارج ولم تُنفَ، فإن هذا الشعور يكفيها لتتذكر وَحشتها إلى وطنها.
صيف سويسري
لم يكن "صيف سويسري" عملها الوحيد الذي يناقش عوالم الغُربة والهوية والذاكرة العراقية المثقلة بالتحوّلات، لكنها تفرّدت بطرح مفهوم "المنفى الاستثنائي" في سويسرا، مقارنة بوطن المنشأ المأزوم. فبأسلوب سردي يمزج ببراعة بين الكوميديا السوداء والسخرية المبطنة، ترصد الكاتبة عزلة شخوصها، كاشفةً عن مفارقة حادة بين عالمين: صرامة سويسرا الباردة ونظامها الدقيق، في مواجهة صخب العراق وحميميته العاطفية الممتزجة بالاضطرابات.
ارتكزت حبكة الرواية — التي أهّلتها لبلوغ القائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ لعام 2026 — على ركائز فنية لافتة؛ أولها الزمن الذي لم يسر في خط مستقيم، بل تشكّل كلوحة تكتمل تدريجياً عبر الاسترجاع والذاكرة الانتقائية للشخصيات، مجسّداً تشتتهم الوجودي. وثانيها اللغة، حيث زاوجت كجه جي بأناقة بين فصاحة السرد ورشاقته، وعفوية اللهجة العراقية الحميمية في الحوارات والمونولوجات الداخلية؛ وكأنها تستحضر نبض الوطن الحيّ وتدعو شخوصها للتشبث بجذورهم وهويتهم الأم.
ليست أول جائزة
بالطبع، لن تكون القائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ أول ما تترشّح له الروائية والصحفية إنعام كجه جي، فقد حازت على "جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية فرع القصة والرواية المسرحية" لعام 2025 عن مجمل أعمالها وما اتّسمت به كتاباتها من قدرة على المزج بين الجانبين التوثيقي والأدبي.
كما رُشّحت لها رواية "الحفيدة الأمريكية" الصادرة عام 2008 ورواية "طشّاري" الصادرة عام 2013 ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، ورُشّحت رواية "النبيذة" الصادرة عام 2018 ضمن القائمة القصيرة للبوكر أيضًا.
في نهاية المطاف، لا تكتب إنعام كجه جي عن المنفى كجغرافيا نبتعد عنها، بل كحالة شعورية تسكننا أينما حللنا. تظل نصوصها شهادة حيّة على أن الوطن لا يُترك في محطات السفر أو قاعات المطارات، بل يُحمل في الذاكرة، ويُستعاد عبر تفاصيل صغيرة، وكلمة عامية دافئة، وحنينٍ لا ينطفئ. لقد حوّلت كجه جي وَحشة الاغتراب من مجرد مأساة صامتة إلى ملحمة إنسانية تقاوم النسيان، لتؤكد عبر كل صفحة أن الجسد وإن أقام في المنافي الباردة، فإن نبض الحكاية سيظل عراقيًا خالصًا.
يكمُن إبداع إنعام كجه جي في قدرتها على تحويل الشعور بالألم والحنين إلى فن يُقرأ، إذ تأخذ القارئ في رحلة بين طيّات التاريخ والنفس، توثّق الواقع لكنها لا تنسى الخيال. تتميز لغة كجه جي في أعمالها عادةً بالواقعية الشاعرية الممزوجة بالسخرية المبطنة - أو ما يُطلق عليه الكوميديا السوداء - كما تبرع في بناء شخصيات مركبة، تحمل تناقضاتها الداخلية وصراعاتها مع المجتمع، ما يجعلها مرآة لتجارب الإنسان العراقي والعربي.
« الواقع هو ساحة الرواية، لا القصائد - إنعام كجه جي »
وُلدت إنعام كجه جي في بغداد بالعراق عام 1952، وهي صحفية وروائية وتُعتبر إحدى أبرز الأصوات الأدبية العربية المعاصرة، والتي حفرت لنفسها مكانة مميزة في المشهد الروائي والثقافي العربي بأعمالها الروائية التي تحمل في طياتها وجع العراق وحنين المنفى وتأملات عميقة في الهوية والذاكرة. بدأت مسيرتها كصحفية، حيث عملت في الإذاعة العراقية، ثم انتقلت إلى باريس لإكمال دراستها العليا في جامعة السوربون، لتصبح لاحقًا مراسلة لصحيفة "الشرق الأوسط". هذه التجربة المزدوجة بين الصحافة والأدب أكسبتها قدرة فريدة على التقاط التفاصيل الدقيقة للواقع وتحويلها إلى سرديات إبداعية تحمل عمقًا نفسيًا وفلسفيًا.
اشتهرت بالقصص القصيرة على صحيفة العرب الأولى "الشرق الأوسط"، مثل "فتّش عن الإسكافي" و"سياسة الهمبرغر" وغيرها، وعبّرت أكثر من مرة عن أن القصص القصيرة هي حبها الأول. لكن يظل الحضور الكثيف للمنفى والحنين يشغل كتابتها ورواياتها، وتبقى موضوعة العلاقة بالوطن هي الخيط الذي ينظم خرز السرد بكل ألوانه، رغم أنها اختارت بنفسها العيش في الخارج ولم تُنفَ، فإن هذا الشعور يكفيها لتتذكر وَحشتها إلى وطنها.
صيف سويسري
لم يكن "صيف سويسري" عملها الوحيد الذي يناقش عوالم الغُربة والهوية والذاكرة العراقية المثقلة بالتحوّلات، لكنها تفرّدت بطرح مفهوم "المنفى الاستثنائي" في سويسرا، مقارنة بوطن المنشأ المأزوم. فبأسلوب سردي يمزج ببراعة بين الكوميديا السوداء والسخرية المبطنة، ترصد الكاتبة عزلة شخوصها، كاشفةً عن مفارقة حادة بين عالمين: صرامة سويسرا الباردة ونظامها الدقيق، في مواجهة صخب العراق وحميميته العاطفية الممتزجة بالاضطرابات.
ارتكزت حبكة الرواية — التي أهّلتها لبلوغ القائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ لعام 2026 — على ركائز فنية لافتة؛ أولها الزمن الذي لم يسر في خط مستقيم، بل تشكّل كلوحة تكتمل تدريجياً عبر الاسترجاع والذاكرة الانتقائية للشخصيات، مجسّداً تشتتهم الوجودي. وثانيها اللغة، حيث زاوجت كجه جي بأناقة بين فصاحة السرد ورشاقته، وعفوية اللهجة العراقية الحميمية في الحوارات والمونولوجات الداخلية؛ وكأنها تستحضر نبض الوطن الحيّ وتدعو شخوصها للتشبث بجذورهم وهويتهم الأم.
ليست أول جائزة
بالطبع، لن تكون القائمة القصيرة لجائزة نجيب محفوظ أول ما تترشّح له الروائية والصحفية إنعام كجه جي، فقد حازت على "جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية فرع القصة والرواية المسرحية" لعام 2025 عن مجمل أعمالها وما اتّسمت به كتاباتها من قدرة على المزج بين الجانبين التوثيقي والأدبي.
كما رُشّحت لها رواية "الحفيدة الأمريكية" الصادرة عام 2008 ورواية "طشّاري" الصادرة عام 2013 ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، ورُشّحت رواية "النبيذة" الصادرة عام 2018 ضمن القائمة القصيرة للبوكر أيضًا.
في نهاية المطاف، لا تكتب إنعام كجه جي عن المنفى كجغرافيا نبتعد عنها، بل كحالة شعورية تسكننا أينما حللنا. تظل نصوصها شهادة حيّة على أن الوطن لا يُترك في محطات السفر أو قاعات المطارات، بل يُحمل في الذاكرة، ويُستعاد عبر تفاصيل صغيرة، وكلمة عامية دافئة، وحنينٍ لا ينطفئ. لقد حوّلت كجه جي وَحشة الاغتراب من مجرد مأساة صامتة إلى ملحمة إنسانية تقاوم النسيان، لتؤكد عبر كل صفحة أن الجسد وإن أقام في المنافي الباردة، فإن نبض الحكاية سيظل عراقيًا خالصًا.